قال رئيس لجنة المتابعة العليا لفلسطينيي الداخل، الدكتور جمال زحالقة، إن الشعب الفلسطيني يقف أمام “مأزق تاريخي” يتطلب من القيادة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة “فتح”، تقديم إجابة واضحة عن سؤال المرحلة: “ما العمل؟”، في ظل انسداد أفق التسوية السياسية، واستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، وتصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
وجاءت تصريحات زحالقة خلال مقابلة مع قناة "المملكة" الأردنية رصدتها "وكالة قدس نت للأنباء"، تناولت نتائج المؤتمر العام الثامن لحركة “فتح”، وتحديات الوضع الفلسطيني الداخلي، ودور فلسطينيي الداخل، إلى جانب المشهد الإسرائيلي المرتبط باحتمال التوجه إلى انتخابات مبكرة.
وأكد زحالقة، الذي شارك في الجلسة الإفتتاحية لأعمال مؤتمر “فتح”، أن القضية الأساسية لا تتعلق بالأسماء التي صعدت إلى مواقع القيادة، بل بقدرة اللجنة المركزية الجديدة على تقديم برنامج عمل سياسي وطني واضح. وقال إن “مسار التسوية مغلق تمامًا”، وإن النضال العسكري بصيغته السابقة “لا يملك أفقًا” بعد كل ما جرى، معتبرًا أن القيادة مطالبة ببلورة رؤية عملية تبدأ من سؤال الوحدة الوطنية الفلسطينية.
وأشار إلى أن أول اختبار أمام القيادة الفلسطينية يتمثل في إنهاء الانقسام وتوحيد الطاقات، موضحًا أن الوحدة الوطنية “أمر في يد الفلسطينيين” ولا يحتاج إلى انتظار إسرائيل أو الولايات المتحدة أو تبدل موازين القوى. وأضاف أن استمرار الانقسام يمثل “جرحًا نازفًا” وتبديدًا للطاقات الفلسطينية في لحظة خطيرة.
ورأى زحالقة أن هناك فرصة دولية واسعة يجب عدم إهدارها، في ضوء اتساع التضامن الشعبي العالمي مع فلسطين، خصوصًا في أوروبا والولايات المتحدة. وقال إن القضية الفلسطينية يجب أن تُقدَّم للعالم بوصفها قضية عدالة وحقوق، وبخطاب يفهمه الرأي العام الدولي، معتبرًا أن الاستثمار المنظم في هذا المجال قادر على تغيير موازين مهمة.
وتطرق زحالقة إلى نتائج المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، وما رافقها من نقاشات بشأن دخول أسماء جديدة إلى اللجنة المركزية، بينها أسرى وقيادات رمزية ونجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مشيرًا إلى أن الحكم الحقيقي سيكون على الأداء لا على الأشخاص. وقال إن اللجنة المركزية الجديدة أصبحت “أمام الامتحان”، وإن الشعب الفلسطيني سيحاسبها على ما ستفعله لا على ما أعلنته.
وفي تعليقه على الانتقادات التي رأت في بعض النتائج مؤشرًا إلى إعادة تدوير النخب أو تغليب الحسابات الداخلية، قال زحالقة إن هناك “علامات استفهام” حول بعض ما جرى، معربًا عن أسفه لانسحاب الأسير المحرر كريم يونس، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الأهم الآن هو ما إذا كانت القيادة الجديدة ستبادر إلى عمل فعلي وجاد.
وفي ملف فلسطينيي الداخل، قال زحالقة إن لجنة المتابعة العليا تمثل إطارًا وطنيًا جامعًا يضم كل الأحزاب السياسية العربية ورؤساء السلطات المحلية وشخصيات منتخبة، مؤكدًا أنها تعبّر عن مجمل فلسطينيي الداخل.
وأوضح أن لجنة المتابعة تنشغل بثلاث قضايا كبرى: الأولى هي تفشي الجريمة والعنف داخل المجتمع العربي، والثانية هي ما يتعرض له النقب من سياسات مصادرة وتهجير وهدم، والثالثة هي دور فلسطينيي الداخل في النضال ضد الاحتلال، خصوصًا في القدس والمسجد الأقصى.
وفي ملف الجريمة، قال زحالقة إن المجتمع العربي داخل الخط الأخضر يواجه معدلات قتل مرتفعة جدًا، واتهم السلطات الإسرائيلية بالتقاعس والتواطؤ غير المباشر مع منظمات الجريمة، معتبرًا أن الجريمة بلا عقاب تشكل “ضوءًا أخضر” لجرائم لاحقة. وأشار إلى تنظيم مظاهرات ضخمة في سخنين وتل أبيب ضد الجريمة والعنف، بمشاركة عشرات الآلاف.
أما في النقب، فحذر زحالقة من حملة إسرائيلية متصاعدة لمصادرة ما تبقى من أراضي الفلسطينيين وتهجير سكان القرى غير المعترف بها، مؤكدًا أن هذه القرى سبقت قيام إسرائيل، وأن سياسة الهدم والترحيل تمثل خطرًا وجوديًا على الفلسطينيين هناك.
وفي القدس، شدد زحالقة على أن فلسطينيي الداخل يتحملون مسؤولية خاصة تجاه المدينة والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، لأنهم قادرون على الوصول إلى القدس في حين يُمنع معظم الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات من ذلك. وقال إن شد الرحال إلى القدس ودعم اقتصادها وصمود أهلها يمثلان واجبًا وطنيًا مباشرًا.
وكشف أن لجنة المتابعة على تواصل دائم مع الأوقاف الإسلامية والقوى الوطنية في القدس، كما أشار إلى أهمية التنسيق مع الأردن بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات. وحذر من خطورة الحفريات الإسرائيلية أسفل المسجد الأقصى، داعيًا إلى تشكيل لجنة هندسية دولية، برعاية اليونسكو، لفحص ما يجري تحت المسجد.
وفي الشأن الإسرائيلي، قال زحالقة إن نتنياهو لا يريد انتخابات مبكرة رغم المناورات البرلمانية المتعلقة بحل الكنيست، لأنه يسعى إلى كسب الوقت وتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. واعتبر أن نتنياهو قد ينتظر دعمًا سياسيًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب أو تطورًا في الملف الإيراني يمكن تسويقه كإنجاز أمام الجمهور الإسرائيلي.
ودعا زحالقة الأحزاب العربية داخل إسرائيل إلى خوض الانتخابات المقبلة بقائمة موحدة، معتبرًا أن توحيد الصف العربي يمكن أن يمنع نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة إذا حصلت القائمة المشتركة على تمثيل واسع. وقال إن الشارع العربي يريد التصويت بكثافة، لكنه يربط ذلك بمدى قدرة الأحزاب على التوحد.
وختم زحالقة بالتأكيد أن المرحلة الفلسطينية الراهنة لا تحتمل الحسابات الصغيرة، داعيًا إلى برنامج وطني وحدوي، واستثمار التضامن الدولي، وتعزيز صمود القدس، وتفعيل دور فلسطينيي الداخل في مواجهة سياسات الاحتلال والعنصرية والجريمة المنظمة.
