2018-12-18الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس13
رام الله13
نابلس13
جنين15
الخليل12
غزة18
رفح18
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-10-16 11:04:12

التشتيت الإعلامي والتخوين السياسي الحزبي وأثرهم على الثقافة الوطنية الفلسطينية

بات العبث في الثقافة الوطنية الفلسطينية أمراً خطيراً تمارسه غالبية القيادت الحزبية وإعلاميوها باعتباره عمل تضالي مقاوم؛ فخلافاً للمألوف والمعتاد، فإن القائد السياسي الحزبي أصبح يُسخر طاقاته وإمكانياته المادية والبشرية للهجوم الممنهج بلغة التخوين والتشكيك على منافسيه من الأحزاب والفصائل الأخرى، وينتهج التبرير لأفعاله السياسية والنضالية في شكلها لا مضمونها، ويحاول عابثاً التقليل من شأن الأطر الشرعية الوطنية التي تمثل عصب الكيونونة الفلسطينية، فالأحرى به أن يقوم بتقديم فكره ونهجه وممارسة نضالاته واختيار أدواته في تحقيق أهدافه الوطنية، وأن يكون صادقاً لا زائفاً وأن يكون أصيلاً لا دخيلاً. هذا الخلط وإن بدى للعيان على أنه أمر طبيعي في أي ساحة ديموقراطية، إلا أنه في الساحة الفلسطينية مختلف تماماً لما يُحتمه الواجب الوطني في تسخير كل إمكانيات الشعب الفلسطيني المادية والبشرية والسياسية نحو كفاحه الوطني الطويل والشاق من أجل خدمة قضيته الوطنية في سبيل نيل حريته وحصوله على استقلاله وإقامة دولته والتخلص من الإحتلال الإستيطاني الوجودي البغيض الذي تتداخل فيه الدوافع والمصالح والأهداف والمبررات الإستعمارية, ناهيك عن واجباته الخدماتية والتنموية لمكونات الوطن المادية والبشرية والحضارية.

إن الإختلاف في النهج والأسلوب الوطني الداخلي حالة طبيعية في حال الحفاظ على الثوابت والقناعات الوطنية العليا المشتركة، وهذا الفعل الوطني مقبول في الثقافة الوطنية الفلسطينية عند الكل المُتجذر في العمل النضالي والديموقراطي، أما البعض المستحدث المتحول على الساحة الوطنية فيرى في انتهاج سياسة السلب والتفرد والاستفراد والتمترس ملاذه الوحيد في الاحتفاظ بكينونته بعد أن أضحى يعاني من تراجع وتلاشي الحاضنة الشعبية لأفعاله وأهدافه الحزبية الضيقة معتمداً على أسلوب الابتزاز والترهيب على ما يسيطر عليه بقوةٍ يقوى بها على أبناء شعبه، مستخدماً تارةً المصطلحات الحزبية وتارةً أخرى المصطلحات الجغرافية دون التدقيق في الأثر السلبي لأيٍ منهم عللى الثقافة الوطنية, غير مكترث بما يقوم به من تدمير شامل في بناء الشخصية الوطنية؛ نفسياً واجتماعياً وعقائدياً وأيدولوجياً، غير مؤمن بالشراكة الوطنية وغير متقبل لغيره، كما أن كل ذلك يمثل تراجعاً في الرأي العام على الساحة الدولية لخطورة المفردات والمصطلحات والمفاهيم وأثرها على الأبعاد المساندة والموأزة والمؤيدة لتثبت الحقوق الفلسطينية.

إن على رأس الأولويات لأي شعب مناضل مقاوم هو الحفاظ على هويته الوطنية والثقافية وإذكاء روحه النضالية المُقاوِمة والمُضحية في سبيل الوطن والمصالح الوطنية؛ في رأس قائمتها الحفاظ على وحدة الشعب وايجاد البيئة الثقافية لتكون بمثابة الحاضنة الشعبية لأي فعل وطني تحرري نحو تحقيق أهدافه. إن تمحور العبث باستخدام لغة التشكيك في أي فعل وطني، واستخدام لغة التخوين لأي شخص يقوم بذلك الفعل النضالي، وفي المصطلحات اللغوية التي لها مدلولاتها الثقافية والسياسية والإجرائية حيث بدأت تغزو عقولنا وفكرنا وتهدم صمودنا وتبعثر هويتنا الوطنية وتقطع أصولنا الحضارية في نكبةٍ جديدة، وقد لا نسمع إلا لغة الردح والتبرير المقيتة بعيداً عن الفهم السياسي العميق تصدر من أعالى القامات الحزبية من خلال وسائل الإعلام المختلفة والمتنوعة في تأثيرها السلبي المدمر على التنشئة الوطنية للشباب والشبيبة والأشبال والزهرات، إضافة إلى إيجاد حالة إحباط ويأس توغلت في نفوس الشباب والكهول والنساء والرجال، وانبعاث حالة النفور من المحيط العربي ومن مؤيدي ومحبي ومناصري الشعب الفلسطيني.

