تقرير أوامر عسكرية إسرائيلية لتشريع بؤر استيطانية وتوسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين

مستوطنون إسرائيليون يشاركون في جولة داخل البلدة القديمة بالخليل، وسط انتشار لقوات الاحتلال التي فرضت قيوداً على حركة الفلسطينيين ونفذت عمليات تفتيش قرب المداخل والأسواق والمواقع الدينية، في 16 مايو/أيار 2026. تصوير: مأمون وزواز

كشف تقرير الاستيطان الأسبوعي الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، للفترة ما بين 8 و15 مايو/أيار 2026، عن تصعيد إسرائيلي واسع في استخدام الأوامر العسكرية لتشريع بؤر استيطانية وتوسيع مستوطنات قائمة في الضفة الغربية، بالتوازي مع هدم منشآت فلسطينية وتهجير تجمعات سكانية، خصوصاً في المناطق المصنفة إسرائيلياً “مناطق إطلاق نار” أو الواقعة ضمن مخططات استيطانية كبرى.

وبحسب التقرير، فإن الاحتلال يواصل توظيف البنية العسكرية، وأوامر المصادرة، وتعديل حدود مناطق التدريب، لخدمة المشروع الاستيطاني، في وقت يستمر فيه بملاحقة التجمعات الفلسطينية قضائياً وميدانياً بذريعة “الأغراض العسكرية”، بينما تُفتح المناطق ذاتها أمام المستوطنين لإقامة بؤر جديدة أو توسيع مستوطنات قائمة.

أوامر عسكرية لتغيير خريطة الضفة

استند التقرير إلى ما كشفته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بشأن استخدام الجيش الإسرائيلي أوامر عسكرية في السنوات الأخيرة لتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، بالتوازي مع تهجير الفلسطينيين من مناطق يزعم الاحتلال أنها مخصصة للتدريبات العسكرية.

وأوضح التقرير أن جيش الاحتلال قلّص أجزاء من مناطق التدريب العسكري المغلقة بهدف شرعنة بؤر استيطانية أقيمت داخلها بشكل غير قانوني، وفتح المجال أمام توسيع مستوطنات قائمة. وفي المقابل، يواصل الجيش تقديم التماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية لإخلاء تجمعات فلسطينية من المناطق نفسها، بحجة أنها تعيق التدريبات العسكرية.

وأشار التقرير إلى أن المستوطنين، بدعم من الجيش ومؤسسات إسرائيلية رسمية، تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من تغيير الخريطة الطبوغرافية للضفة الغربية عبر استخدام أوامر المصادرة العسكرية لشق طرق جديدة، وربط البؤر الاستيطانية بالمستوطنات الكبرى، إضافة إلى تحويل قواعد عسكرية مهجورة إلى مستوطنات مدنية.

ووفق معطيات وثقها المكتب الوطني، أصدر الاحتلال بين عامي 2023 و2025 نحو 140 أمر مصادرة عسكرياً تحت بند “الاحتياجات الأمنية”، خُصص 81% منها لخدمة المستوطنات والبؤر الاستيطانية، سواء عبر إنشاء طرق أمنية أو ربط بؤر معزولة بالمستوطنات القائمة.

قاعدة عسكرية قرب مخيم جنين لحماية مستوطنات معاد بناؤها

وفي محافظة جنين، قرر جيش الاحتلال مصادرة أراضٍ في حي الجابريات المطل على مخيم جنين، بذريعة استخدامها لأغراض عسكرية. وذكر التقرير أن قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية، آفي بلوط، أصدر قراراً عسكرياً بمصادرة سبعة دونمات في منطقة مصنفة “A” وفق اتفاق أوسلو.

وبحسب التقرير، يهدف إنشاء القاعدة العسكرية على الأراضي المصادرة إلى توفير الحماية لمستوطنات قررت سلطات الاحتلال إعادة إقامتها شرق جنين، بينها مستوطنتا “غانيم” و”كيديم”، اللتان أخليتا عام 2005 ضمن خطة “فك الارتباط”.

ونقل التقرير عن الناشط الإسرائيلي درور إتكس، مؤسس منظمة “كرم نابوت”، قوله إن إنشاء القاعدة الجديدة على بعد نحو 200 متر من حدود مخيم جنين يمثل عودة إلى الوراء 30 عاماً، حين كان جيش الاحتلال يتمركز داخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية.

مشروع “نسيج الحياة” وعودة مخطط E1

وفي منطقة العيزرية شرق القدس، أعاد التقرير تسليط الضوء على مشروع “نسيج الحياة”، بعد شروع قوات الاحتلال بهدم عشرات المنشآت الصناعية والتجارية في منطقة المشتل، حيث طالت عمليات الهدم نحو 20 منشأة، رغم وجود أمر احترازي يمنع الهدم حتى منتصف مايو/أيار.

