2018-10-16الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس19
رام الله19
نابلس20
جنين22
الخليل18
غزة24
رفح24
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-08-30 02:20:34

القدس والمسجد الأقصى بين زلّة عيد وخطيئة يوسف زيدان!

لا يخلو كتاب "جغرافيا التوراة في جزيرة الفراعنة"، للباحث المصري أحمد عيد، من النصوص المكتوبة بحرفية وجهد موسوعي ملحوظ هنا وهناك، ما يجعلها قابلة للنقاش العلمي، وتحديداً رحلة الحاجة إيثيريا إلى الأرض المقدسة، والتي يعتقد الكاتب أنها في اليمن.

لعل أخطر ما ورد في معرض كلام الباحث عيد عن الحاجة إيثيريا إلى الأرض المقدسة التي يعتقد أنها في اليمن، خلال العهد الفرعوني ومن دون تحديد تأريخي دقيق، ورغم أن المؤلف أكد في إحدى فقرات كتابه رفضه ومناهضته للصهيونية، هو تطرقه غير المدروس والمتعجل إلى الحديث الذي نسبه ابن إسحاق لإحدى زوجات النبي العربي الكريم محمد، وهي أم هانئ بنت أبي طالب، حول مروية "الإسراء والمعراج" القرآنية، بما يؤكد، من وجهة نظره، أن رحلة النبي السماوية قد تمت الى "بيت المقدس في اليمن"، وليس إلى بيت المقدس في فلسطين، على اعتبار يصرح به المؤلف، وهو أن شمال اليمن يدعى الشام، من دون أن يوثق كلامه أدنى توثيق، ليكتب بعد ذلك "ويؤكد ما نذهب إليه أن القديسة إيثيريا قد أدت فريضة الحج في اليمن ما يلي: ذكر ابن إسحاق فيما بلغه عن أم هانئ أنها قالت...". ثم يروي الكاتب نص الحديث وخلاصته كما جاء على لسان أم هانئ، أن الإسراء بالنبي تم من بيتها وقد أخبرها النبي بتفاصيل ما حدث، فترجّته ألا يحدِّث الناس بذلك لئلا يكذِّبوه فرفض وحدثهم، فقالوا:‏‏ ما آية ذلك يا محمد‏‏؟‏‏ فذكر لهم النبي أنه مرّ بعير لأناس معلومين وأضاف "وأنا موجَّه إلى الشام‏‏.‏‏ ثم أقبلتُ حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياماً، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان؛ وآية ذلك أن عيرهم الآن يصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والأخرى برقاء". فتأكد الناس من صدق كلام النبي. ليستنتج الباحث من هذا الحديث ما يلي "وإذا ما عرفنا أن ثنية التنعيم على مسافة ستة أميال جنوب مكة لأدركنا على الفور سبب الابتدار الذي أشار إليه ابن إسحاق. أما ضنجان، وهو المكان الذي جاءت منه القافلة، فهو "ضنكان" وهي واد في أسفل جبل السراة يصب في البحر، وهو من مخاليف اليمن، ولا ضنجان أو ضنكان إلا في اليمن. فرحلة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت إلى الجنوب مروراً بضنكان إلى بيت المقدس في اليمن/ ص19". إن استنتاج أحمد عيد هذا غير صحيح بتاتاً من الناحية الجغرافية، فضجنان والتنعيم كلاهما شمال مكة، والواضح أن الكاتب قرأ الاسم خطأ، فتحوّل في قراءته من "ضجنان" كما ورد في جميع المصادر الإسلامية إلى "ضنجان". وعلى افتراض أنه يقصد "ضجنان" ولكنّ خطأ مطبعياً قد وقع عند كتابته الاسم، فهذا الاستنتاج الذي يطرحه مغلوط تماماً وهذه هي الحيثيات والأدلة:
ـــ اسم "ضجنان" يأتي بمعنيين، الأول جبل ضجنان شمال مكة وفي الطريق منها إلى المدينة (ورُوِي عن عُمَر: أنَّه أَقْبَل حتى إذا كانَ بضَجْنانَ، قالَ: هو مَوْضِعٌ أَو جَبَلٌ بينَ مكَّةَ والمَدينَةِ/ تاج العروس ــ الزبيدي).
والمعنى الثاني، ضجنان حَرَّة - أرض ذات حجارة سوداء - شمال مكة يمر الطريق بنعفها الغربي، على مسافة 54 كيلاً على طريق المدينة، تعرف اليوم بحرة المحسنية (موسوعة السيرة – معجم الأماكن – وزارة الأوقاف السعودية).

