شهدت القدس المحتلة وعدد من محافظات الضفة الغربية، السبت 30 مايو/أيار 2026، موجة جديدة من الانتهاكات الإسرائيلية، شملت إجبار عائلات مقدسية على هدم منازلها ذاتياً، واعتداءات لمستعمرين على بلدات جنوب نابلس وشمال غرب رام الله، إلى جانب اقتحامات واعتقالات في قلقيلية وجنين ورام الله والخليل وبيت لحم.
في القدس، أجبرت بلدية الاحتلال المقدسي نبيل الرموني على هدم منزله ذاتياً في بلدة بيت حنينا. ووفق محافظة القدس، تبلغ مساحة المنزل 90 متراً مربعاً، ويقطنه الرموني مع زوجته وأبنائه السبعة، وجاء قرار الهدم بعد 15 عاماً على بنائه، فيما فُرضت على العائلة مخالفات مالية بقيمة 35 ألف شيقل.
وفي قرية قلنديا شمال القدس، أجبرت سلطات الاحتلال عائلة عوض الله على هدم 7 منازل مأهولة بالسكان في المنطقة الشرقية من القرية، بذريعة البناء دون ترخيص. وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية «وفا» إن العائلة هدمت 6 منازل صباح السبت، بعدما كانت قد هدمت منزلاً سابعاً يوم الجمعة، تجنباً لتكاليف الهدم والغرامات التي تفرضها سلطات الاحتلال في حال نفذت آلياتها العملية.
كما أجبرت سلطات الاحتلال المواطن مجاهد عماد بدران على هدم منزله في حي البستان ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، بحجة البناء دون ترخيص. وبحسب محافظة القدس، تبلغ مساحة المنزل 75 متراً مربعاً، وهو قائم منذ عام 2019، وكان يؤوي بدران وزوجته وأطفاله الثلاثة، فيما بلغت قيمة المخالفات والغرامات المفروضة على العائلة نحو 75 ألف شيقل.
سياسياً، يعكس تزامن هذه العمليات في بيت حنينا وقلنديا وسلوان اتساع سياسة «الهدم الذاتي» التي تضع العائلات الفلسطينية أمام خيارين قاسيين: إما هدم المنزل بأيديها، أو دفع تكاليف باهظة إذا نفذت طواقم الاحتلال الهدم. ويأتي ذلك في سياق أوسع من القيود المفروضة على تراخيص البناء للفلسطينيين في القدس الشرقية، وهي قضية طالما حذرت منها منظمات حقوقية وأممية باعتبارها أحد محركات التهجير القسري. وتشير مراسلة خبراء أمميين منشورة عبر المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أن نحو ثلث المنازل الفلسطينية في القدس الشرقية تفتقر إلى تراخيص بناء، بما يعرّض عشرات الآلاف لخطر الهدم أو النزوح.
وفي شمال الضفة، تركزت الاعتداءات في محافظة نابلس. فقد أصيب 7 مواطنين في قرية مادما جنوب نابلس بالرصاص الحي والاعتداء بالضرب خلال هجوم للمستعمرين، وفق الهلال الأحمر الفلسطيني. وشملت الإصابات مسناً يبلغ 72 عاماً أصيب بالرصاص الحي في القدم، ومواطنين آخرين أصيبوا بالرصاص أو الشظايا أو نتيجة الاعتداء بالضرب، بينما قال رئيس مجلس قروي مادما رامي نصار إن مستعمرين من بؤرة استيطانية جديدة هاجموا رعاة الأغنام وأطلقوا الرصاص الحي.
وفي بلدة بيتا جنوب نابلس، هاجم مستعمرون منازل المواطنين في منطقة بئر فوزا بالحجارة، وحطموا عدداً من المركبات المتوقفة أمام المنازل. كما تحدثت مصادر محلية عن اعتداءات على الطريق الواصل بين بيتا وعورتا، واحتجاز مركبات، واستهداف مواطنين بينهم أطفال بغاز الفلفل.
وفي قصرة جنوب نابلس، أفادت مصادر محلية بإصابة شاب بجروح عقب طعنه بسكين خلال هجوم مستعمرين على منازل المواطنين في منطقة رأس العين، وسط تصدي الأهالي للهجوم. وتندرج هذه الاعتداءات ضمن نمط متكرر في بلدات جنوب نابلس، حيث تتداخل اعتداءات المستعمرين مع تدخلات جيش الاحتلال وإغلاق الطرق ومنع طواقم الإسعاف أو الأهالي من الوصول إلى المصابين في بعض الحالات.
أما في رام الله والبيرة، فاقتحمت قوات الاحتلال قرى وبلدات عدة، بينها عبوين وروابي وعجول وعارورة وسنجل، فيما هاجم مستعمرون أطراف قرية دير أبو مشعل شمال غرب رام الله، واستولوا على مركبة أحد المواطنين ثم دفعوها وأسقطوها عن علو، ما أدى إلى تحطمها.
وفي قلقيلية، اعتقلت قوات الاحتلال 4 مواطنين بعد اقتحام المدينة من مدخلها الشرقي ومداهمة منازل وتفتيشها. وذكرت مصادر محلية أن المعتقلين هم أمين سر حركة «فتح» في إقليم قلقيلية محمود الولويل، وعضو الإقليم محمد نزال، إضافة إلى محمود أبو لبدة، والفتى يامن زياد داود.
وفي جنين، اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة مواطنين من بلدة ميثلون جنوب المحافظة، بعد مداهمة منازلهم وتفتيشها، وفق نادي الأسير في جنين. ونقلت مصادر محلية أن قوة خاصة إسرائيلية اقتحمت البلدة وحاصرت منزلاً، قبل أن تدفع قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة.
وفي الخليل، واصلت قوات الاحتلال فرض حظر التجول على بلدة بيت أمر شمال المحافظة لليوم الثالث على التوالي. وذكر الناشط الإعلامي محمد عوض، وفق وكالة «وفا» الرسمية، أغلقت القوات شوارع رئيسية وفرعية بالمكعبات الإسمنتية والسواتر الترابية، ومنعت إقامة صلاة الجمعة في مساجد البلدة، وأغلقت أكثر من 25 طريقاً فرعياً داخلها.
وتظهر هذه الوقائع مشهداً ميدانياً متصاعداً في الضفة والقدس، يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: هدم المنازل في القدس تحت ذريعة البناء دون ترخيص، وتوسيع اعتداءات المستعمرين على القرى والبلدات، وتكثيف الاقتحامات والاعتقالات والإغلاقات العسكرية. وهذا التداخل بين أدوات بلدية وأمنية واستيطانية يمنح التصعيد طابعاً سياسياً واضحاً، يتجاوز كونه أحداثاً منفصلة أو إجراءات محلية.
قانونياً، تأتي هذه التطورات بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، الذي خلص إلى أن وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعا إلى وقف النشاط الاستيطاني وإجلاء المستوطنين من الأرض المحتلة، وهو موقف رفضته إسرائيل بينما رحبت به القيادة الفلسطينية ومنظمات حقوقية.
ما جرى السبت في القدس والضفة لا يبدو سلسلة حوادث معزولة، بل حلقة جديدة في سياسة ضغط مركبة: هدم ذاتي يضرب الوجود الفلسطيني في القدس، واعتداءات مستعمرين توسع الخوف في القرى، واقتحامات واعتقالات تعيد تشكيل الحياة اليومية تحت السيطرة العسكرية. وفي ظل غياب مساءلة فعلية، تتحول هذه الإجراءات إلى أدوات متراكمة لدفع الفلسطينيين نحو تضييق عمراني واقتصادي وأمني مستمر.