وأوضح التقرير أن سلطات الاحتلال كانت قد أبلغت نحو 50 مواطناً بضرورة إفراغ محالهم ومنشآتهم التجارية تمهيداً للهدم، في سياق تنفيذ مخطط “نسيج الحياة” المرتبط بمشروع E1 الاستيطاني، الهادف إلى تحقيق تواصل جغرافي بين مستوطنة “معاليه أدوميم” والقدس المحتلة.

ويؤدي تنفيذ هذا المخطط، وفق التقرير، إلى ابتلاع ما يقارب 3% من مساحة الضفة الغربية ضمن ما يسمى “القدس الكبرى”، وفصل شمال الضفة عن جنوبها، وعزل تجمعات فلسطينية مثل جبل البابا ووادي الجمل وبلدة العيزرية، إضافة إلى منع الفلسطينيين من استخدام الطريق رقم 1 وحشرهم في نفق قرب حاجز الزعيم، بينما يخصص الطريق السطحي للمستوطنين.

1200 وحدة استيطانية في “بيت إيل”

وفي سياق التوسع الاستيطاني، أورد التقرير ما نشرته القناة الرابعة العبرية بشأن تسوية ما يسمى “حقوق ملكية الأراضي” التابعة لمجلس مستوطنة “بيت إيل” قرب رام الله، تمهيداً للترويج لمخطط تفصيلي لبناء 1200 وحدة استيطانية جديدة كمرحلة أولى.

ويتضمن المخطط تطوير البنية التحتية ومضاعفة الطرق المؤدية إلى المستوطنة، بهدف تحويل “بيت إيل” من مستوطنة إلى مدينة. ورحب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بهذه الخطوة، واصفاً إياها بـ”التاريخية”، ومعتبراً أن تنظيم الأراضي في “بيت إيل” جزء من ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

قانون آثار إسرائيلي جديد في الضفة

كما تطرق التقرير إلى مصادقة الهيئة العامة للكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون لإقامة سلطة آثار إسرائيلية مختصة بالمواقع الأثرية في الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب مشروع القانون، ستكون سلطة الآثار الإسرائيلية مسؤولة حصرياً عن شؤون التراث والآثار في الضفة، بما في ذلك الحفريات وإدارة المواقع وإنفاذ القانون، على أن تنتقل إليها صلاحيات “ضابط الآثار” التابع للإدارة المدنية. وتشمل صلاحياتها المناطق المصنفة “B” و”C”.

وحذرت منظمة “عمق شبيه” الحقوقية الإسرائيلية من أن مشروع القانون لا يحمي الآثار، بل يحولها إلى أداة سياسية ضد الفلسطينيين، ويدفع باتجاه ضم الضفة الغربية، معتبرة أنه يتناقض مع القانون الدولي والاتفاقيات السياسية وقواعد المهنة.

عقوبات أوروبية على كيانات استيطانية

وأشار التقرير إلى قرار وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أربع كيانات استيطانية ارتبط اسمها بالعنف وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي: أمانا، هاشومير يوش، ريغافيم، ونحالا.

وشملت العقوبات كذلك ثلاثة من قادة هذه الكيانات: مئير دويتش، الرئيس التنفيذي لحركة “ريغافيم”، وأفيخاي سويسا، زعيم منظمة “هاشومير يوش”، ودانييلا فايس، التي تتزعم حركة “نحالا”.

وأوضح التقرير أن “أمانا” تعد من أقوى منظمات الاستيطان مالياً وسياسياً، وتلعب دوراً مركزياً في إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية، بينما تعمل “هاشومير يوش” على تجنيد متطوعين للعيش في بؤر زراعية استيطانية تساعد على الاستيلاء على آلاف الدونمات وطرد الفلسطينيين من محيطها. أما “ريغافيم”، فتستخدم المسارات القانونية والضغط على مؤسسات الدولة للدفع باتجاه هدم المباني الفلسطينية وتوسيع الاستيطان.

انتهاكات ميدانية في المحافظات

وثق التقرير خلال أسبوع رصد واسعاً لاعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال في عدة محافظات.

في القدس، منع مستوطنون مزارعين من حراثة أراضيهم في بيت إكسا شمال غرب المدينة، فيما أجبرت بلدية الاحتلال المواطن جلال الطويل على هدم غرفة سكنية في حي البستان، كما أجبرت عائلة الفقيه على هدم منزل قيد الإنشاء في مخيم شعفاط.

