رغم مرور شهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا تزال وتيرة المواجهة تتصاعد باستمرار في ظل "الفشل" الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق أهدافها المعلنة وغياب "الحسم السريع"، ما حولها إلى "حرب استنزاف طويلة الأمد"، بحسب مراقبين.
ورأى المراقبون، الذين تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)) أن مسرح العمليات العسكرية مع نهاية الشهر الأول للحرب يسير وفق "معادلة ردع متبادل بدلا من حسم عسكري واضح".
وأشاروا إلى أن النظام الإيراني أظهر قدرة عالية على التكيف مع مجريات الحرب، وحافظ على تماسكه العملياتي، ووسع نطاقات التصعيد، وأعاد تشكيل المعركة كصراع مفتوح.
واعتبروا أن جهود الوساطة لوقف الحرب "لا تزال محدودة التأثير"، و"غير ناضجة بعد لإنتاج اتفاق فعلي" بسبب عوائق سياسية وعسكرية جدية.
-- تطورات الحرب
وقال عضو مجلس خبراء المنتدى (العربي لتحليل السياسات الإيرانية) في بغداد الدكتور ناظم علي عبد الله، إن الحرب مستمرة بوتيرة متصاعدة تهدف إلى كسر الإرادات والقبول بوقف "العدوان".
وأوضح عبد الله أن الحرب بدأت في 28 فبراير الماضي بضربات أمريكية إسرائيلية استهدفت المرشد الأعلى علي خامنئي، وقيادات الصف الأول في إيران ثم توسعت لتشمل المنشآت النووية ومصانع الصواريخ البالستية وقواعد الإطلاق ومراكز القيادة والسيطرة، وشملت أغلب مناطق إيران، التي ردت مبكرا داخل العمق الإسرائيلي ودول الخليج والأردن، قبل أن تنتقل الحرب من الأهداف العسكرية إلى المنشآت المدنية.
بدوره، قال رئيس مؤسسة (ابن رشد للدراسات العربية والإفريقية) في تونس كمال بن يونس، إن "الحرب، خلافا للتقديرات الأمريكية والإسرائيلية، لم تكن مجرد عملية جراحية قصيرة تبدأ باغتيال القيادات الإيرانية وتتطور بسرعة إلى مظاهرات وانتفاضة ضد النظام الإيراني".
وتابع أن "مسار الحرب طوال الشهر الأول كان مغايرا لما وعدت به إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، بل أبرز معارضة شعبية ورسمية قوية للحرب التي لم يصادق عليها الكونغرس ولا الأمم المتحدة".
بينما أوضح الكاتب اللبناني سمير منصور، أن الحرب انطلقت بضربات جوية كثيفة بهدف إضعاف قدرات إيران سريعا، وما لبثت أن تحولت إلى مواجهة إقليمية مفتوحة نسبيا، بعد أن وصلت إلى لبنان ودول الخليج ثم تحولت تدريجيا الى حرب استنزاف في ظل غياب الحسم السريع.
وأردف منصور قائلا إن الحرب مستمرة بوتيرة مرتفعة بفعل تباعد الأهداف بين الأطراف المتحاربة، وباتت حربا مفتوحة ذات تأثير كبير على المدنيين والاقتصاد العالمي دون أن يحقق أي طرف نصرا واضحا.
في حين قال الدكتور إسماعيل السهيلي، وهو باحث أول بمركز (المخا للدراسات الاستراتيجية) باليمن إن مسرح العمليات العسكرية في نهاية الشهر الأول من الحرب يسير "وفق معادلة تفوق تكتيكي أمريكي إسرائيلي دون حسم استراتيجي، مقابل جنوح إيراني مغامر نحو فرض استنزاف استراتيجي مفتوح بتداعيات ممتدة على الاقتصاد العالمي".
أما الكاتب الإماراتي راشد محمد، فقال إن الحرب شهدت خلال شهرها الأول تحولا تدريجيا من ضربات عسكرية مركزة على إيران إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات، ما جعل الصراع أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم السريع.
