تدرس الولايات المتحدة مطالبة إسرائيل بتحويل جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية إلى «مجلس السلام» الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتمويل خطته لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، في خطوة قد تفتح أزمة سياسية ومالية جديدة حول أموال المقاصة الفلسطينية ودور السلطة في مستقبل القطاع.
ونقلت وكالة «رويترز» عن خمسة مصادر مطلعة أن إدارة ترامب تبحث هذا الخيار، لكنها لم تحسم بعد ما إذا كانت ستقدم طلباً رسمياً إلى إسرائيل. وقال ثلاثة من المصادر، وهم مسؤولون مطلعون على المداولات الأميركية مع إسرائيل، إن الفكرة لا تزال قيد الدراسة، فيما أوضح مصدران فلسطينيان مطلعان على المباحثات أن المقترح ينص على تخصيص جزء من الأموال لحكومة انتقالية مدعومة أميركياً في غزة، وجزء آخر للسلطة الفلسطينية إذا نفذت إصلاحات مطلوبة.
وتقدّر السلطة الفلسطينية قيمة أموال الضرائب التي تحجبها إسرائيل بنحو 5 مليارات دولار، وهي أموال تُعرف باسم «المقاصة»، إذ تجمعها إسرائيل على البضائع المستوردة نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب ترتيبات قائمة منذ سنوات، ويفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية لتمويل الرواتب والخدمات العامة.
وقد يؤدي تحويل جزء من هذه الأموال إلى خطة ترامب لإعمار غزة إلى إضعاف موقع السلطة الفلسطينية أكثر، خصوصاً أنها لم تشارك في وضع الخطة، كما لم تُدعَ للانضمام إلى «مجلس السلام»، في حين قبلت إسرائيل دعوة الولايات المتحدة للانضمام إليه.
ويأتي المقترح في وقت تعاني فيه السلطة الفلسطينية أزمة مالية حادة في الضفة الغربية، بعدما أدى حجب إسرائيل لأموال المقاصة إلى خفض رواتب آلاف الموظفين الحكوميين وتعطيل قدرة السلطة على تمويل الخدمات الأساسية. ويقول مسؤولون فلسطينيون إن المبلغ المحتجز يتجاوز نصف الميزانية السنوية للسلطة.
ورفض «مجلس السلام» التعليق على ما إذا كان استخدام أموال الضرائب الفلسطينية قيد الدراسة، غير أن مسؤولاً في المجلس قال إن المجلس طلب من جميع الأطراف الاستفادة من الموارد المتاحة لدعم خطة ترامب لإعادة الإعمار، التي تُقدّر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار. وأضاف المسؤول: «لا شك أن إيداع الأموال في بنك لا يسهم في المضي قدماً بخطة الرئيس المكونة من 20 نقطة».
وتبدو هذه العبارة، بحسب قراءة مصادر مطلعة، إشارة واضحة إلى أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل، والتي تحولت منذ سنوات إلى أداة ضغط سياسية ومالية، في ظل خلاف طويل حول المدفوعات التي تقدمها السلطة الفلسطينية للأسرى وعائلات الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص القوات الإسرائيلية.
وتضغط الولايات المتحدة وإسرائيل منذ سنوات على السلطة الفلسطينية لوقف هذه المدفوعات، بدعوى أنها تشجع على العنف، بينما يعتبرها الفلسطينيون شكلاً من أشكال الرعاية الاجتماعية لعائلات الأسرى والضحايا. وكانت السلطة قد أعلنت في فبراير/شباط 2025 تعديلات على نظام الدفع، غير أن واشنطن عدّتها غير كافية، فيما واصلت إسرائيل حجب الأموال بوصفه إجراءً عقابياً.
وتنص خطة ترامب لغزة على أن تتولى هيئة فلسطينية من التكنوقراط، تعرف باسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، إدارة القطاع بعد تخلي حركة «حماس» عن سلاحها، غير أن الخطة لا تزال متعثرة بسبب رفض الحركة نزع سلاحها، واستمرار الهجمات الإسرائيلية التي قوضت وقف إطلاق النار المتفق عليه في أكتوبر/تشرين الأول.
وخلال مؤتمر صحفي في القدس، قال نيكولاي ملادينوف، مبعوث مجلس السلام التابع لترامب إلى غزة، إن خطط إعادة الإعمار بلغت مراحل متقدمة، مضيفاً: «نعمل على ذلك تدريجياً. نحسب التكاليف. ننسق مع الجهات المانحة». لكنه لم يتطرق إلى مسألة أموال الضرائب الفلسطينية.
ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية والحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية على طلبات «رويترز» للتعليق، ما يبقي المقترح في دائرة التسريبات السياسية، لكنه يثير منذ الآن أسئلة حساسة حول الجهة التي تملك حق التصرف بالأموال الفلسطينية، وما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تمويل خطتها في غزة من أموال يفترض أن تعود إلى السلطة لا إلى ترتيبات انتقالية لم تشارك فيها.
وبينما يقدم «مجلس السلام» الفكرة بوصفها استخداماً عملياً للموارد المتاحة لإطلاق إعادة الإعمار، قد تراها السلطة الفلسطينية محاولة لانتزاع ما تبقى من مواردها المالية وتحويلها إلى أداة لتمويل مسار سياسي يتجاوزها. أما إسرائيل، التي تحجب الأموال أصلاً، فقد تجد في المقترح الأميركي غطاءً لتحويل أموال فلسطينية محتجزة إلى مسار جديد لا يمر عبر رام الله.
وبذلك، لا تبدو القضية مجرد نقاش مالي حول إعادة إعمار غزة، بل معركة سياسية على الشرعية والتمثيل والسيطرة على المال الفلسطيني: أموال جُمعت باسم السلطة الفلسطينية، تحتجزها إسرائيل، وتفكر واشنطن في توجيهها إلى مجلس لم تُدعَ إليه السلطة، لتمويل خطة لم تشارك في صياغتها.