    كان ينبغي على أحمد عيد أن يتفادى الوقوع في خطأ في قراءة كلمة تحوّل إلى خطأ علمي ومنهجي


ـــ ثنية التنعيم وفيها مسجد التنعيم العريق، ويسمى أيضاً مسجد عائشة (بُني في المكان الذي أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالعمرة في حجة الوداع سنة 9 للهجرة، ويقع التنعيم في الجهة الشمالية الغربية من مكة على بعد 7.5 كلم عن المسجد الحرام شمالاً على طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة/ موسوعة السيرة - معجم الأماكن). وهكذا، فالخط الجغرافي الذي يتضمنه الحديث النبوي، يمتد نازلاً من الشمال، حيث جبل ضجنان في الاحتمال الأول، أو حَرَّة الضجنان في الاحتمال الثاني، وكلاهما شمال مكة، إلى ثنية التنعيم، وهي أيضا شمال غربي مكة، ولا علاقة لكلا الموضعين باليمن أو بالاتجاه نحوها من جنوب مكة.
كان ينبغي على الباحث أحمد عيد أن يتفادى الوقوع في هذا الخطأ الصغير في قراءة الكلمة، الذي تحوّل إلى خطأ علمي ومنهجي، وربما لامس ما هو ثقافي وسياسي، تحت وطأة تحمسه لما ظنه اكتشافاً علمياً. ورغم ذلك، فإن ما طرحه الباحث عيد يبقى اجتهاداً قابلاً للأخذ والرد والتصويب والتخطئة، ولا يمكن تحميله أكثر مما ورد فيه ضمن نطاق حرية البحث العلمي وإبداء الآراء.
أما بخصوص ما كرره بحماسة د. يوسف زيدان في السنوات الأخيرة، فالأمر مختلف تماماً؛ فكتاباته وإطلالاته الكثيفة توحي كأنه يخوض حملة ممنهجة لنشر رأيه الخطير هذا. لقد بالغ يوسف زيدان في تبنيه لحديث مسجد الجعرانة، حتى تصوّر البعض أنه هو مخترع هذه القصة كلها، ثم انتهى إلى إنكار فلسطينية بيت المقدس وعروبته وإسلاميته، وكرر ذلك بإلحاح يثير الشبهة في كتاباته ولقاءاته التلفزية الاستعراضية التي كثُرت في السنوات القليلة الماضية. وسيسهل علينا فهم مقاصد الرجل إذا ما علمنا أنه هو صاحب مقولة "الحرب بيننا وبين اسرائيل لا معنى لها"، وهو الذي برّأ الدولة الصهيونية من مجزرة صبرا وشاتيلا بقوله "بما أن المجزرة ارتكبها حزب الكتائب اللبناني، فليس هناك سبب لإلقاء اللوم على وزير الدفاع الإسرائيلي شارون"، وليس انتهاءً بإنكاره لوجود بيت المقدس بقوله "ما يقال عن القدس ليس إلا خرافة، وما فيش حاجة كده... فلا بيت مقدس ولا قدس شريف ولا إسراء ولا معراج من القدس. والإسراء جاء في ليلة كان فيها الرسول حيران فسرى ليلاً من مكة إلى الطائف وكان في الطريق مسجدان أحدهما الأدنى والثاني الأقصى، وهو المقصود في الآية الكريمة، وليس أقصى القدس الذي بناه عبد الملك بن مروان في سنة 62 هجرية". كما اقتبس كلامه هذا علي الصالح في مقالة له حول الموضوع، حتى استحق زيدان أن توجه له سفارة الدولة الصهيونية في مصر كتاب شكر وتقدير لجهوده "العلمية"!
فما قصة مسجد الجعرانة ومن أين جاء بها يوسف زيدان؟
لم تكن النسخة الأصلية من هذه الفرية المفبركة من ابتكار يوسف زيدان، بل سبقه إليها مستشرقون صهاينة أو ذوو ميول صهيونية في "إسرائيل" وخارجها. وكان الكاتب المصري محمد عمارة قد وثق جيّداً هذه الفرية وكتب بخصوصها "إن ما جاء به زيدان مصدره وثيقة كتبها مؤسس ما تسمى رابطة الدفاع اليهودية دانييال بايبس، ونشرتها مجلة الأهرام في أبريل 1999. وتستند الوثيقة إلى أنه عندما نزلت الآية ــ الخاصة بالإسراء ــ لم يكن هناك مسجد جامع اسمه الأقصى". ويضيف الصالح "وهذه الشبهة، يقول عمارة، مردها عدم الفهم لكلمة مسجد. فالرسول أسري به من المسجد الحرام، لم يكن نائماً ولا مقيماً في المسجد الحرام، كان مقيماً في مكة، أي أسري به من الحرم المكي إلى الحرم القدسي. القراءات لم تتحدث عن بناء أو جدار أو شبابيك اسمها المسجد الحرام، أو الاقصى، بل تحدثت عن الاسراء من الحرم المكي، لأن كل مكة حرم، إلى الحرم القدسي في القدس". وأما عن وجود الأقصى