فيما رأى رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية الدكتور محمد العريمي، أن الحرب تطورت كثيرا و"ربما تكون قد أخذت منحنى أصعب نحو التصعيد وخط اللا رجعة وحتى الخروج عن السيطرة، بعد أن كانت تشير في الأيام القليلة السابقة بأنها تتجه نحو العودة إلى التفاوض والتهدئة".
-- فشل أمريكي إسرائيلي
واتفق الخبراء على أن الولايات المتحدة وإسرائيل "فشلتا" في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وأشاروا إلى أن النظام الإيراني وسع نطاقات التصعيد وأعاد تشكيل المعركة كصراع مفتوح.
وأوضح الكاتب الإماراتي راشد محمد، أن الحرب "لم تحقق حتى الآن أهدافها المعلنة بشكل كامل"، مشيرا إلى أن إضعاف القدرات الإيرانية تحقق جزئيا إلا أن طهران نجحت في الحفاظ على قدرتها على الرد وإدارة التصعيد، الأمر الذي حول الحرب إلى معادلة ردع متبادل بدلا من حسم عسكري واضح.
وشاطره الرأي الدكتور عبد القادر كناعنة أستاذ الدراسات الشرق أوسطية بجامعة تل أبيب، بتأكيده أنه "حتى الآن، يبدو أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تحقق أهدافها المعلنة".
وشهدت أهداف الحرب تغيرا مستمرا خلال مسارها، ففي البداية كان الحديث عن إسقاط النظام الإيراني ثم إنهاء الملف النووي الإيراني، وفي مراحل أخرى جرى التركيز على إنهاء التهديد الصاروخي الإيراني وتفكيك أذرع إيران الإقليمية، ورغم هذا التبدل في الأهداف وتعددها، لا يمكن القول إن أيا منها قد تحقق فعليا حتى الآن، وفق كناعنة.
وتابع أن الحرب ألحقت بإيران أضرارا كبيرة، وأدت إلى اغتيال عدد من القيادات الإيرانية إلا أن هذه النتائج لا ترقى إلى مستوى التحول الاستراتيجي الحاسم، فهي لم تحدث حتى اللحظة تغييرا جوهريا في موازين القوة أو في طبيعة المشهد الإقليمي على نحو يسمح بالقول إن الحرب أنجزت أهدافها الكبرى.
وأردف كناعنة أن استمرار الحرب حتى الآن يعكس تعثرا في تحقيق تلك الأهداف بشكل يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل كأنهما انزلقتا أكثر فأكثر إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وذهب إلى الرأي نفسه الخبير العماني محمد العريمي، بقوله إن الحرب على إيران "لم تحقق أهدافها بل على العكس فاقمت الأمور وأدت لخسائر أكثر لأمريكا، التي فشلت في تغيير النظام الإيراني".
كما أنه "لم يتغير شيء فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، علاوة على أنه تم إغلاق مضيق هرمز، ما أحدث أزمة عالمية ستمتد آثارها لفترة طويلة"، وفق العريمي.
وهاجم الجيش الإسرائيلي الجمعة منشآت تابعة للبرنامج النووي الإيراني ومواقع تصنيع عسكرية في ثلاث مناطق داخل إيران.
واعتبر الجيش أن استهداف هذه المواقع والمنشآت "يشكل ضربة متكاملة لقدرات الإنتاج" لدى إيران "سواء في برنامج الصواريخ الباليستية أو في برنامج الأسلحة النووية".
فيما رأى الأكاديمي التونسي كمال بن يونس، "أن ترامب ونتنياهو فشلا في تحقيق أهدافهما، وأصبحا يرفعان مطلبا جديدا هو فتح مضيق هرمز أمام التجارة العالمية، رغم أنه كان مفتوحا قبل الحرب".
ورأى الكاتب اللبناني سمير منصور، أن ما تحقق من أهداف الحرب حتى الآن هو "إضعاف جزئي وخسائر في بعض القدرات الإيرانية من دون شلها مع بقاء الملف النووي غير محسوم".
وتابع أن "مجريات الحرب حتى اليوم تفيد بعدم تحقيق تغيير جذري في ميزان القوى التي باتت في حالة مراوحة واستنزاف".