إن حالة التوأمة بين بعض الإعلاميين الحزبيين والقادة السياسيين المتعنصريين والمتطرفين في انتماءهم الحزبي أبعدت الإعلامي عن دوره الريادي الحيادي والنزيه في المجتمع محلياً واقليمياً ودولياً على جميع الأصعدة الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية والتنموية، وأوجدت دعائم وركائز مساندة لفكر وعنجهية السياسي الحزبي المنغلق في فكره المجافي للحقائق والمتحيز للأوهام والرافض لقبول الأخرين، فنرى الإعلامي المتحزب المتحيز لا يقوم بنشر الثقافة الوطنية كقيم المحبة والتسامح والتآخي والترابط والتأزر والتعاضدد والتكافل والمشاركة والحوار والتفاهم وقبول الأخر، بل يقوم بتشتيت الثقافة الواحدة إلى ثقافات فرعية سلبية تعزز التناقض لتأجيج الصراع الفكري لخلق حالة من التهييج الإنفعالي لتشكيل توجهات غريبة يتبعه حالة من اللا توازن وحالة من عدم الاستقرار الآمن لشعبٍ يسعى لتجسيد تاريخ نضالي أشبه بملحمةٍ

بطولية نادرة يسجلها التاريخ بكل فخرٍ واعتزاز لترسيخ الهوية الوطنية والتقافية والحضارية للكل الفلسطيني في الداخل المحتل وفي أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية وفي الشتات الفلسطيني في كل أرجاء المعمورة.

إن الانتشار الكبير للمواقع الإعلامية الإلكترونية الحزبية التي يديرها ليس إعلاميين مختصيين مدركين للمصلحة الوطنية العليا، بل ثلة حزبية متعنصرة تساهم بشكل مجنون في تأزيم الساحة الفلسطينية وتؤثر سلباً في التعزيز السلبي للتنمية السياسية، كما أنها تساهم بشكل أساسي في انتشار الإشاعات الهدّامة التي تعتمد في جوهرها على تدمير الأخر والتشكيك في انتماءه وطمس فعله الوطني، أضافة لذلك فإنها تؤثر سلباً على مكنون السلم الأهلي وعلى النسيج الاجتماعي والقيم الأخلاقية للمجتمع الفلسطيني من ناحية، ومن ناحية أخرى فهذه السلوكيات اللاوطنية تفقد المواطن حالة اعتزازه بوعي وأداء القيادات السياسية وبالتنوع الديموقراطي وفقدان جدوى المقاومة بكل أشكالها وعبثية إنجاز الأهداف الوطنية وإضعاف الانتماء الوطني، وتوجد حالة من العدائية بين الفصائل والقوى في الساحة الفلسطينية تحول دون تحقيق أهداف الحوار الوطني ودون إنجاز الوحدة الوطنية المنشودة "أحد الثوابت الفلسطينية"، وتحرف بوصلة النضال الفلسطيني، كما أنها تفتح المجال للمشككين في التاريخ النضالي الفلسطيني، وتمنح العدو الفرصة للوثوب على ما تبقى.

إن الوحدة الوطنية والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع وخلق حالة التعبئة الفكرية وتأصيل الانتماء الوطني الفلسطيني ليست حالة تنظير وهمي أو مجرد شعارات رنانة زائفة تصدح عبر مكبرات الصوت وفي الصالات والمؤتمرات والندوات والمحاضرات وأمام الكاميرات وفي وسائل الصحافة والإعلام، بل هي حالة سلوك فعلي وتجسيد وطني حقيقي وترسيخ ثقافة وترسيم حدود تتفق على حدودها ومكوناتها كل القوى الوطنية والإسلامية وكل مؤسسات المجتمع المدني يسهم في إبداعاتها كل الوطنيون والمناضلون من الإعلاميين والسياسيين والأدباء والشعراء والمثقفين والتربويين والتنمويين والمختصين في العلوم الاجتماعية والنفسية والنقابيين وفقهاء الدين ورجال الإصلاح، فلا يكون الاستفراد السياسي الحزبي في تشكيل الوعي الجماعي الوطني، وليكن اتفاق وطني شامل على طبيعة الثقافة الوطنية وحدودها ومصطلحاتها وماهيتها وحقوق الخصوصية بحيث لا تشكل عبئاً على الأخرين أو ضرراً على الهوية الوطنية والانتماء الوطني الأصيل؛ فالوطن ليس ذلك الجانب المادي، بل الكل المادي والبشري والمعنوي المتجذر والمتأصل في حضارته تاريخياً وجغرافياً.

بقلم/ د. عاطف شعث



مواضيع ذات صلة