2018-11-20الثلاثاء
المدينة اليومالحالة
القدس16
رام الله17
نابلس16
جنين17
الخليل15
غزة19
رفح20
العملة السعر
دولار امريكي3.6452
دينار اردني5.1414
يورو4.2065
جنيه مصري0.204
ريال سعودي0.972
درهم اماراتي0.9925
الصفحة الرئيسية » أقلام وآراء
2018-11-07 21:04:12

عندما ارتكب محمود عباس "عار" مقاطعة المؤسسة الوطنية

عاشت الضفة الغريبة في ذلك الوقت تطورات دراماتيكية عكست نفسها على أوضاع السلطة الفلسطينية وعلى حركة فتح، ومجمل الحالة الوطنية الفلسطينية. فيعد اجتياح إسرائيل مرة أخرى للضفة في عملية "السور الواقي" بقيادة أريئيل شارون، رئيس الحكومة، في نهاية آذار(مارس)2002، بات مقر الرئيس ياسر عرفات تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، التي اقتحمت بعض أجنحته، وأبقت لرئيس السلطة جناحاً ضيقاً، له ولمرافقيه، وبعض معاونيه، قطعت عنه الماء والكهرباء، وأخضعت حركة الدخول إليه والخروج منه لرقابة مشددة.

وانشغل العالم كله بالتطور السياسي والعسكري الكبير في الضفة الغريبة. ولم تخفِ إسرائيل والولايات المتحدة رغبتهما في رحيل ياسر عرفات، وإخلائه مواقعه القيادية لصالح آخرين في فتح. وكشفت مصادر مطلعة آنذاك، من بينها قيادات في فتح أن أحد التيارات في الحركة الفلسطينية عقد اجتماعاً مغلقاً وسرياً، تداول فيه بالأمر، وتوصل إلى قرار بـ"ضرورة إقناع عرفات بالاستقالة من مناصبه" تحت شعار "حرصاً على المصالح الوطنية الفلسطينية!! واعتبرت إسرائيل والولايات المتحدة هذا الموقف ضوءاً أخضر لقوات الاحتلال لتقتحم مقر الرئيس عرفات، لولا أن القوى الوطنية الفلسطينية نزلت هي وآلاف المواطنين إلى الشارع، تطوق مقر الرئيس عرفات وتحميه بصدورها العارية من خطر المؤامرة التي كانت تحاك ضده. وجرى تسريب المعلومات "السرية" للاجتماع المغلق في رام الله، مما أرغم قوات الاحتلال على التراجع عن مشروعها باعتقال عرفات وإبعاده.
وفي سياق مباحثات ومفاوضات متعددة الأطراف، داخل فتح، والحركة الوطنية، وعلى الصعيد الاقليمي، أرسلت أطراف أوروبية إلى الرئيس عرفات "تنصحه" بأن يدخل على السلطة "إصلاحات" من شأنها أن تنفس الأجواء، وأن تستجيب لبعض المطالب الغربية. الإقتراح دعا إلى الفصل بين مؤسسة الرئاسة في السلطة الفلسطينية، ومؤسسة الحكومة. ورشحت "الاقتراحات الغربية"، محمود عباس، أمين سر اللجنة التنفيذية في م.ت.ف وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، رئيساً للحكومة.
وبذلك انتهى فصل من نتائج اجتياح "السور الواقي" وبدأ فصل جديد، هو فصل الصراع على السلطة بين المؤسستين، الرئاسة، والحكومة.
إذ كان واضحاً للجميع أن عملية الفصل هذه لم تكن تهدف إلى "إصلاح" أوضاع السلطة – وهو مطلب دعت له القوى الديمقراطية الفلسطينية منذ زمن غير قصير – بل بات واضحاً أن الهدف كان تقليص صلاحيات الرئيس عرفات و"تقليم أظافره". بحيث تصبح السلطة التنفيذية، هي صاحب الصلاحيات في إدارة الشأن العام في مناطقها، بل ذهبت الأمور إلى أبعد من ذلك، حين اعتبرت الجهات المانحة، ومعها إسرائيل والولايات المتحدة، رئيس الحكومة، محمود عباس، هو المعني بالعملية التفاوضية، وليس ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. وفي هذا السياق سلمت لمحمود عباس، كرئيس للحكومة، "خطة خارطة الطريق"، مشروعاً للمفاوضات والحل الدائم مع إسرائيل، وليس لرئيس اللجنة التنفيذية.
ازداد التوتر بين عرفات وعباس، خاصة على حقيبتين وزارتين هما الداخلية الممسكة بالأجهزة الأمنية، والمالية، الممسكة بزمام سلاح المال. وهاتان الحقيبتان، كان يعتبرهما الرئيس عرفات المدخل إلى نفوذه الطاغي في الحالة الفلسطينية وأدواته الفاعلة في إدارة العملية السياسية. ورأى أن تجريده من هاتين الحقيبتين معناه تجريده من صلاحياته. وذهب التوتر إلى أبعد من ذلك حين رفض عباس أن يسمي عرفات شخصياً أسماء وزيري المال والداخلية، حتى لا يمارس نفوذه عليهما، وأصر على أن يتولى هو، كرئيس للحكومة، تسمية هذين الوزيرين بشكل خاص.
وكان من الطبيعي أن يعكس هذا الخلاف بين الرجلين نفسه على أوضاع فتح، وعلى مؤسسة المجلس التشريعي، الذي كان يترأسه آنذاك أحمد قريع (أبو علاء)، ولقد وجد المجلس التشريعي صعوبة جمة في إعادة صياغة وتعديل القانون الأساس للسلطة، ليستحدث منصب رئيس الحكومة. كان هم المجلس التشريعي (المشكل كله من نواب أعضاء في حركة فتح) موزعاً بين شقين: الأول أن لا ينزع الكثير من صلاحيات الرئيس عرفات. والثاني أن يستجيب للضغوط الخارجية، الغربية بشكل خاص، الداعية إلى رئاسة حكومة "ذات صلاحيات" و"ليس رئيس حكومة في منصب شكلي".