في حين أكد الباحث اليمني إسماعيل السهيلي، أنه "حتى الآن، لم تحقق الحرب على إيران أهدافها المعلنة، صحيح أنها حققت تدميرا واسعا للقدرات النووية والعسكرية الإيرانية إلا أن تفكيكها أو إنهاء القدرة على الرد مازال محدودا".
كذلك قال الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني، إن "الحرب لم تحقق حسما كاملا كما تريده الولايات المتحدة، صحيح أنها ألحقت أضرارا كبيرة بإيران عسكريا واقتصاديا لكن النظام الإيراني لم ينهار، والرئيس الأمريكي يردد بأن الحرب قد حسمت لكن الواقع يقول عكس ذلك".
-- تصعيد أكبر أم تهدئة محتملة
ورجح الخبراء أن تتجه الحرب إلى التصعيد في ظل رغبة واشنطن وتل أبيب في فرض شروط استسلام على إيران، التي تريد وقفا دائما للحرب مع ضمانات دولية.
وقال الكاتب الإماراتي راشد محمد إن مؤشرات التصعيد لا تزال قائمة بقوة خاصة مع استمرار الهجمات واتساع دائرة التوتر، قبل أن يضيف أن الضغوط الاقتصادية الدولية والخشية من اتساع الحرب إقليميا قد تدفع الأطراف نحو مسارات تهدئة مرحلية.
بدوره، رأى العريمي أن الحرب ستتجه نحو تصعيد أكبر خاصة في ظل عدم ثقة إيران في الولايات المتحدة، التي لا تزال تحشد مزيدا من القوات في المنطقة.
كذلك قال كمال بن يونس "يبدو أن سيناريو التصعيد هو الأرجح لأن واشنطن وتل أبيب تريدان فرض شروط هزيمة نكراء على إيران بينما تريد طهران وقفا دائما للحرب مع ضمانات دولية".
وتابع أنه "إذا تعذر ذلك (رغبة إيران) فهي تراهن على تمديد الحرب بهدف استنزاف واشنطن وتل أبيب والتسبب في خسائر اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة لهما، وإسقاط حزب ترامب في أجل أقصاه الانتخابات النصفية الأمريكية بعد حوالي 6 أشهر".
في حين أوضح السهيلي أن "مؤشرات التصعيد تتزايد مع اتساع الضربات واستهداف الممرات الحيوية، في سياق سياسة تدويل الكلفة التي تنتهجها إيران عبر استهداف بنية الطاقة في دول الخليج وإغلاق متحكم به لمضيق هرمز".
لكن الشعباني رأى أن هناك "مؤشرات على احتمالين معا: التصعيد والتهدئة، فالتصعيد يظهر في استمرار الضربات واتساع التهديدات ضد البنية التحتية والطاقة ودخول أطراف إضافية".
أما التهدئة "فتظهر في استمرار الاتصالات والوساطات، وفي قرار ترامب تمديد المهلة مجددا حتى 6 أبريل بدل الانتقال مباشرة إلى استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وهذا يعني أن باب التفاوض لم يغلق"، وفق الشعباني.
لكنه استدرك قائلا "إن خطر التصعيد ما زال قائما بقوة خصوصاً أن ترامب شخصية عنيدة لن تسمح بإيقاف الحرب دون تحقيق أهداف تحفظ ماء وجهه أمام مواطنيه".
وشاطره الرأي الخبير العراقي ناظم علي عبد الله، بقوله إن "الواقع يشير إلى تصعيد أكبر واحتمال دخول دول جديدة في الصراع لاسيما بعد أن أغلقت طهران مضيق هرمز، وصعدت بشكل كبير ضد دول المنطقة".
وأكد أنه "من الصعب التوصل إلى خفض محتمل للتصعيد بل هناك زيادة كبيرة في حجم ونوعية الأهداف التي يتم ضربها يوميا، ما يجعل المفاوضات أكثر تعقيدا وأقرب الى الانهيار".
-- وساطات محدودة التأثير
وقال عبد الله إن الكثير من الدول سعت منذ بداية الأزمة لتقريب وجهات النظر وخفض التوتر لكن كل تلك المساعي فشلت بسبب انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة.
