تواصل قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار المباشر، بالتزامن مع استمرار الحصار وتشديد القيود على دخول البضائع والمساعدات وحركة السفر، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بين السكان من عودة واسعة للحرب بعد أشهر من الهدوء النسبي الهش.
وشهد القطاع يوم الإثنين 04 مايو/آيار 2026 سلسلة اعتداءات إسرائيلية أسفرت عن شهداء وإصابات في مناطق متفرقة. ففي جنوب شرقي مدينة غزة، استشهد المواطن يحيى موسى الأعرج وأصيب آخرون جراء استهداف إسرائيلي وقع في شارع 10 جنوب حي الزيتون. كما استشهد الشاب أنس حمد وأصيب عدد من المواطنين إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين في مخيم البريج وسط القطاع.
وفي شمال قطاع غزة، استشهد المواطن موسى سالم فتحي الأبيض، البالغ من العمر 42 عامًا، برصاص قوات الاحتلال في منطقة العطاطرة ببلدة بيت لاهيا. كما أطلقت آليات الاحتلال النار بشكل مكثف شرقي خان يونس، في حين أصيبت مواطنة برصاص آليات الاحتلال المتمركزة في منطقة الشاكوش شمال مدينة رفح.
وتأتي هذه الاعتداءات ضمن نمط متواصل من الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ تستهدف قوات الاحتلال مناطق مأهولة وأماكن وجود النازحين، إلى جانب تنفيذ عمليات نسف وتدمير داخل ما يعرف بـ“الخط الأصفر”، وهو الخط الذي يفصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي شرقي القطاع والمناطق التي يُسمح للفلسطينيين بالتواجد فيها غربًا.
ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى 833 شهيدًا، إضافة إلى 2345 إصابة، فضلًا عن تسجيل 767 حالة انتشال. أما الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي على القطاع منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقد بلغت نحو 72,613 شهيدًا و172,457 إصابة، في مؤشر على حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب.

وفي المقابل، أقر الجيش الإسرائيلي بقتل فلسطينيين اثنين شمالي وجنوبي قطاع غزة خلال يومي الأحد والاثنين، مدعيًا أنهما حاولا الاقتراب من “الخط الأصفر”. وقال الجيش في بيان إن قواته قتلت فلسطينيًا جنوبي القطاع بزعم أنه كان “مسلحًا” ويمثل “تهديدًا فوريًا”، كما أقر بقتل فلسطيني آخر شمال القطاع مدعيًا انتماءه إلى “كتيبة بيت لاهيا” التابعة لحركة حماس.
غير أن مصادر محلية فلسطينية تؤكد أن الاحتلال يقتل ويصيب المدنيين في مناطق تقع خارج نطاق انتشاره وسيطرته، وأن ادعاءات الاقتراب من الخط الأصفر تُستخدم لتبرير إطلاق النار والاستهدافات المتكررة.
سياسيًا، ترافقت هذه التطورات الميدانية مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي بشأن احتمال استئناف القتال في غزة. فقد نقلت وسائل إعلام عبرية عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير قوله إن “المعركة المقبلة يمكن أن تكون في قطاع غزة، لأنها لم تنته بعد”، محذرًا من أن الجيش قد يستأنف الحرب “بكل شدة” إذا عرقلت حماس ملف نزع السلاح.
في المقابل، أكد باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة حماس وأحد أعضاء الفريق المفاوض، أن الحركة ترفض مناقشة ملف “سلاح المقاومة” قبل التوصل إلى وقف دائم للحرب وترتيبات أمنية متبادلة، معتبرًا أن السلاح “حق مشروع”. وأثارت هذه التصريحات جدلًا واسعًا بين سكان قطاع غزة ونشطاء فلسطينيين، عبّر كثير منهم عن خشيتهم من أن تمنح هذه المواقف إسرائيل ذريعة للعودة إلى الحرب.
ويعيش سكان القطاع حالة من القلق والترقب، ليس فقط من تجدد القصف، بل من احتمال موجات نزوح جديدة في ظل انعدام الأماكن الآمنة. ويقول نازحون إن العودة إلى الحرب ستعني تدمير ما تبقى من منازل وبنى تحتية، وإن السكان المنهكين بعد عامين من الحرب والحصار باتوا يبحثون قبل كل شيء عن النجاة والطعام والمأوى.

وتتزامن هذه المخاوف مع حالة ضبابية تخيم على مفاوضات القاهرة بشأن تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار. وتطالب حماس والفصائل الفلسطينية باستكمال تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، خصوصًا ما يتعلق بالملفات الإنسانية والمعيشية، بينما تشترط إسرائيل المضي قدمًا في ملف نزع السلاح بوصفه أحد أبرز بنود المرحلة الثانية.
وفي هذا السياق، يسعى الوسطاء، إلى جانب الممثل الأعلى لغزة في “مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، إلى جسر الهوة بين الطرفين عبر مقترحات تستند إلى “خريطة طريق” قُدمت في 19 نيسان/ أبريل الماضي، بينما تتواصل الاتصالات لمحاولة منع انهيار الاتفاق والعودة إلى المواجهة الشاملة.
ميدانيًا، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن ستة ألوية عسكرية إسرائيلية تعمل حاليًا داخل قطاع غزة، وأن عمليات تناوب القوات تشير إلى استعدادات لبقاء مطوّل ومكثف. وأفادت الصحيفة بأن الجيش الإسرائيلي حوّل مواقع عسكرية من نقاط دفاعية مؤقتة إلى مواقع تمركز دائمة في المنطقة الواقعة بين الحدود و”الخط الأصفر”، بهدف إقامة ما وصفته بـ“منطقة أمنية مستقرة”.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن الجيش يستعد لزيادة حدة عملياته في حال تعثرت المفاوضات، مشيرة إلى أن تل أبيب تربط مسار غزة بتطورات جبهات أخرى، خصوصًا لبنان وإيران، ما يجعل المشهد العسكري والسياسي أكثر تعقيدًا.
وبين استمرار الخروقات الإسرائيلية، وتعثر التفاهمات السياسية، وتصاعد التهديدات العسكرية، يبقى سكان قطاع غزة عالقين بين نار الحصار وخطر الحرب، وسط واقع إنساني بالغ القسوة، وقلق متزايد من أن يتحول وقف إطلاق النار الهش إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد.
