في ظل تسارع وتيرة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، برزت مواقف إيرانية حاسمة تعكس تمسك طهران بثوابتها النووية والسيادية، وعلى رأسها رفض نقل اليورانيوم المخصب خارج البلاد، بالتوازي مع رسائل تصعيدية مرتبطة بمستقبل الملاحة في مضيق هرمز، ما يعكس تعقيد المشهد السياسي ويضع المفاوضات أمام مفترق حاسم.
رفض إيراني واضح لنقل اليورانيوم
أكد مسؤولون إيرانيون أن مسألة نقل اليورانيوم المخصب خارج البلاد “ليست مطروحة”، في رد مباشر على الطروحات الأمريكية التي تسعى إلى إخراج المخزون النووي الإيراني كجزء من أي اتفاق محتمل. وأوضح مسؤول إيراني رفيع أن طهران لم توافق على وقف التخصيب إلى أجل غير مسمى، مشددًا على أن هذه القضية لا تزال من أبرز نقاط الخلاف العالقة مع واشنطن.
وتأتي هذه المواقف في وقت تشير فيه تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من عتبة الاستخدام العسكري، ما يمنح هذا الملف حساسية استثنائية في أي تسوية.
مضيق هرمز: ورقة ضغط استراتيجية
في موازاة الملف النووي، لوّحت طهران باستخدام ورقة مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية، حيث أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن بلاده قد تتجه إلى إغلاق المضيق في حال استمرار الحصار الأمريكي، مشددًا على أن حركة العبور ستتم فقط “وفق مسار محدد وبإذن إيراني”.
كما أعلن التلفزيون الإيراني أن المضيق مفتوح “بشروط” وفي ظل وقف إطلاق النار فقط، مع منع السفن المرتبطة بما وصفته طهران بـ“القوى المعادية” من المرور، ما يعكس توجهًا لإعادة تنظيم الملاحة البحرية ضمن إطار سيادي جديد.
وفي السياق ذاته، كشف المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي عن مشروع قانون قيد الإعداد تحت عنوان “التحرك الاستراتيجي لأمن مضيق هرمز والخليج”، يهدف إلى فرض رسوم مرتبطة بـ“تأمين المضيق”، وتنظيم عبور السفن الأجنبية وفق آليات تنسيق مع السلطات الإيرانية.
تناقض مع الطرح الأمريكي
تأتي هذه التصريحات في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المضيق “بات مفتوحًا” وأن المفاوضات مع إيران شارفت على الانتهاء، مؤكدًا أن بلاده ستحصل على “كافة المواد النووية الإيرانية” ضمن الاتفاق المرتقب، وأن الحصار لن يُرفع قبل توقيع الصفقة بشكل كامل.
غير أن هذه الرؤية الأمريكية تصطدم برفض إيراني صريح، حيث وصف قاليباف تصريحات ترامب بأنها “ادعاءات كاذبة”، مؤكدًا أن إدارة ملف المضيق والمفاوضات لا تُحسم عبر التصريحات الإعلامية، بل وفق المعطيات الميدانية.
خيارات دولية على الطاولة
وفي محاولة لتجاوز عقدة اليورانيوم، برزت مقترحات دولية بديلة، من بينها استعداد الصين لاستلام اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب أو خفض مستوى تخصيبه لأغراض مدنية، في حال توافق واشنطن وطهران على ذلك. كما طُرحت سابقًا مبادرات روسية مشابهة، إلا أنها لا تزال تواجه تحفظات متعددة، أبرزها الرفض الإيراني.
مفاوضات معقدة وسيناريوهات مفتوحة
تعكس هذه التطورات أن ملف التخصيب لا يزال العقدة الأساسية في المفاوضات، خاصة في ظل تمسك واشنطن بوقف طويل الأمد قد يصل إلى 20 عامًا، مقابل استعداد إيراني لتجميد مؤقت لا يتجاوز عدة سنوات دون التخلي عن الحق في التخصيب.
وبينما تشير تقارير إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مبدئي، تؤكد طهران أن أي تسوية يجب أن تضمن رفع الحصار، واحترام سيادتها النووية، وعدم فرض شروط استثنائية عليها خارج إطار القانون الدولي.
المشهد
تُظهر المعطيات الحالية أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية دخلت مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الحسابات الاستراتيجية، فيما تستخدم طهران أوراقها السيادية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبرنامج النووي، لفرض معادلة تفاوضية جديدة.
وبين التفاؤل الأمريكي والتشدد الإيراني، يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز فجوة الثقة، وتحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق شامل يوازن بين متطلبات الأمن الدولي واعتبارات السيادة الوطنية.