وفي الخليل، اقتحم مستوطنون مسلحون تل ماعين الأثري شرق يطا، وهاجموا المزارعين ورعاة الماشية. كما اعتدوا على المزارع محمد عبد الحميد الحمامدة أثناء حصاده محاصيله. وفي خلة الفرا غرب يطا، صادر مستوطنون مركبة وصهريج ماء واحتجزوا زوجة أحد المواطنين قبل الإفراج عنها. كما اعتدوا على مواطن وطفله في قرية شويكة، وهاجموا مركبة قرب خربة الفخيت في مسافر يطا ورشوا غاز الفلفل على ركابها.

وفي رام الله، شق مستوطنون طريقاً استيطانياً بين قريتي المغير وخربة أبو فلاح، وأحرقوا مركبة وخطوا شعارات عنصرية في أبو فلاح. كما نفذوا اقتحامات استفزازية في عبوين، وسرقوا نحو 80 رأس غنم في كفر مالك، وشرعوا بإقامة بؤرة استيطانية جديدة في منطقة جسر الخلة التابعة لبلدة رمون. كما أعلن عن استشهاد الفتى يوسف علي يوسف كعابنة، 16 عاماً، وإصابة أربعة مواطنين خلال هجوم للمستوطنين بحماية جيش الاحتلال على قرى سنجل وجلجليا وعبوين.

وفي نابلس، أحرق مستوطنون منزل المواطن محمد الخليل في قرية اللبن الشرقية، وهاجموا منازل المواطنين في جوريش وعقربا، ما أدى إلى إصابة سيدتين، إحداهما حامل. كما نصب مستوطنون خيمة في أراضي برقة وأطلقوا أغنامهم في الأراضي الزراعية، ووسعوا بؤرة استيطانية في جبل بايزيد بقرية بيت أمرين. واقتحم أكثر من خمسة آلاف مستوطن، بينهم سموتريتش وأعضاء كنيست، مقام يوسف في نابلس بحماية قوات الاحتلال.

وفي سلفيت، أقام مستوطنون بؤرة جديدة على أراضي دير استيا، ونصبوا كرفانين في أراضٍ تابعة للوقف الإسلامي، ومدوا أنبوب مياه من مستوطنة “رفافا” إلى البؤرة الجديدة. كما شرعوا بإقامة بؤرة في بروقين قرب مدرستين ومنازل المواطنين، ودمروا خط كهرباء في بلدة ياسوف.

وفي جنين، هاجم مستوطنون أراضي زراعية في قرية رابا وكسروا أشجار زيتون، بينما يواصل جيش الاحتلال أعمال تجريف على قمة جبل المسالمة لشق طرق استيطانية. كما أصدرت سلطات الاحتلال قراراً عسكرياً بوضع اليد على أكثر من 61 دونماً من أراضي قرية زبدة حتى نهاية عام 2028 بذريعة الاستخدام العسكري.

وفي قلقيلية، هدم مستوطنون أكثر من 50 منشأة سكنية وزراعية في تجمع “عرب الخولي” شرق كفر ثلث، بعد أكثر من شهرين على تهجير سكانه قسراً تحت تهديد السلاح، رغم وجودهم في المنطقة منذ أكثر من 120 عاماً.

وفي الأغوار، أطلق مستوطنون مواشيهم في أراضٍ مزروعة في منطقة الحمة بالأغوار الشمالية، وهاجموا تجمع عرب الكعابنة شمال أريحا، واعتدوا على مواطنين في خربة سمرة، ما أدى إلى إصابة ثلاثة منهم برضوض. كما منع مستوطنون مواطنين من إصلاح خطوط مياه تضررت بفعل أعمال الاحتلال، وسرقوا قطيع أغنام، وأجبروا عائلة إبراهيم سليمان كعابنة، المكونة من سبعة أفراد، على الرحيل من غرب العوجا باتجاه الأغوار الشمالية.

خلاصة التقرير

خلص التقرير إلى أن الأسبوع الممتد بين 8 و15 مايو/أيار 2026 عكس تصعيداً مزدوجاً في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية: من جهة، استخدام الأوامر العسكرية والقوانين والتخطيط الرسمي لتشريع البؤر وتوسيع المستوطنات؛ ومن جهة أخرى، تكثيف الاعتداءات الميدانية التي تستهدف الفلسطينيين في أراضيهم ومساكنهم ومصادر رزقهم.

ويشير التقرير إلى أن هذه السياسات لم تعد تقتصر على التوسع الاستيطاني التقليدي، بل باتت تتخذ طابعاً منظماً يدمج بين الجيش والمستوطنين والوزارات الإسرائيلية والكيانات الاستيطانية، في سياق واضح لتعميق الضم الفعلي للضفة الغربية، وتهجير الفلسطينيين من المناطق المصنفة استراتيجياً، خصوصاً القدس ومحيطها، والأغوار، ومسافر يطا، وشمال الضفة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - نابلس