المدينة اليومالحالة
القدس11
رام الله11
نابلس11
جنين13
الخليل10
غزة17
رفح17
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-08-03 10:55:10

تركيا وسياسة التهديدات الأمريكية

منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقاليد الحُكم في يناير 2017، انتهج سياسة تصادمية مع معظم دول العالم وحتى مع المنظمات الدولية والإقليمية، تطبيقاً للمبدأ الذي أعلن عنه أثناء حملته الانتخابية "أمريكا أولاً"، مدفوعاً بالرغبة الأمريكية في فرض المزيد من السيطرة والنفوذ يُمكنها من الوصول إلى مرحلة الهيمنة على العالم، في ظل حالة التحولات التي يشهد النظام الدولي في الوقت الراهن والذي يُمكن وصفه بأنه نظام متعدد الأقطاب، على الرغم من استمرار أمريكا فرض سيطرتها على النظام العالمي أحادي القطبية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
إن السياسة الأمريكية تجاه العالم قائمة على سياسة التهديد والتصادم من الناحية الاقتصادية بشكل خاص، لما لهذا البُعد الأثر القوي في زعزعة استقرار الدول المنافسة لها، ورغبةً من قِبل أمريكا في إبعاد أي منافس دولي وإقليمي تستشعر منه الخطر في إبقاءها صاحبة السيطرة على النظام العالمي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. هذه السياسة الأمريكية قائمة على مبدأ "أمريكا أولاً" كمبدأ يسعى ترامب من خلاله تعظيم حجم المنافع الأمريكية في كافة الاتجاهات، وأيضاً على مبدأ "سياسة الاحتواء" المرتكز على مواجهة الدول ومحاولة احتواءها، التي تُعتبر وفق رؤية صانع القرار الأمريكي أنها عدو يُهدد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في العالم، وأيضاً قائمة على سياسة "تقليم الأظافر" لمنع أي دولة أو أي مؤسسة دولية وإقليمية من الوقوف في وجه السياسة الأمريكية، عبر تنفيذ سلسلة من التهديدات والعقوبات تجاه تلك الدول والمؤسسات.
لقد أدخل مبدأ "أمريكا أولاً" السياسة الخارجية الأمريكية في حالة تصادمية مع معظم دول العالم، كانت نتائجه هو بداية ظهور فجوة عدم ثقة ويقين بين الدول والمنظمات الدولية والإقليمية وأمريكا. فقد عُرفت السياسة التصادمية التي يتبعها دونالد ترامب حول العالم بـ"سياسة أو دبلوماسية التهديد" لكل من يُعارض السياسة والمواقف والقرارات الأمريكية، إذ وضعت هذه السياسة الرئيس في مواجهة فعلية وحقيقية مع جميع شركائه وحلفائه حول العالم، انعكست بشكل سلبي على صدقية العلاقة بين أمريكا ودول العالم. لم تنحصر سياسة ترامب التهديدية فقط على الدول التي يعتبرها عدو لأمريكا وله، بل امتدت للعديد من الدول الحليفة والشريكة والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة عبر انسحاب أمريكا من مجلس حقوق الإنسان، الاتحاد الأوروبي وضغطه على بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد، اعتراضه على السياسة الألمانية بسبب قيام ألمانيا بدفع مليارات الدولارات للحصول على الغاز والنفط الروسي، وأيضاً فيما يتعلق بالسياسة الألمانية حول استقبال اللاجئين. حلف الشمال الأطلسي (الناتو) لم يسلم هو الآخر من سياسة ترامب التصادمية والتهديدية، حيث طالب الدول الحلفاء بزيادة معدل الانفاق العسكري ليصل إلى 2% وعدم تحمل أمريكا وحدها النصيب الأكبر من الانفاق. كما أن كندا لم تكن بمعزل عن