تصعيد الشمال: مفاوضات البنتاغون تتعثر وإسرائيل تعمّق توغلها جنوب لبنان وحزب الله يوسّع مدى النيران

لقطات مثيرة من نهاريا تتساقط من شواطئ المدينة - بينما يفرّ المصطافون، اليومAccording to Section 27A.webp

دخلت الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، مساء السبت 30 مايو/أيار 2026، مرحلة أكثر خطورة، بعدما تزامن تعثر جولة محادثات عسكرية في البنتاغون بين الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة اللبنانية مع توسع العمليات البرية الإسرائيلية جنوب لبنان، وردّ «حزب الله» برشقات صاروخية باتجاه عمق الشمال الإسرائيلي، شملت صفد وكرمئيل ونهريا وكريات شمونة.

وقال مصدر مطلع إن جولة المحادثات التي جرت، الجمعة، في مقر وزارة الدفاع الأميركية بين ممثلين عن الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة اللبنانية لم تحقق تقدماً يُذكر. ونقل المصدر عن مسؤول إسرائيلي قوله إن الجانب اللبناني «منفصل عن الواقع»، وإنه «ليس في وضع يسمح له بتحسين موقفه التفاوضي» على حساب إسرائيل. وتأتي هذه الجولة ضمن مسار تفاوضي ترعاه واشنطن، سبقته جولات أخرى خلال أبريل ومايو، وفق ما أوردت تقارير إعلامية عربية وعبرية.

وتتمحور الخلافات الأساسية حول مطلب لبنان بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها أو تسيطر عليها في الجنوب، مقابل إصرار إسرائيل على إبقاء سيطرتها الميدانية في مناطق تعتبرها ضرورية أمنياً. وبحسب تقارير، فإن الاجتماع الأخير في واشنطن استمر أكثر من تسع ساعات، وشاركت فيه وفود عسكرية من الجانبين تمهيداً لجولة جديدة مقررة الثلاثاء والأربعاء المقبلين.

ميدانياً، أفاد مصدر عسكري لبناني رفيع بأن الجيش الإسرائيلي توغل إلى قرى تقع شمال نهر الليطاني، وأصبح على تخوم مدينة النبطية، فيما أخلى الجيش اللبناني مواقع في قرى وبلدات باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، حفاظاً على سلامة العسكريين في ظل «عدم توازن القوى» واستمرار الهجمات الإسرائيلية التي طالت مراكز أمنية وعسكرية.

في المقابل، وسّع «حزب الله» نطاق نيرانه، إذ دوت صافرات الإنذار في صفد وكرمئيل ونهريا ومناطق في الجليل الغربي والأعلى، للمرة الأولى بهذا الاتساع منذ دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ. وأفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي، بأن الحزب أطلق نحو 30 قذيفة صاروخية باتجاه الشمال السبت، بينها مناطق صفد وكرمئيل ونهريا وميرون.

وأعلنت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تشديد القيود الدفاعية في منطقة الشمال، خصوصاً بلدات خط المواجهة ومناطق ميرون وبار يوحاي وأور هغنوز وصفصوفة ويسود همعاليه وكسرا ساميع وبيت جن وسديه إليعازر. وتشمل الإجراءات تقليص الأنشطة، وتعليق التعليم في بلدات محددة يومي الأحد والاثنين، والسماح لأماكن العمل بالعمل فقط حيث يمكن الوصول إلى مساحة آمنة خلال مهلة الاحتماء. ونقل «تايمز أوف إسرائيل» أن صافرات الإنذار دوت في كرمئيل وبلدات محيطة، بعد تحذير الجيش الإسرائيلي من احتمال زيادة إطلاق الصواريخ من لبنان.

وعلى المستوى السياسي – العسكري الإسرائيلي، يعقد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مشاورات مع وزير الجيش يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، لبحث التصعيد في الشمال وتشديد تعليمات الجبهة الداخلية، في ضوء اتساع هجمات «حزب الله» رداً على تعميق العمليات البرية الإسرائيلية داخل لبنان.

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تصعيد إسرائيلي أوسع في لبنان. فقد أفادت «رويترز» بأن الجيش الإسرائيلي أعلن، في 27 مايو/أيار، منطقة جنوب نهر الزهراني «منطقة قتال»، وطلب من السكان الإخلاء شمالاً، في خطوة عكست توسيعاً كبيراً لنطاق العمليات الإسرائيلية. كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن الجيش الإسرائيلي نفذ ضربات على مواقع قال إنها تابعة لـ«حزب الله»، بينما توعد نتنياهو بتكثيف الضربات.

أمنياً، يحمل التصعيد الحالي دلالتين أساسيتين. الأولى أن إسرائيل لم تعد تحصر عملياتها في الشريط الحدودي أو «منطقة عازلة» ضيقة، بل تتحرك باتجاه فرض عمق أمني أكبر جنوب لبنان، قد يتجاوز عملياً معادلة الانسحاب التقليدية إلى ما وراء الليطاني. والثانية أن «حزب الله» يحاول الرد على هذا التوسع بتوسيع بنك الأهداف داخل الشمال الإسرائيلي، لا سيما في مدن وبلدات لم تكن ضمن نمط القصف اليومي خلال الأسابيع الماضية.

وتشير طبيعة القيود التي فرضتها الجبهة الداخلية الإسرائيلية إلى أن المؤسسة العسكرية تتوقع استمرار تبادل الضربات خلال الساعات المقبلة، وربما اتساعه. فتعليق التعليم وتقليص الأنشطة المدنية لا يُتخذ عادة إلا عندما تتقدّر الأجهزة الأمنية وجود تهديد صاروخي أو مسيّر مستمر، خصوصاً في مناطق قريبة من منشآت حساسة أو قواعد مراقبة مثل محيط ميرون.

أما دبلوماسياً، فإن فشل جولة البنتاغون في تحقيق اختراق يعكس اتساع الفجوة بين السقف اللبناني، القائم على وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي، والسقف الإسرائيلي، القائم على الاحتفاظ بمناطق سيطرة وضمانات أمنية تتعلق بقدرات «حزب الله» الصاروخية والمسيّرة. وبحسب «سكاي نيوز عربية»، كان الجانب اللبناني قد شدد قبل الاجتماع على أن البحث سيكون تقنياً، وأن أي ملفات لا تتصل بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف إطلاق النار «غير قابلة للبحث».

وتبقى خطورة المشهد في أن الجبهة الشمالية تتحرك على مسارين متوازيين: مسار تفاوضي بطيء في واشنطن، ومسار ميداني سريع على الأرض. وبينما تبدو المحادثات عاجزة عن إنتاج تفاهمات فورية، تعمل الوقائع العسكرية على إعادة رسم حدود السيطرة والردع، ما يرفع احتمال انزلاق الجبهة إلى مواجهة أوسع إذا لم تنجح الوساطة الأميركية في تثبيت خطوط اشتباك جديدة.

خلاصة أمنية:
التصعيد لم يعد مجرد تبادل نيران محدود على الحدود، بل بات صراعاً على عمق السيطرة جنوب لبنان ومعادلة الردع شمال إسرائيل. تعثر مفاوضات البنتاغون، وتقدم القوات الإسرائيلية إلى ما بعد الليطاني، واتساع قصف «حزب الله» نحو صفد وكرمئيل ونهريا، كلها مؤشرات إلى أن وقف إطلاق النار دخل مرحلة تآكل خطيرة، قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة إذا فشلت الجولة التفاوضية المقبلة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - وكالات