نفت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة موافقتها على أي صيغة تؤدي إلى تقسيم القطاع إلى مناطق شرقية وغربية، مؤكدة أن مهامها وصلاحياتها تشمل جميع مناطق غزة، لا مناطق محددة أو خاضعة لترتيبات أمنية منفصلة. وجاء موقف اللجنة في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكريس واقع جغرافي وإداري جديد داخل القطاع، مع استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة، وتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكدت اللجنة الفلسطينية لإدارة غزة أن صلاحياتها تمتد إلى كامل القطاع بهدف «ضمان توفير حياة كريمة ومستقرة» للفلسطينيين، مجددة رفضها التعامل مع المليشيات المسلحة المتمركزة شرقي القطاع، وداعية إلى الضغط على الأطراف كافة للوصول إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويحمل هذا الموقف بعداً سياسياً واضحاً؛ إذ تسعى اللجنة إلى نفي أي انطباع بأنها تقبل إدارة جزئية لغزة أو العمل ضمن خريطة مقسمة بين غرب مكتظ بالسكان وشرق خاضع لترتيبات أمنية إسرائيلية أو قوى محلية مسلحة. ويشير الموقع الرسمي للجنة إلى أنها هيئة تكنوقراطية انتقالية تتولى تقديم الخدمات العامة اليومية لسكان القطاع، وتعمل تحت إشراف «مجلس السلام» وضمن تفويض قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025.
وتأتي تصريحات اللجنة بالتزامن مع تحرك دبلوماسي جديد تقوده القاهرة. فقد أفادت قناة «الشرق» الفضائية بأن حركة «حماس» تلقت دعوة لعقد محادثات جديدة في القاهرة قبل نهاية الأسبوع الجاري بشأن «مقترح جديد معدّل» لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأن مصر تجري اتصالات مكثفة مع الأطراف المعنية لترتيب استئناف المباحثات. ونقلت «الشرق» عن مصدر مطلع في «حماس» أن الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر، يطرحون أفكاراً ستُعرض على الحركة وإسرائيل لصوغ مقترح قابل للتنفيذ.
ويتركز الخلاف حول أولوية الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. فـ«حماس» تقول، وفق تصريحات نقلتها «الشرق»، إنها مستعدة لتطبيق اتفاق شرم الشيخ، لكنها تشترط تنفيذ إسرائيل كامل استحقاقات المرحلة الأولى أولاً، بما يشمل وقف الأعمال العسكرية، والانسحاب إلى خلف «الخط الأصفر»، وإدخال المساعدات، وفتح معبر رفح، والسماح بدخول معدات إزالة الركام، وتمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية من تسلم إدارة القطاع. في المقابل، تصر إسرائيل على جعل نزع سلاح «حماس» والفصائل مدخلاً إلزامياً قبل استكمال الانسحابات وترتيبات الإعمار، وهي قضية موضوعة أساساً ضمن المرحلة الثانية من خطة غزة.
وتصاعدت المخاوف من التقسيم بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه وجّه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع السيطرة داخل غزة إلى 70 في المئة من مساحة القطاع، بعدما كانت إسرائيل تقول إنها تسيطر على نحو 60 في المئة. وذكرت «رويترز» أن هذا التوجه يتجاوز عملياً «الخط الأصفر» الذي كان يفترض أن يحدد مناطق السيطرة الإسرائيلية في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار.
وفي هذا السياق، يبدو نفي اللجنة قبول تقسيم غزة محاولة لقطع الطريق على أي توظيف سياسي لدورها بوصفها إدارة مدنية في جزء من القطاع فقط. فالمسألة لم تعد إدارية بحتة، بل ترتبط بسؤال أوسع: هل ستكون اللجنة أداة لتوحيد الإدارة المدنية تحت مظلة فلسطينية انتقالية، أم ستُدفع إلى العمل داخل واقع أمني مجزأ تفرضه إسرائيل ميدانياً؟
ويعزز هذا القلق أن تقارير سابقة تحدثت عن خطر تقسيم القطاع إلى منطقتين شرقية وغربية. وكانت متحدث باسم «فتح» قد حذر من أن إسرائيل تسعى إلى تكريس هذا التقسيم، في ظل سيطرتها حينها على أكثر من نصف مساحة القطاع، بينما اتهمت «فتح» و«حماس» الاحتلال بعرقلة دخول اللجنة الوطنية إلى غزة وبدء عملها.
أما دولياً، فإن قرار مجلس الأمن 2803، الصادر في 17 نوفمبر 2025، أقر إنشاء «مجلس السلام» كهيئة انتقالية، وأجاز تشكيل قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، إلى جانب دعم إعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار. ووفق الأمم المتحدة، فإن القرار نص على إنشاء قوة دولية تعمل تحت قيادة موحدة مقبولة من مجلس السلام، وبالتشاور مع مصر وإسرائيل، لمساعدة المجلس في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار وترتيبات الخطة الشاملة.
غير أن تطبيق هذا الإطار يواجه عقبتين أساسيتين. الأولى ميدانية، تتمثل في استمرار العمليات الإسرائيلية وتوسيع السيطرة على الأرض. والثانية سياسية، تتعلق بالخلاف حول ترتيب الأولويات بين الانسحاب والإعمار والإدارة المدنية من جهة، ونزع السلاح والترتيبات الأمنية من جهة أخرى. وقد تحدث الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف أمام مجلس الأمن عن صعوبات كبيرة تعترض الخطة، واعتبر أن ملف نزع السلاح من أبرز عوائق الانتقال إلى المرحلة الثانية.
وبذلك، يأتي موقف اللجنة الوطنية لإدارة غزة كرسالة سياسية مزدوجة: الأولى للفلسطينيين بأنها لا تقبل إدارة منقوصة أو تقسيماً مقنّعاً للقطاع، والثانية للوسطاء والمجتمع الدولي بأن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب تمكينها في كامل غزة، لا تحويلها إلى غطاء إداري لواقع أمني تفرضه إسرائيل.
وتعكس دعوة اللجنة إلى الضغط للوصول إلى المرحلة الثانية إدراكاً بأن استمرار الجمود سيجعل ترتيبات وقف إطلاق النار عرضة للتآكل. فكلما طال بقاء القوات الإسرائيلية في مناطق واسعة، وتعثر إدخال المساعدات وفتح المعابر وبدء الإعمار، زادت فرص نشوء سلطات أمر واقع ومجموعات مسلحة محلية، وهو ما ترفض اللجنة التعامل معه علناً.
خلاصة سياسية:
نفي اللجنة الوطنية لإدارة غزة قبول تقسيم القطاع ليس بياناً إدارياً فقط، بل موقف سياسي ضد تحويل المرحلة الانتقالية إلى إدارة مجزأة. ومع استئناف الاتصالات المصرية القطرية، يصبح جوهر الأزمة واضحاً: لا يمكن إنجاح لجنة مدنية فلسطينية في غزة من دون ولاية شاملة، وانسحاب واضح، وضمانات تمنع تحول «الخط الأصفر» إلى حدود داخلية دائمة.