هذه السياسة الترامبية، عبر تهديده بفرض رسوم جمركية على صادرات كندا. ناهيك عن تهديده لكوريا الجنوبية بعدم التوقيع على الاتفاقية التجارة الحرة معها على خلفية المباحثات المرتبطة بالملف النووي لكوريا الشمالية. كما طالت تلك التهديدات أيضاً إيران، وذلك بعد أن أعلن ترامب انسحابه من الاتفاق النووي بشكل أحادي، مطلقاً رُزمة تهديدات بفرض عقوبات اقتصادية شديدة على إيران بهدف اضعاف الاقتصاد الإيراني، ومطالبته للدول التي تربطها علاقات اقتصادية تبادلات وتجارية بقطع تلك العلاقات مع إيران وعدم شراء النفط منها، مهدداً في الوقت ذاته بفرض عقوبات على أي دولة لا تقوم بتنفيذ مطالبه، وهدف ترامب من هذه العقوبات على إيران مكافحة نفوذها وتمددها في منطقة الشرق الأوسط وقطع الطريق أمام العلاقات الإيرانية الروسية الصينية المتنامية باستمرار وما لهذه العلاقات من أثرها الفاعل والواضح على الأزمة السورية. كما طالت تهديدات ترامب روسيا أيضاً، فقد فرض ترامب مجموعة من العقوبات على روسيا بسبب قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، واحتلال شبه جزيرة القرم والأزمة السورية. لم تسلم تركيا هي الأخرى من هذه السياسة وتلك التهديدات.
في الآونة الأخيرة شهدت العلاقات الأمريكية – التركية حالة من التوتر الشديد بسبب عدة قضايا، ما دفع أمريكا إلى اطلاق التهديدات بفرض عقوبات على تركيا. إذ أن أبرز القضايا التي رفعت وتيرة التهديدات هي قضية القس الأمريكي "اندرو برانسون" المتهم بعدة قضايا تمس الأمن القومي التركي وارتباطه بتنظيمات إرهابية. هذا التوتر وخاصة المتعلق بقضية القس، دفعت ترامب إلى اطلاق تهديدات بفرض عقوبات على تركيا في حال لم تطلق سراح القس الأمريكي، وهو ما رفضته تركيا لاعتبارها أن هذا الأمر يُعد بمثابة تدخل بالشؤون الداخلية التركية وخاصة الجانب القضائي، وأيضاً كونه يمُس السيادة التركية. يمكن اعتبار هذه القضية هي الدافع الرئيس والسبب العلني لفرض أي عقوبات على تركيا من قبل أمريكا، لكن في حقيقة الأمر هناك العديد من القضايا والملفات المتداخلة دفعت ترامب للتهديد بفرض عقوبات.
أولاً: بعد أن أعلن ترامب انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني، طالب حلفائه وشركائه وجميع الدول بالانضمام إلى الصف الأمريكي بفرض حصار مشدد على إيران وقطع تلك الدول المرتبطة بإيران علاقاتها الاقتصادية والتبادلات التجارية معها وعدم شراء النفط الإيراني، حيث هدد الدول التي لن تستجيب لهذا الطلب أنها ستكون تحت طائلة العقوبات. فقد حاولت أمريكا التأثير على صانع القرار التركي للتجاوب مع هذا الطلب، إلا أنه جوبه بالرفض الشديد من قبل تركيا، على الرغم من أن العلاقات بين تركيا وإيران ليست ذات طابع استراتيجي بالدرجة الأولى، إلا أن تركيا تحافظ على مستوى العلاقات المتنوعة مع إيران. ما اعتبرته أمريكا تحدياً تركياً لها ولسياستها.
