تراخيص القنب قفزت من 33 ألفًا إلى نحو 140 ألفًا، ووزارة الصحة الإسرائيلية أوصت بتقييد التدخين خلال 3 سنوات قبل أن يجمّد الوزير التنفيذ… فيما تثير الأرقام أسئلة حول حدود العلاج، الصدمة، والإدمان المقنّن
خلف الصورة التي تسوّقها إسرائيل عن نفسها بوصفها مركزًا متقدمًا في التكنولوجيا والطب وأبحاث القنب الطبي، تكشف أرقام وزارة الصحة الإسرائيلية وتقارير صحفية حديثة عن أزمة متصاعدة في استخدام القنب، لم تعد محصورة في بروتوكولات علاجية ضيقة، بل تحولت إلى ملف صحي ونفسي واجتماعي شديد الحساسية، خصوصًا بعد حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما رافقها من اتساع في اضطرابات القلق وما بعد الصدمة.
فقد أوصت لجنة مهنية في وزارة الصحة الإسرائيلية، مطلع أيار/مايو 2026، بوقف تدريجي لاستخدام وتسويق القنب الطبي المخصص للتدخين خلال ثلاث سنوات، بسبب المخاطر الصحية وصعوبة ضبط الجرعات والتفاوت في الامتصاص، على أن يتم الانتقال إلى المستخلصات أو أجهزة الاستنشاق الدقيقة بدل النورات المعدة للتدخين. غير أن وزير الصحة حاييم كاتس جمّد لاحقًا تنفيذ هذه التوصيات، معتبرًا أن القيود المقترحة قد تلحق ضررًا بالمرضى الذين يعتمدون على القنب الطبي.
طفرة في التراخيص واستهلاك يتجاوز الإطار العلاجي
تظهر المعطيات التي عرضتها اللجنة المهنية أن عدد الحاصلين على تراخيص القنب الطبي في إسرائيل ارتفع من نحو 33 ألفًا عام 2019 إلى نحو 140 ألفًا في 2025، في زيادة حادة رافقتها مخاوف من تحوّل المجال من علاج خاضع للرقابة إلى سوق واسعة تشبه الاستهلاك شبه المفتوح. ووفق البيانات ذاتها، فإن 62% من المرضى يستهلكون أكثر من 30 غرامًا شهريًا، فيما تتركز 88% من التراخيص في منتجات عالية التركيز من مادة THC، وهي المركب النفساني الرئيسي في القنب.
وتشير الأرقام إلى أن التدخين بات النمط المهيمن في الاستخدام؛ إذ قالت وزارة الصحة، بحسب ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، إن 87% من المرضى يستخدمون القنب بالتدخين، وأن الغالبية الساحقة من التراخيص أو المشتريات المرخصة مرتبطة بمنتجات قابلة للتدخين، وهو الشكل الذي تعتبره اللجنة الأكثر إثارة للقلق صحيًا ورقابيًا.
بعد الحرب: الصدمة تدخل إلى قلب الملف
أخذ ملف القنب الطبي بعدًا أكثر تعقيدًا منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب التي تلته، مع تصاعد الاهتمام بعلاجات اضطراب ما بعد الصدمة. وتقول معطيات وزارة الصحة، وفق “تايمز أوف إسرائيل”، إن نحو 17% من مرضى القنب في إسرائيل يتلقونه على خلفية اضطراب ما بعد الصدمة.
لكن وزارة الصحة الإسرائيلية نفسها تؤكد في موقعها الرسمي أن القنب ليس دواءً مسجلًا بالمعنى الصيدلاني، وأن سلامته وفعاليته لعلاج الحالات الطبية “لم تثبتا بعد” بصورة حاسمة، رغم وجود أدلة على أنه قد يخفف بعض الأعراض أو الألم لدى بعض المرضى. كما تضع الوزارة موانع لاستخدامه في حالات مثل الذهان النشط أو السابق، القلق الشديد، وجود تاريخ إدمان أو تعاطي مخدرات، والحمل أو الرضاعة.
