في تطور لافت داخل الخطاب الأمني الإسرائيلي، لم تنتظر صحيفة هآرتس تصريحات رئيس الأركان إيال زامر لتشخيص أزمة الجيش، بل ذهبت مباشرة إلى جوهر الخلل: تآكل القيم والانضباط بما يهدد بتحول المؤسسة العسكرية من قوة منظمة إلى ما يشبه “عصابة مسلحة”، وفق توصيف صريح وغير مسبوق.
تحذير من داخل المؤسسة الأمنية
المقال الذي كتبه عوفر شيلح وعديث شفران جيتلمان، وكلاهما من معهد دراسات الأمن القومي، يكتسب وزنه من مصدره؛ إذ لا يصدر عن خطاب حقوقي تقليدي، بل من داخل دوائر التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، حيث تُقرأ الأخلاق العسكرية باعتبارها جزءًا من القدرة القتالية، لا مجرد قضية دعائية.
ويرى الكاتبان أن الجيش الذي يفقد بوصلته القيمية لا يصبح أكثر شراسة، بل أكثر هشاشة، وأن نهاية هذا المسار ليست فقط تآكل الصورة الأخلاقية، بل الهزيمة في ساحة المعركة.
تصريحات زامير: الاعتراف بالمشكلة
تزامن هذا الطرح مع تحذير علني من رئيس الأركان، الذي أقر بوجود “أحداث غير قيمية” داخل الجيش، وعلى رأسها ظاهرة النهب، واصفًا إياها بأنها “حقيرة” وقادرة على تلطيخ صورة الجيش بأكمله.
هذا الاعتراف يعكس انتقال النقاش من إطار الحالات الفردية إلى مستوى القلق المؤسسي، حيث لم يعد الحديث عن تجاوزات معزولة، بل عن ظاهرة تهدد بنية الجيش من الداخل.
من النهب إلى تفكك المنظومة
لكن مقال “هآرتس” يذهب أبعد من توصيف الظاهرة، معتبرًا أن النهب ليس المشكلة بحد ذاته، بل عرض لخلل أعمق ناتج عن:
- طول أمد الحرب
- استنزاف القوات النظامية والاحتياطية
- تآكل سلطة القيادة العسكرية
ويشير إلى أن الحرب الممتدة تجعل من الصعب على الجنود الحفاظ على صورة “المحارب المنضبط”، خاصة مع ضغط الخدمة الطويلة والمتكررة على قوات الاحتياط.
حرب طويلة تعيد تشكيل السلوك
الخطر الأبرز، وفق التحليل، يكمن في التحول الذهني لدى الجنود، حيث قد يؤدي استمرار الحرب إلى رؤية “العدو” بشكل مطلق، ما يفتح الباب أمام سلوكيات انتقامية أو غير منضبطة.
وهنا تكتسب ظاهرة النهب دلالة رمزية: فهي ليست مجرد سرقة، بل مؤشر على انهيار الحدود بين الجيش النظامي والقوة المنفلتة.
ضغط سياسي يفاقم الأزمة
يواجه رئيس الأركان، بحسب المقال، ضغوطًا غير مسبوقة من القيادة السياسية، حيث يتعرض قادة الجيش لانتقادات يومية من الحكومة، وتتحول اجتماعات المجلس الوزاري إلى منصات لتوبيخ المؤسسة العسكرية، ما يضعف قدرتها على فرض الانضباط الداخلي.
حرب بلا نهاية… وأزمة مفتوحة
في المقابل، تشير تصريحات زامير إلى أن عام 2026 قد يستمر كسنة قتال على عدة جبهات، مع بقاء القوات في مواقع متقدمة في غزة ولبنان وسوريا، وهو ما يعني استمرار البيئة التي أنتجت هذه الأزمة.
أزمة هوية لا مجرد انضباط
تكشف هذه التطورات أن الجيش الإسرائيلي لا يواجه مجرد خلل سلوكي، بل أزمة هوية عميقة:
- هل لا يزال جيشًا نظاميًا قائمًا على قواعد صارمة؟
- أم أن الحرب الطويلة تعيد تشكيله كقوة منهكة، أقل انضباطًا وأكثر قابلية للانفلات؟
في ضوء هذا الجدل، لم يعد السؤال داخل إسرائيل عن كيفية إدارة الحرب فقط، بل عن قدرة الجيش نفسه على البقاء كـ“جيش” بالمعنى المؤسسي، لا كقوة تتآكل من الداخل تحت ضغط حرب بلا نهاية.