ثانياً: التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على تركيا تأتي أيضاً في إطار المساعي الأمريكية لمنع الدول الشريكة والحليفة من تعزيز العلاقات العسكرية مع روسيا عبر شراء منظومات أسلحة من روسيا. إن حصول تركيا على منظومة الدفاع الجوي إس 400 الروسية، ساهم في زيادة التوتر بين أمريكا وتركيا، وزاد من حدة التهديدات التي أطلقها ترامب ضد تركيا، عبر التهديد بعدم السماح لتركيا بامتلاك المقاتلة العسكرية F-35، وتخفيض التعاون العسكري بينهما. وفي سياق هذا السبب، تزداد حدة التذمر الأمريكي بسبب التقارب التركي الروسي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وهو ما يُقلق أمريكا ويدفعها إلى التشدد في فرض أي عقوبات على تركيا الحليف في الناتو، الذي ترى أمريكا في ذلك أن تركيا تسير خارج إطار الحلف وسياساته.
ثالثاً: هذا السبب متعلق بالقوة الاقتصادية والعسكرية التركية المتنامية خلال السنوات الأخيرة، فالاقتصاد التركي يُعتبر من الاقتصادات القوية والمنافسة في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام. كما أن تركيا حققت قفزة نوعية خلال السنوات السابقة في مجال التصنيع العسكري ما منحها قدر كافي من توفير احتياجاتها العسكرية الذاتية. في هذا السياق، ترى أمريكا أن هذا الأمر يهدد المصالح الأمريكية الاستراتيجية والجيوسياسية حول العالم، إذ أن رغبة تركيا في الانضمام إلى تجمع البريكس، سعيها للوصول خلال السنوات الخمسة القادمة لتكون ضمن ترتيب أقوى عشرة قوى اقتصادية عظمى في العالم والأقوى في منطقة الشرق الإسلامي، هذا يعني بالنسبة لأمريكا وجود منافس اقتصادي قوي مؤثر في وعلى اقتصاديات العالم، وهو ما ترفضه أمريكا لرغبتها في البقاء المسيطر والمتحكم الوحيد في النظام الاقتصادي العالمي. في هذا الإطار فرضت أمريكا رسوم جمركية إضافية على منتجات الصلب والحديد والألومنيوم التركي، في محاولة للتأثير على الاقتصاد التركي، وادخال الاقتصاد التركي في حالة من عدم الاستقرار والتدهور بهدف محاصرة الطموح التركي الاقتصادي الطامح للعالمية.
هذه الأسباب ترتكز عليها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب في تهديداتها بفرض عقوبات على تركيا، متخذة من قضية القس الأمريكي ذريعة رئيسية في تنفيذ تلك التهديدات التي بدأت أمريكا بفرضها فعلياً يوم الأربعاء 1 أغسطس 2018 على كلٌ من وزير العدل والداخلية التركي، وقد تطال أيضاً شخصيات أخرى وشركات تجارية واقتصادية. في سياق هذه التهديدات والعقوبات التي تم فرضها، شهدت الليرة التركية انخفاض شديد في قيمتها بشكل ملحوظ، فقد وصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة التركية إلى سعر 5 ليرات تركية. الانخفاض مرتبط أيضاً بالتطورات الجارية في الإقليم المجاور لتركيا وخاصة الأزمة السورية واليمنية وما شهدته منطقة باب المندب من ايقاف مرور ناقلات النفط بعد تعرض ناقلة نفط سعودية لهجوم صاروخي، بالإضافة إلى العقوبات التي تفرضها أمريكا على إيران، وغيرها من التطورات المرتبطة بالنظام الاقتصادي العالمي. لكن كل هذه الأسباب التي دفعت أمريكا بفرض عقوبات على تركيا بذريعة القس، وكافة التطورات المحيطة بتركيا سواء سياسياً أو اقتصادياً وحتى أمنياً تواجه من قبل صانع القرار التركي بالندية.


أحمد سمير القدرة
باحث سياسي في العلاقات الدولية



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورمواجهاتبينالشبانوقواتالاحتلالعلىالمدخلالشماليلمدينةالبيرة
صورصلاةالجمعةفيرحابالمسجدالأقصىالمبارك
صورقواتالاحتلالتقتحممنازلالمواطنينبالقربمندواربيتعينونشمالالخليل
صورمستوطنونيتجمعونبالقربمندواربيتعينونشمالالخليل

الأكثر قراءة