تواصل قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف المدفعي وإطلاق النار من الآليات والطائرات المسيّرة وعمليات النسف الميداني، في مشهد يعكس تحوّل «الخط الأصفر» من خط فصل مؤقت ضمن تفاهمات الهدنة إلى مساحة اشتباك وضغط عسكري مستمر، خصوصًا في شرقي خان يونس، وشمالي وغربي رفح، وأطراف مدينة غزة.
وشهدت الساعات الأخيرة يوم الجمعة 22 أيار/مايو 2026 تصعيدًا ميدانيًا متزامنًا في أكثر من محور، إذ أفادت مصادر محلية باستشهاد المواطن لؤي بصل 27 عامًا، إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية تجمعًا للمواطنين في محيط مسجد الشمعة بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، فيما نقلت إفادات أخرى أن الاستهداف وقع في محيط مكان منزله قرب مسجد الرضوان بمنطقة عسقولة شرق المدينة. ووصل شهيد وعدة إصابات إلى مستشفى المعمداني، وفق إفادات ميدانية محلية.
وفي جنوب القطاع، أعلن مجمع ناصر الطبي في خان يونس وصول شهيد من منطقة الشاكوش شمال غربي رفح، قالت مصادر محلية إنه كان يعمل في رعي الأغنام. وعرّفت مصادر فلسطينية الشهيد بأنه رأفت عادل إبراهيم بريكة، 42 عامًا، مشيرة إلى أنه استشهد بقنبلة ألقتها طائرة إسرائيلية مسيّرة من نوع «كواد كابتر» قرب ما يعرف بـ«الخط الأصفر». وتحدثت تقارير عن استهداف راعي أغنام في المنطقة ذاتها، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف على المناطق الشرقية لخان يونس.

كما أصيبت مواطنة وطفلة برصاص الاحتلال في وسط القطاع، بعدما أطلقت قوات الاحتلال نيران أسلحتها الرشاشة باتجاه مواطنين شمال مخيم البريج، ما أدى إلى إصابة طفلة ونقلها إلى المستشفى، فيما أصيبت مواطنة أخرى شرق دير البلح. وذكرت مصادر محلية أن جيش الاحتلال هدم ثلاثة منازل غرب «الخط الأصفر» شرقي دير البلح، في إطار عمليات نسف وهدم متكررة تطال مناطق قريبة من خطوط الانتشار الإسرائيلي.
وبالتوازي، أقر الجيش الإسرائيلي، الجمعة، بقتل ثلاثة فلسطينيين شمالي وجنوبي قطاع غزة، بزعم أنهم اجتازوا أو اقتربوا من «الخط الأصفر» وشكلوا «تهديدًا فوريًا» لقواته. ووفق بيان الجيش، رصدت قوات اللواء الشمالي شخصًا شمال القطاع، ورصدت قوات اللواء 188 شخصًا آخر جنوبه، بينما قالت قوات «لواء النيران 454» إنها استهدفت شخصًا ثالثًا بغارة جوية شمال القطاع بعد رصده يتحرك قرب الخط.
ويُعد «الخط الأصفر» شريط فصل ميداني أقرته تفاهمات وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ويفصل بين المناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي غرب القطاع وتلك التي ما زال يتمركز فيها شرقًا. وتقول تقارير محلية، إن إسرائيل وسّعت عمليًا نطاق سيطرتها في محيط هذا الخط، بينما أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق تقارير عبرية، إلى أن الجيش يسيطر فعليًا على نحو 60 بالمئة من مساحة القطاع، بعد أن كان الجيش قد تحدث سابقًا عن سيطرة تقارب 53 بالمئة.
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، استمر الاتفاق في مرحلته الأولى من دون انتقال فعلي إلى المرحلة الثانية، التي تشمل ملفات أكثر تعقيدًا مثل الانسحاب التدريجي، وترتيبات الأمن، ونزع سلاح حركة حماس، وإدارة غزة. وكانت المرحلة الأولى قد تضمنت إطلاق سراح آخر المحتجزين الإسرائيليين الأحياء مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين، لكن تنفيذ البنود اللاحقة بقي معلقًا وسط تصاعد الخلافات الميدانية والسياسية.
وفي حصيلة الخروقات منذ بدء سريان الهدنة، أفادت وزارة الصحة في غزة بأن الاعتداءات الإسرائيلية أدت حتى الخميس إلى استشهاد 883 فلسطينيًا وإصابة 2648 آخرين، في وقت ما زالت القيود الإسرائيلية على إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء تفاقم الوضع الإنساني داخل القطاع.
أمنيًا، كشفت مصادر من حركة حماس لصحيفة «الشرق الأوسط» أن عصابات مسلحة تنشط في مناطق السيطرة الإسرائيلية داخل أو قرب «الخط الأصفر» تقف خلف رسائل واتصالات وصلت إلى آلاف الغزيين، طالبتهم بإخلاء مناطق سكنية بذريعة أنها ستتعرض للقصف. ووفق تلك المصادر، استغلت هذه المجموعات تشابه الرسائل مع أسلوب التحذيرات الإسرائيلية الرسمية لإرباك السكان ودفعهم إلى النزوح، خصوصًا في منطقة الكتيبة بخان يونس ومحيط مراكز إيواء في المغازي.

وتزامن ذلك مع عودة إسرائيل إلى سياسة طلب إخلاء مربعات سكنية قبل قصف منازل محددة، وهي سياسة أدت خلال الأيام الأخيرة إلى تدمير منازل وإلحاق أضرار بمنازل وخيام نازحين مجاورة. كما لوحظ، وفق مصادر ميدانية، نشاط متزايد لتلك العصابات في مناطق تماس قريبة من شارع صلاح الدين ومحيط الخط الأصفر، وسط اتهامات فلسطينية لها بتنفيذ أدوار أمنية تخدم الاحتلال أو تفتح الباب أمام فوضى داخلية.
وفي هذا السياق، نشرت قوة «رادع» التابعة لأمن الفصائل الفلسطينية في غزة بيانًا منحت فيه من وصفتهم بـ«عناصر العصابات العميلة» فرصة أخيرة لتسليم أنفسهم، مؤكدة أن العمل ضد هذه المجموعات بات قريبًا. وتقول مصادر فلسطينية إن ملف هذه العصابات بات جزءًا من النقاشات الأمنية المرتبطة بمستقبل غزة، خصوصًا مع حديث الوسطاء عن ترتيبات أمنية قد تشمل تفكيك المجموعات المسلحة غير المنضبطة ضمن أي مسار لاحق لتثبيت وقف إطلاق النار.
وبذلك، تبدو غزة أمام معادلة مزدوجة: هدنة معلنة سياسيًا، لكنها منقوصة ميدانيًا بفعل القصف والاستهدافات اليومية؛ وخط فصل يفترض أن يكون جزءًا من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه يتحول تدريجيًا إلى حدود اشتباك وسيطرة وضغط على السكان، في ظل انسداد المرحلة الثانية من الاتفاق وتفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية داخل القطاع.