في مكان بين مكة والطائف في السعودية، يضيف عمارة، فإن هذا الكلام ردده في يوليو 2009 مردخاي كيدار، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية، في محاضرة في الكنيست قال فيها "إن القدس يهودية وعلى المسلمين أن يحملوا أحجار قبة الصخرة ليبنوها بمكة، فالمسجد الأقصى مكانه "الجعرانة" بين مكة والطائف". ويوضح عمارة أن كل من كتب عن الإسلام وتاريخ الإسلام يجمع على أن أول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قباء على مشارف المدينة، وأن مسجد الجعرانة بناه الرسول وأحرم منه للعمرة عام 6 هـجري، أي بعد الإسراء، ونزول آيته بنحو عشر سنوات. ولم يكن التشكيك في المسلمات الاسلامية المقدسية فقط سوى المدخل الذي أراده الدكتور الاديب يوسف زيدان من أجل التشكيك في مجمل قواعد وأسس وركائز القضية الفلسطينية، لغرض في نفس يعقوب... فبعد التشكيك في قدسية القدس لن يكون هناك ــ في اعتقاده ــ محرمات أو خطوط حمراء في القضية الفلسطينية.
واضح أن كون مسجد الجعرانة قد بناه الرسول وأحرم منه للعمرة عام 6 هـجري، أي بعد الإسراء، وفق بعض الروايات، أو أنهما مسجدان صغيران، وفق روايات أخرى سنذكرها بعد قليل، هما مسجد أقصى (في أقصى الوادي) وآخر أدنى (في أدنى الوادي)، ينسف هذه الخرافة الصهيونية من أساسها ولا يترك أي مجال حتى لمناقشتها والأخذ والرد بصددها لأنها باطلة أساساً بحكم التأريخ. فسورة الإسراء نزلت في مكة في السنة العاشرة أو الحادية عشرة من البعثة أي قبل الهجرة، أما حدث الإسراء والمعراج نفسه فقد اختلف المؤرخون المسلمون على سنة وشهر وقوعه بالضبط، ولكنهم يتفقون على أنه حدث قبل الهجرة بسنة إلى خمس سنوات، وفي الفترة التي كانت القدس تحت الاحتلال الفارسي الأخميني، ولم يكن موضع ومسجد الجعرانة قائماً حين نزلت سورة الإسراء، ولم يرد أي ذكر لهذا المسجد أو المصلى قبل الهجرة في أي نص إسلامي. إن المعروف والمتفق عليه هو أن أول مسجد في الإسلام هو مسجد قباء الذي بنيَ في السنة الأولى للهجرة الموافق لسنة 622م، أما إحرام الرسول من موضع الجعرانة الذي تحول لاحقاً إلى مسجد، فتم في السنة السادسة للهجرة وفي عمرته الثالثة، أي إن بين الحدثين، نزول سورة الإسراء وبين ظهور اسم "الجعرانة" وإحرام النبي منه ستة عشر إلى سبعة عشر عاماً. فهل يستقيم ويصح البناء تأريخياً لحدث وقع بعد تأريخ محدد لاحقاً على دليل من موضع تاريخي غير قائم قبله؟
ولكي نفرغ تماماً من دحض وتفنيد هذه الفرية الصهيونية الاستشراقية التي يكررها يوسف زيدان وصحبه، دعونا نقرأ نقدياً المزيد مما كتب عن هذا الموضوع:
يرى د. حسام الدين عفانه أن كلَّ ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى، ما هو إلا تكرارٌ لما قاله بعض المستشرقين اليهود وغير اليهود من ذوي الميول الصهيونية، ومنهم الباحث اليهودي أهارون بن شيمش مترجم القرآن إلى اللغة العبرية، ومردخاي كيدار، ويهودا ليطاني، وإسحق حسون، والباحثة حوا لاتسروس يافه التي كتبت بحثاً أكدت فيه أن المسجد المذكور في آية الإسراء قد فُهم منذ البداية أنه مسجدٌ بعيدٌ قصيٌ سماوي، ولم يُقصد منه ذلك المسجد الذي لم يُقَم في القدس إلا زمن الأمويين. ودعمت لاتسروس فكرتها بمقال كتبه جوزيف هوروفيتش حول الموضوع نفسه أكَّد فيه أن المسجد الذي عنته آية الإسراء، إنما هو مصلىً سماوي يقع في القدس السماوية العليا. ويذكر د. عدنان إبراهيم في أحد ردوده على د. يوسف زيدان، أن الباحثة الإسرائيلية يافه استدركت فكتبت لاحقاً "لا نستطيع أن نشكك في قدسية بيت المقدس عند المسلمين منذ الأيام الأولى للإسلام"، أي إنها تحترم قدسية بيت المقدس عند المسلمين، على العكس من زيدان الذي يسفّه هذه القدسية للأسف أيّما تسفيه، وله في ذلك أقوال وتوصيفات مسيئة ومحرجة.