“سوق استهلاكي” أكثر منه نظامًا علاجيًا
في تحليل نشره موقع “يديعوت أحرونوت” بالإنجليزية، قيل إن إسرائيل وجدت نفسها بعد عقد من فتح باب القنب الطبي أمام واقع مختلف: سوق واسعة ونشطة تشبه، في بعض ملامحها، سوقًا استهلاكية أكثر من كونها نظامًا علاجيًا مضبوطًا. وأشار التحليل إلى أن عملية “التطبيع” مع القنب تحركت بسرعة أكبر من قدرة النظام الصحي على بناء بروتوكولات علاجية وتدريب ورقابة كافية.
وبحسب التحليل ذاته، أظهر تقرير New Frontier Data لعام 2025 أن 27% من الإسرائيليين فوق سن 15 عامًا أفادوا باستخدام القنب عالي التركيز من THC، وهي نسبة وُصفت بأنها الأعلى عالميًا، متقدمة على كندا والولايات المتحدة وجامايكا. كما قُدّر سوق القنب الطبي في إسرائيل بمئات ملايين الدولارات، مع بروز إسرائيل بين أكبر مستوردي القنب الطبي في العالم خلال السنوات الأخيرة.
بين العلاج والتخدير الاجتماعي
لا تعني هذه الأرقام، بحد ذاتها، أن كل استخدام للقنب الطبي هو استخدام غير علاجي أو إدماني. فهناك مرضى يستخدمونه لتخفيف الألم أو أعراض نفسية أو عصبية وفق تراخيص طبية. لكن حجم الطفرة، وهيمنة التدخين، وارتفاع نسب المنتجات عالية الـTHC، واتساع الاستخدام بين الرجال ومن هم دون 45 عامًا، كلها مؤشرات دفعت وزارة الصحة الإسرائيلية إلى محاولة “شد المكابح” وإعادة الملف إلى إطار رقابي أكثر صرامة.
ولهذا، يمكن قراءة التوصيات الأخيرة لا بوصفها تحديثًا فنيًا فقط، بل كمؤشر على قلق رسمي من أن القنب الطبي خرج جزئيًا من منطق الدواء إلى منطق التهدئة النفسية الواسعة. وفي مجتمع يعيش صدمات أمنية وحربية متلاحقة، تصبح الحدود بين العلاج، التسكين، الاعتماد، والهروب النفسي حدودًا شديدة الالتباس.
مخاوف تتجاوز الصحة إلى الأمن العام
أحد البنود التي أثارت الانتباه في النقاش الإسرائيلي هو الدعوة إلى تشديد الإبلاغ والمتابعة بشأن أهلية المستخدمين للقيادة أو حمل السلاح، وهي نقطة تكشف أن القلق لم يعد طبيًا فقط، بل بات يتصل أيضًا بالسلامة العامة. فانتشار القنب عالي التأثير بين عشرات آلاف المستخدمين، بالتوازي مع انتشار السلاح الفردي وارتفاع مستويات التوتر المجتمعي، يفتح أسئلة حول قدرة الدولة على ضبط المخاطر المرتبطة بالإدراك، ردود الفعل، والعنف أو الحوادث.
خلاصة
تكشف أزمة القنب الطبي في إسرائيل عن مفارقة عميقة: دولة تُقدّم نفسها رائدة في البحث الطبي والتنظيم الدوائي، لكنها تواجه اليوم سوقًا سريع الاتساع يصعب ضبطه، وتيارًا اجتماعيًا ونفسيًا يجد في القنب وسيلة لتخفيف الألم والقلق والصدمة. وبين توصيات وزارة الصحة بتقييد التدخين وتجميد الوزير لهذه التوصيات، يبدو الملف مفتوحًا على صراع بين حقوق المرضى، مصالح السوق، مخاوف الإدمان، وتداعيات الحرب على الصحة النفسية الإسرائيلية.
