29 شهيداً بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء خلال أيام عيد الأضحى جراء الغارات والقصف الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة
استُشهد فلسطينيان وأصيب آخرون، يوم السبت 30 مايو/أيار 2026، في غارات وقصف إسرائيلي استهدف تجمعات ومناطق سكنية في قطاع غزة، في رابع أيام عيد الأضحى، وسط تصاعد ميداني يعيد وضع اتفاق وقف إطلاق النار تحت اختبار أمني وسياسي جديد.
وبحسب مصادر طبية ومحلية فلسطينية، وصلت إصابتان إلى المستشفى المعمداني، إحداهما خطرة، عقب غارة إسرائيلية استهدفت بصاروخين تجمعاً للمواطنين في محيط سوق فراس وسط مدينة غزة. كما أفادت تقارير طبية لاحقا، باستشهاد مواطن وإصابة آخرين إثر قصف طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين قرب السوق نفسه.
وفي وسط القطاع، أفادت مصادر فلسطينية باستشهاد الطبيب جمال أبو عون، رئيس قسم التخدير في مستشفى يافا، وإصابة شخصين آخرين في غارة إسرائيلية استهدفت محيط نقطة شرطة شمال مدينة دير البلح. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي وتحركات عسكرية إسرائيلية في شرق خان يونس، وإطلاق نار متقطع من أسلحة رشاشة ثقيلة عند الأطراف الجنوبية والشرقية للمدينة، ما أثار حالة من الخوف بين السكان.
وتحدثت مصادر محلية عن قصف مدفعي إسرائيلي طال أحياء جنوب شرقي مدينة غزة، وسقوط قذائف في مناطق مفتوحة وقرب تجمعات سكنية، إضافة إلى قصف المناطق الشمالية الغربية من رفح. كما واصلت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التحليق على ارتفاعات منخفضة فوق مناطق متعددة من القطاع، في مؤشر إلى استمرار عمليات الرصد والتعقب الجوي.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل إن 29 فلسطينياً، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، استُشهدوا خلال أيام عيد الأضحى جراء الغارات والقصف الإسرائيلي المتواصل. وأضاف أن طواقم الدفاع المدني تعاملت، السبت، مع 9 استهدافات متفرقة، رغم النقص الحاد في المعدات والموارد التشغيلية، وعملت على انتشال الضحايا وإنقاذ المصابين وإخلاء السكان من مناطق الخطر.
وتشير خريطة الاستهدافات إلى نمط ضغط ميداني واسع لا يقتصر على محور واحد؛ إذ توزعت الضربات بين مدينة غزة ودير البلح وخان يونس ورفح والبريج. ويعكس ذلك، وفق قراءة عسكرية، محاولة إسرائيلية للإبقاء على قدرة مراقبة وضرب مستمرة داخل القطاع، بالتوازي مع منع تشكل نقاط أمنية أو إدارية محلية قادرة على إدارة الحياة اليومية في مناطق خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
وتأتي هذه التطورات في ظل توتر متزايد حول مستقبل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. فقد اتهم المتحدث باسم حركة «حماس» حازم قاسم إسرائيل بالانقلاب على الاتفاق، مشيراً إلى استمرار التواصل مع الوسطاء للوصول إلى مقاربات «منطقية ومعقولة» لمسارات المرحلة الثانية. كما ربط قاسم التصعيد بإعلانات إسرائيلية عن توسيع السيطرة على أراضٍ من قطاع غزة، واستمرار الاغتيالات، ومخططات التهجير، وفق تصريحات صحفية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قال، وفق «رويترز»، إنه وجّه الجيش لتوسيع السيطرة في قطاع غزة إلى 70 بالمئة، بعدما باتت القوات الإسرائيلية تسيطر فعلياً على نحو 64 بالمئة من القطاع، بينما كان يفترض بموجب هدنة أكتوبر/تشرين الأول، أن تنسحب إلى «الخط الأصفر» الذي يضع نحو 53 بالمئة من غزة تحت السيطرة الإسرائيلية.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن حصيلة الضحايا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول ارتفعت إلى 929 شهيداً و2811 مصاباً، إضافة إلى 781 حالة انتشال، فيما بلغت الحصيلة التراكمية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 72,938 شهيداً و172,919 مصاباً، وفق بيانات نقلتها وكالة الأنباء الأردنية «بترا».
ويتقاطع التصعيد الميداني مع مأزق ترتيبات ما بعد الحرب. فقد اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 2803 في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مؤيداً خطة وقف الحرب، ومجيزاً إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة، إلى جانب ترتيبات حكم انتقالية وإعادة إعمار ومراقبة أمنية. وينص القرار على أن قوة الاستقرار تعمل، من بين مهامها، على حماية المدنيين وتأمين المساعدات ودعم شرطة فلسطينية بعد تدقيقها، ضمن إطار أمني مرتبط بنزع السلاح ومنع إعادة بناء البنى العسكرية للفصائل.
غير أن استمرار القصف الإسرائيلي، واتساع مناطق السيطرة العسكرية، وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية، يضع الوسطاء أمام اختبار صعب: إما تثبيت قواعد الهدنة ومنع تحولها إلى غطاء لإعادة رسم الواقع الأمني في غزة، أو ترك الاتفاق يتآكل ميدانياً تحت ضغط القصف والتحركات العسكرية والاغتيالات.
ما يجري في غزة خلال عيد الأضحى لا يبدو مجرد خروقات متفرقة للهدنة، بل مؤشراً إلى صراع على شكل السيطرة في المرحلة المقبلة: إسرائيل توسع نطاق الضغط العسكري والميداني، و«حماس» تحاول نقل الملف إلى الوسطاء ومجلس السلام، بينما يبقى المدنيون في قلب المعادلة الأكثر كلفة، بين قصف متجدد ومنظومة إنقاذ تعمل بإمكانات شبه منهارة.