    لم تكن النسخة الأصلية من الفرية المفبركة من ابتكار يوسف زيدان بل سبقه إليها مستشرقون صهاينة


ويخلص عفانة الى القول "ما قاله يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس، ما هو إلا تردادٌ لما قاله المستشرقون قبله، أمثال المســتشرق المجري اليهودي كولــد تســيهر والمستشرق اليهودي غويتاين وغيرهما من المستشرقين. أعتقد أن عفانة قد أخطأ في إدراج المستشرق غوتين أو غواتاين مع هذه المجموعة من المستشرقين، لأن هذا الأخير قد طرح أفكاراً معاكسة لأفكار هؤلاء، وقد نشر مقالة بعنوان "الخلفية التاريخية لبناء مسجد قبة الصخرة"، فنّد فيها ما طرحه كولد تسيهر، ثم أصدر غوتيان كتاباً بعنوان "دراسات في التاريخ الإسلامية والمؤسسات" دحض فيه كل ما ذكر بخصوص خرافة "مسجد الجعرانة". ويذكر عفانة أن الذين زعموا أن المسجد الأقصى في الجعرانة اعتمدوا على رواياتٍ ذكرها مؤرخون مسلمون من السُّنة كالواقدي في كتابه المغازي والأزرقي في تاريخ مكة المكرمة وغيرهما، ومن المؤرخين والمراجع الشيعة يذكر عفانة اسمي جعفر العاملي وعباس القمي اللذين قالا بوجود بيت المقدس في السماوات العلى. وقد أساء المستشرقون فهم المقصود إما عمداً أو جهلاً بلغة العرب وبالأمكنة التاريخية، وتحديداً في كلام بعض صحابة النبي عن موضع إحرامه للحج وردت فيه عبارتا المسجد الأقصى والأدني، فما هي حيثيات هذا الخلط، وما تفاصيل وخلفيات القصة التي رواها الواقدي لبناء قبة الصخرة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وهل حقاً أرادها بديلاً من مكة يحج إليها المسلمون؟ هذا ما سنتوقف عنده تفصيلاً ونقرأ نقدياً كل ما قيل بخصوصه من قبل مروّج النسخة العربية من خرافة " المسجد الأقصى في الجعرانة" التي يبشر بها زيدان، في مقالة لاحقة.
(هذه المقالة جزء من دراسة مطوّلة ستنشر كملحق في كتاب "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي الإسلامي" سيصدر مستقبلاً)

علاء اللامي
* كاتب عراقي



مواضيع ذات صلة




قضايا وتقارير

عدسة قدس نت

صورالحمداللهخلالحفلالإعلانعنجائزةفلسطينالدوليةللإبداعوالتميز
صورقمعفعالياتالمسيرةالبحريةالـ12شمالغربقطاعغزة
صورمتضامنونيقطفونثمارالزيتونفيالاراضيالمحاذيةلمستوطنةدوتانالمقامةعلىاراضيبلدةعرابةقضاجنين
صورالحمداللهيقدمواجبالعزابالشهيدةالرابي

الأكثر قراءة