ولم تمنع الوساطات وقوع الحرب أو إيقافها، وآخرها ما تقوم به باكستان وبعض دول المنطقة في محاولة "قد تكون ولدت ميتة" بسبب المطالب الأمريكية التي تضم 15 نقطة، والتي تراها إيران شروطا تعجيزية الغاية، وفق عبدالله.
والخميس الماضي، أعلن وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن "محادثات غير مباشرة" تجرى بين الولايات المتحدة وإيران، عبر رسائل تنقلها باكستان.
وبينما أوضح كمال بن يونس أن "الوساطات لا تزال محدودة التأثير"، وصف منصور هذه الوساطات بأنها "غير ناضجة بعد لإنتاج اتفاق فعلي بسبب عوائق سياسية وعسكرية جدية".
وأردف منصور أنه "وسط غياب الثقة بين الأطراف وتعدد الجبهات، يظهر أن أي اتفاق يبدو معقدا، وفي حال تعذر الوصول لاتفاق، ستحاول هذه الوساطات خفض التصعيد بوقف مرحلي لإطلاق النار يمكن من إدارة الأزمة".
في حين اعتبر راشد محمد أن الوساطات الجارية لوقف إطلاق النار "محاولة ضرورية لاحتواء التصعيد، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب تباعد مواقف الأطراف الرئيسية".
وفي 22 مارس الجاري، هدد ترامب بـ"ضرب وتدمير" محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز خلال 48 ساعة، قبل أن يمدد المهلة 10 أيام أخرى.
-- فرصة أخيرة
وأوضح الخبير العراقي أن ترامب يحاول من خلال تمديد المهلة "كسب الوقت لحين استكمال القوات البرية الأمريكية استعداداتها لتحقيق نصر كبير على إيران، فهو لا يبحث عن السلام دون انتصار، ويخشى أن ترفض إسرائيل وقف الحرب قبل انهيار النظام الإيراني لذلك نجده يبحث عن كل طريق لتجنب الضغوط الداخلية والخارجية لوقف الحرب دون تحقيق الاستسلام الكامل للنظام الإيراني".
وأضاف عبد الله أن "الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام كل الأسلحة حتى المحرمة دوليا من أجل انتزاع النصر حتى ولو كان صوريا".
لكن التونسي كمال بن يونس اعتبر أن "هذا التمديد قد يكون الفرصة الأخيرة التي تريد واشنطن وتل أبيب الإيهام بأنهما يعرضانها على طهران قبل اتخاذ قرارات أخطر من بينها الإنزال البري وربما توجيه ضربة نووية أو كيميائية جزئية ضد طهران لإجبارها على الاستسلام".
إلا أن منصور رأى أن التمديد المتكرر يستهدف منح "فرصة للوساطات ولو للوصول إلى صيغة تهدئة، كما يسمح التمديد بتقييم التطورات الميدانية، وباستخدام الوقت كورقة ضغط مع إبقاء التهديد قائما".
واعتبر أن التمديد المتكرر "مؤشر على تعقيد الموقف الذي فرض ثلاثة تمديدات ما يكشف صعوبة تحقيق الأهداف بسرعة".
في حين قال الباحث اليمني السهيلي إن تمديد المهلة من قبل ترامب "يعكس سعيا للظهور بأنه يمنح فرصا متتالية للسلام وتفادي التصعيد الشامل، دون التخلي عن الضغط العسكري".
وتابع "يبدو أن التمديد يرتبط بمحاولة تخفيف الضغط على أسواق النفط والغاز وتهدئة تقلبات الأسعار الناتجة عن نقص الإمدادات، وإبقاء القيادة الإيرانية تحت ضغط أوسع محليا وإقليميا ودوليا للقبول بالشروط الأمريكية لإنهاء الحرب".
بينما رأى الكاتب الإماراتي راشد محمد أن تمديد المهلة "محاولة لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع الحفاظ على الضغط العسكري والسياسي في الوقت ذاته"، معتبراً أن المهلة الجديدة قد تكون "فرصة أخيرة" لاختبار المسار الدبلوماسي قبل احتمال الدخول في مرحلة أكثر تصعيداً.
