بقلم: محمد مصطفى شاهين
رغم المرونة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية في التعاطي مع مقترحات الوسطاء الأخيرة يستمر الاحتلال في تعطيل الالتزام ببنود المرحلة الأولى من خطة الرئيس دونالد ترامب، هذا يعكس فجوة واضحة في مستوى الالتزام من الاحتلال الإسرائيلي ،في أكتوبر 2025 أعلن الرئيس ترامب اتفاقا على المرحلة الأولى تضمن وقف إطلاق النار وتبادل أسرى ودخول مساعدات وانسحاب جزئي للقوات وافقت الفصائل على الآليات المقترحة من الوسطاء المصريين والقطريين وأبدت استعدادا لتجاوز بعض العقبات الإجرائية. مقابل ذلك سجلت تقارير ميدانية استمرار عمليات استهداف محدودة وصعوبات في إدخال المساعدات بالكميات المتفق عليها ،هذه المؤشرات تدل على عدم تنفيذ كامل للاستحقاقات المتعلقة بالهدنة والانسحاب والإغاثة.
يبرز دور الوسطاء في تقديم مقترحات متتالية لسد الثغرات ،لكن محدودية التأثير الأمريكي تظهر في عدم قدرة الإدارة على إلزام الاحتلال بالجدول الزمني المحدد.
ان تصريحات مسؤولين مصريين وقطريين أكدت أن الفصائل قدمت ردودا إيجابية بينما بقي الجانب الإسرائيلي يطرح شروطا إضافية أو يؤخر التنفيذ ، هذا يعيد التأكيد على اختلال في ميزان الضغط السياسي.
يُعامل السلوك الإسرائيلي كجزء من استراتيجية إدارة الصراع وليس تعثرا تفاوضيا عارضا يهدف إلى إطالة أمد المرحلة الأولى لتجنب الانتقال إلى الثانية التي تشمل ترتيبات أمنية وسياسية أعمق.
ان استمرار الخروقات الميدانية مثل الغارات والاغتيالات الإسرائيلية المستمرة وعرقلة حركة المساعدات يعزز هذا التقييم كما يؤدي إلى تآكل فرص التقدم نحو وقف دائم وإعادة إعمار.
في السياق الأوسع يرتبط هذا التعطيل بأهداف الاحتلال السياسية والعسكرية ، يسعى إلى إضعاف قدرات الفصائل تدريجيا مع الحفاظ على سيطرة ميدانية ، هذا يضع جدية الضمانات الأمريكية تحت تساؤل فالإدارة قدمت الخطة ورعتها لكنها تواجه صعوبة في فرض الالتزام الكامل.
في المحصلة أن المرونة الفلسطينية لم تؤد إلى تقدم ملموس بل قوبلت بتصلب اسرائيلي يعيق مسار وقف إطلاق النار. الوسطاء يواصلون جهودهم لكن النتيجة تعتمد على قدرة الأطراف الدولية على معالجة هذا الاختلال. بدون ذلك يظل التصعيد الميداني المتقطع تهديداً مستمراً للانتقال إلى مراحل لاحقة.
في السياسة لا يُقاس الاتفاثق بما يُكتب فيه بل بما يُنفذ منها من يملك القوة ويخشى فقدانها لا يتنازل عنها طواعية بل يستخدم كل حيلة ليُطيل أمد السيطرة ويُضعف الخصم تدريجيا حتى يفقد القدرة على المقاومة هكذا يتصرف الاحتلال اليوم ،يرفض تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى رغم مرونة الفصائل في قبول مقترحات الوسطاء ، يُظهر بذلك أن المرونة التي أبدتها الفصائل لم تُقابل بمثلها بل قوبلت بتعنت يعكس حسابات الربح والخسارة البحتة.
في أكتوبر 2025 أعلنت خطة ترامب وقفا لإطلاق النار وتبادلا للأسرى ودخول مساعدات وانسحابا جزئيا قبلت الفصائل الآليات المصرية القطرية وأظهرت استعدادا لتجاوز العقبات ،أما الاحتلال فقد أبقى على عمليات الاستهداف وعرقل إدخال المساعدات هكذا يُدار الصراع لا بالوعود بل بالوقائع على الأرض.
الوسطاء يبذلون جهدا في سد الثغرات لكن الإدارة الأمريكية تكشف محدودية نفوذها الاحتلال يستخدم التصلب كأداة لإدارة الصراع وليس لإنهائه يُطيل المرحلة الأولى ليمنع الانتقال إلى الثانية التي قد تُلزمه بتنازلات أعمق
هذا النهج ليس صدفة بل استراتيجية مدروسة تهدف إلى إضعاف الفصائل تدريجيا مع الحفاظ على السيطرة الميدانية، الغارات المتقطعة وعرقلة الإغاثة ليست خروقات عارضة بل أدوات في خدمة هدف سياسي عسكري أكبر.
يُفضل الاحتلال حالة لا حرب كاملة ولا سلام حقيقي ،حالة يبقى فيها الأقوى مسيطرا والأضعف مُرهقا.
ان جدية الضمانات الأمريكية تُوضع الآن على المحك ،فالراعي الذي لا يستطيع إلزام حليفه بالتنفيذ يفقد مصداقيته والفصائل التي أبدت مرونة سياسية وقانونية تجد نفسها أمام تصلب استراتيجي يهدد كل الجهود.
في نهاية المطاف المرونة وحدها دون ضغط متكافئ تُصبح دعوة للمزيد من التعنت الوسطاء يستمرون في محاولاتهم لكن النتيجة ستُحددها قدرة الأطراف على تصحيح اختلال ميزان القوى وإلا فإن التصعيد المتقطع سيظل سيفا معلقا فوق أي تقدم مستقبلي
كما في عهد روما حيث كان الإمبراطور يرسل مبعوثيه ليفرضوا السلام بالقوة المقنعة أو بالسيف المُشهر فإن الدبلوماسية الحقيقية لا تكتفي بالوساطة المهذبة بل تتطلب إرادة سياسية صلبة وتوازن قوى واضح إن السلام ممكن ،بل هو متاح إذا مارس الوسطاء دبلوماسية حقيقية دبلوماسية الضغط المتدرج والتهديد المقنع والحوافز المشروطة تجاه إسرائيل.
يجب على الوسطاء أن ينقلوا رسالة واضحة إلى الاحتلال. استمرار التعطيل سيؤدي إلى عزلة سياسية وقانونية وخسارة الدعم الاستراتيجي بل بالجمع بين فن الإقناع وقدرة الإلزام من الوسطاء.
إذا أراد الوسطاء أن يحولوا الهدنة الهشة إلى سلام دائم عليهم أن يصححوا اختلال ميزان الضغط. بفرض جدول زمني صارم للانسحاب وتدفق المساعدات ووقف الخروقات الميدانية عندها فقط يمكن أن يتحول الاتفاق من ورقة دبلوماسية إلى واقع سياسي مستقر. يحميه توازن المصالح والقوة لا مجرد حسن النوايا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
