يستعد الجيش الإسرائيلي، لاستقبال ممثلين عن “مجلس السلام” التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب في قطاع غزة خلال الأيام المقبلة، في زيارة توصف بأنها الأولى من نوعها للمجلس إلى القطاع منذ إنشائه للإشراف على ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار.بحسب ما ذكرت هيئة البث العامة الإسرائيلية.
وأفادت تقارير بأن ممثلين عن نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق والمكلّف بقيادة ملف غزة في المجلس، قدّموا طلباً رسمياً إلى الجيش الإسرائيلي لتنسيق دخولهم إلى القطاع، بهدف معاينة الأوضاع الميدانية والبدء بخطوات تنفيذية مرتبطة بخطة ترامب.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن مصدراً في “مجلس السلام” قال إن حماس “لم تستوعب بعد أنها مطالبة بنزع سلاحها”، مضيفاً أن استهداف قادة الجناح العسكري للحركة يُنظر إليه، من جانب المجلس، بوصفه جزءاً من مسار نزع السلاح.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من عرض ملادينوف أمام مجلس الأمن الدولي خارطة طريق من 15 بنداً لتنفيذ خطة ترامب الخاصة بغزة، تقوم على مبدأ التنفيذ المتبادل والتحقق الدولي، وتشمل نزعاً تدريجياً لسلاح حماس والفصائل، وإبعاد الحركة عن البنية المدنية الحاكمة في القطاع، مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي وفق جدول متفق عليه.
ووفق ما نشرته “جيروزاليم بوست”، أوضح ملادينوف أن الخطة لا تطلب من حماس تسليم سلاحها فوراً أو بصورة أحادية، بل عبر عملية فلسطينية القيادة وخاضعة للتحقق الدولي، على أن تُسلّم الأسلحة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة لا إلى إسرائيل.
غير أن مسار الخطة ما زال متعثراً. فقد حذر ملادينوف مجلس الأمن من خطر تحوّل الوضع القائم في غزة إلى واقع دائم، مع بقاء أكثر من مليوني فلسطيني محصورين في أقل من نصف مساحة القطاع، في حين تواصل إسرائيل السيطرة على نحو 60% من غزة. وقال إن رفض حماس تسليم السلاح والتخلي عن السيطرة يمثل “العقبة الرئيسية” أمام تنفيذ الخطة، لكنه أقر أيضاً باستمرار خروقات إسرائيلية لوقف إطلاق النار وبوجود فجوة تمويلية تعرقل الإعمار.
وفي موقف سابق، قال ملادينوف إن اللجنة الوطنية لإدارة غزة أتمت استعداداتها الفنية والإدارية لتسلّم الحكم فور توفر الظروف الميدانية، داعياً الإدارة القائمة في القطاع إلى التنحي لإفساح المجال أمام إدارة تكنوقراط غير سياسية. وردت حماس باستغراب، معتبرة أن المطالبة بإخلاء الساحة إدارياً قبل ضمان دخول البديل إلى القطاع قد تقود إلى فراغ وفوضى، وطالبت بفتح المعابر وتمكين اللجنة الوطنية من الدخول دون عوائق.
وعلى المستوى المالي، كشفت وكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن مصدر مطلع، أن الصندوق الرسمي التابع لـ“مجلس السلام” الذي يديره البنك الدولي لم يتلق أي أموال من المانحين حتى الآن، رغم وعود مالية بمليارات الدولارات. وأوضح المصدر أن الصندوق مخصص لمرحلة الإعمار والتنمية، وهي مرحلة لم تبدأ بعد بسبب عدم اكتمال شروط اتفاق وقف إطلاق النار. كما أوردت “فاينانشال تايمز” أن المجلس لم يتلق أموالاً في الصندوق الرسمي المدعوم من البنك الدولي والأمم المتحدة، وأن بعض الأموال وُجّهت بدلاً من ذلك إلى حساب في “جيه بي مورغان”، ما أثار أسئلة حول الشفافية والرقابة.
وبحسب المصدر ذاته، كانت الولايات المتحدة قد تعهدت بتقديم 10 مليارات دولار للمجلس، فيما وعدت دول أخرى بمساهمات لا تقل عن مليار دولار، بينما قُدّرت كلفة إعادة إعمار غزة خلال عشر سنوات بنحو 71.4 مليار دولار في دراسة مشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. لكن غياب التمويل العملي، واستمرار العمليات العسكرية، وتعثر ملف نزع السلاح، كلّها عوامل تجعل مشاريع الإعمار مؤجلة حتى إشعار آخر.
وتتزامن هذه التطورات مع عودة الملف الغزي تدريجياً إلى واجهة الاهتمام الأميركي، بعد أسابيع طغى فيها التصعيد مع إيران على أولويات واشنطن الإقليمية. وأفادت رويترز، اليوم الأربعاء، بأن التلفزيون الإيراني تحدث عن مسودة تفاهم غير رسمية مع الولايات المتحدة تهدف إلى خفض التصعيد وإعادة فتح الملاحة التجارية في مضيق هرمز، لكن الاتفاق لم يُنجز بعد.
وبذلك تبدو زيارة ممثلي “مجلس السلام” المحتملة إلى غزة اختباراً عملياً أولياً لقدرة المجلس على الانتقال من مرحلة البيانات والخرائط السياسية إلى العمل الميداني. غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بثلاث عقد رئيسية: موافقة إسرائيل على إدخال الوفد وترتيباته، قبول حماس أو رفضها لمسار نزع السلاح، وتحوّل الوعود المالية إلى تمويل فعلي يسمح ببدء الإعمار.