وكمن يسير بين الألغام، نجح "التشريعي" في نهاية المطاف بإجراء التعديلات المطلوبة، وهو أمر أدى، فيما أدى إليه، إلى أن يشق "التشريعي"، بصورة عملية، بين من بقي على ولائه للرئيس عرفات، وبين ما بات يرى أن أيام عرفات باتت قليلة وأن شمسه آيلة إلى الغروب، وأن "مستقبل السلطة الفلسطينية سيكون من نصيب محمود عباس".
تيار الشباب في فتح (الشبيبة الفتحاوية) إنحاز كله لصالح ياسر عرفات، وبدأ بشكل رأس الحربة في نقد أداء محمود عباس، إن في الشأن الحكومي، أو في الشأن التفاوضي مع حكومة شارون. وبدأت الانتقادات تتصاعد وبدأ العداد يرتفع رويداً رويداً في رصد "أخطاء عباس"، حتى أن البعض لم يتردد في الطعن في بعض مواقفه السياسية.
 غير أن اليوم المشهود، في رام الله كان يوم 4/9/2003. في ذلك اليوم يكون قد مضى على تولي عباس رئاسة الحكومة مئة يوم. بناء عليه قرر المجلس التشريعي دعوته إلى جلسة عامة، ليقدم تقريراً عن أداء حكومته في المئة يوم الأولى من ولايتها. وكان من المتوقع أن تكون جلسة التشريعي صاخبة في ظل الحالة السائدة، والمتوترة حتى في صفوف حركة فتح.
عباس فوجئ عند مدخل التشريعي، بتظاهرة صاخبة، تنظمها شبيبة فتح، تهتف ضده وتتهمه اتهامات خطيرة، أبرزها أنها أطلقت عليه لقب "قرضاي فلسطين"، وقرضاي هذا، هو رئيس أفغانستان الذي عينته الولايات المتحدة على رأس الدولة، بعد غزو أميركا لأفغانستان وطرد جماعة طالبان بعيد واقعة البرجين في نيويورك في 11/9/2001. وكان قرضاي في العالم كله، سيء السمعة، اعتبر تشبيه عباس بقرضاي أقسى ما يمكن الوصول إليه في النزاع العلني. مما أثار حفيظة رئيس الحكومة، فامتنع عن الدخول إلى المجلس التشريعي، ووزع على الإعلام الكلمة التي كان ينوي إلقائها، وكانت حادة في الدفاع عن نفسه، وتحميل عرفات المسؤولية عن كل ما لحق بالحالة الفلسطينية "من كوارث"، بما في ذلك تحميله مسؤولية عملية "السور الواقي" التي شنها جيش الإحتلال ضد الضفة.
وفي اليوم نفسه أرسل عباس إستقالته من رئاسة الحكومة إلى رئيس عرفات، الذي كلف، بدلاً منه، بهذا المنصب، رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع. وبقبول قريع التكليف، قدم إستقالته من  رئاسة التشريعي، الذي انتخب بدلاً منه روحي فتوح أحد كبار المسؤولين في فتح.
كيف كانت ردة فعل عباس على كل ما جرى. عباس قام بخطوتين كبيرتين تعبيراً عن عدم رضاه عما جرى، وعن رفضه التعاون مع الرئيس عرفات والإعتراف بشرعيته رئيساً للسلطة، وللجنة التنفيذية في م.ت.ف، ولحركة فتح.
• الخطوة الأولى أنه قاطع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. في وقت كان يتولى فيها منصب أمين السر، وبقي على مقاطعته لإجتماعات اللجنة التنفيذية التي كانت تعقد برئاسة عرفات، إلى أن رحل الرئيس عرفات شهيداً في أحد مستشفيات باريس. في 11/11/2004، عاد بعدها عباس إلى حضور إجتماع اللجنة التنفيذية، فانتخب رئيساً لها بترشيح من حركة فتح.
• الخطوة الثانية أنه قاطع اللجنة المركزية لحركة فتح، التي كانت تعقد برئاسة الرئيس عرفات. وبقي على مقاطعته لها، إلى أن رحل الرئيس عرفات شهيداً، فعاد عباس إلى اللجنة المركزية، التي انتخبته رئيساً لها، وقائداً عاماً لحركة فتح.
الرئيس عباس وصف، في آخر دورة للمجلس المركزي، مقاطعة وتغيب "البعض"، في إشارة إلى ثلاثة فصائل، هي الجبهتان الديمقراطية والشعبية، والمبادرة، وشخصيات مستقلة أنه "عار".
يبقى السؤال: ماذا يمكن أن نسمي تغيبه عن إجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة المركزية لحركة فتح منذ 4/9/2003 إلى ما بعد 11/11/2004. إذا كان التغيب عن دورة من دورات المجلس المركزي ومقاطعتها "عاراً" على حد قوله؟ وما هو "العار"، الغياب عن دورة المجلس المركزي ومقاطعتها أم الإنقلاب على قرارات المؤسسة الوطنية، وتعطيلها، وحجزها في الإدراج، وإطلاق سياسة معاكسة ومناهضة لها في سياق التفرد في إدارة الشأن السياسي العام؟■


وليد عبدالحميد/ كاتب فلسطيني
■ الزمان : نيسان (إبريل) 2003
■ المكان : رام الله – الضفة الفلسطينية

 



مواضيع ذات صلة