دخل التصعيد العسكري في جنوب لبنان مرحلة أكثر خطورة، بعد إعلان إسرائيل سيطرتها على قلعة الشقيف الاستراتيجية، وتأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه وجّه الجيش إلى توسيع العملية العسكرية وإحكام السيطرة على مناطق قال إنها كانت خاضعة لحزب الله. ويُعد هذا التطور، وفق تقارير دولية، من أعمق عمليات التوغل الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انتقال المواجهة إلى نمط شبيه بما جرى في قطاع غزة، عبر سياسة القصف المكثف وفرض مناطق عازلة وتهجير واسع للسكان.
وجاءت تصريحات نتنياهو بعد ساعات من إعلان وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس سيطرة قواته على قلعة الشقيف، المعروفة أيضًا بمرتفعات البوفور، واعتبارها جزءًا من “المنطقة الآمنة” التي تسعى إسرائيل إلى تثبيتها داخل جنوب لبنان. وقال نتنياهو إن قواته “عبرت نهر الليطاني” وسيطرت على “مناطق استراتيجية”، متحدثًا عن أن العملية “تحتاج إلى مزيد من الوقت”، ومتعهدًا بتوسيع نطاق السيطرة العسكرية شمالًا.
وتزامن ذلك مع حديث وسائل إعلام إسرائيلية عن دراسة المؤسسة العسكرية زيادة كبيرة في وتيرة الهجمات داخل لبنان، بما في ذلك احتمال استهداف بيروت، فيما ذكرت تقارير عبرية أن نتنياهو يعقد مشاورات أمنية لبحث نطاق العملية وتوقيتها. كما تحدثت القناة 14 الإسرائيلية عن توجه لدى نتنياهو وكاتس للموافقة على ضربات واسعة في أنحاء لبنان، مع احتمال إصدار أوامر إخلاء لمئات آلاف اللبنانيين قبل تنفيذ الهجمات المحتملة.
ميدانيًا، كثّف الجيش الإسرائيلي غاراته على بلدات جنوبية عدة، بينها صور والبابلية وخربة الدوير وميفدون وكفر رمان والزرارية وأنصار ودير الزهراني والمروانية والغندورية وبرج قلاويه وكفرتبنيت والقصيبة، إضافة إلى محيط النبطية الفوقا والشرقية. وأفادت وكالة الأنباء اللبنانية بأن غارات إسرائيلية استهدفت منازل سكنية في بلدة دير الزهراني بينما كان قاطنوها نيامًا، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، مع بقاء عدد من الأشخاص تحت الركام.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ 2 مارس/آذار الماضي حتى 31 مايو/أيار إلى 3412 قتيلًا و10269 جريحًا، بعد تسجيل 41 قتيلًا و140 جريحًا خلال الساعات الـ24 الأخيرة فقط. وتأتي هذه الحصيلة وسط استمرار الغارات والتوغلات، ونزوح أكثر من مليون شخص، وفق المعطيات الرسمية المتداولة.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات ضد أهداف إسرائيلية في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، شملت تجمعات لجنود وآليات في البياضة ويحمر الشقيف والعديسة ودبل والقوزح ودبين ومارون الراس، إضافة إلى استهداف مواقع ومستوطنات بينها شلومي ونهاريا وصفد والكريوت شمال حيفا والمطلة وحانيتا. وبحسب إحصاء نقلته الأناضول استنادًا إلى بيانات الحزب، فقد أعلن حزب الله تنفيذ 19 عملية حتى مساء الأحد، ردًا على الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بإصابة أربعة أشخاص جراء انفجار مسيّرة أُطلقت من لبنان في منطقة بيت هيلل شمال إسرائيل، بينما ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن المسيّرة انفجرت في موقع عسكري. كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن حزب الله أطلق منذ صباح الأحد أكثر من 20 صاروخًا باتجاه الشمال، ودوت صفارات الإنذار أكثر من عشر مرات في بلدات الجليل الأعلى وإصبع الجليل والجليل الأسفل.
سياسيًا، أثار التصعيد ردود فعل عربية ودولية واسعة. فقد طلبت فرنسا عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان، بعد سيطرة إسرائيل على قلعة الشقيف، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن “لا شيء يبرر” توسيع العمليات الإسرائيلية واحتلال مزيد من الأراضي اللبنانية. كما حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن التصعيد الجاري في جنوب لبنان غير مبرر.
وأدانت قطر استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وتوسيع نطاق التوغل البري في جنوبه، داعية المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها، ومؤكدة دعمها لوحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه. كما أدانت مصر التصعيد الإسرائيلي “بأشد العبارات”، واعتبرته انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية وخرقًا للقانون الدولي، محذرة من أن استمرار العمليات قد يقود إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
وفي الداخل اللبناني، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري إنه يضمن التزامًا كاملًا وفوريًا من حزب الله بوقف إطلاق النار إذا أوقفت إسرائيل عملياتها البرية والبحرية والجوية، متسائلًا: “من يلزم إسرائيل بوقف عدوانها؟”. وأكد بري أن الأولوية هي وقف الحرب، على أن تُستكمل بعد ذلك معالجة الملفات السياسية والأمنية ضمن رعاية وضمانات عربية ودولية.
ويقرأ محللون التصعيد الإسرائيلي على أنه محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل أي مفاوضات محتملة، سواء مع لبنان أو في سياق التفاهمات الإقليمية الأوسع المرتبطة بواشنطن وطهران. ويرى محللون أن السيطرة على قلعة الشقيف تمنح إسرائيل “صورة انتصار” تكتيكية، لكنها لا تعني القضاء على قدرات حزب الله الصاروخية أو المسيّرة، خصوصًا أن مراكز ثقله العسكرية موزعة في عمق لبنان، من الجنوب إلى البقاع وبيروت.
وتشير تقديرات إسرائيلية نفسها، نقلتها وسائل إعلام عبرية، إلى أن السيطرة على قلعة الشقيف قد تتحول إلى عبء عملياتي إذا لم تُربط بهدف استراتيجي واضح، لأن تهديد المسيّرات والصواريخ لا ينطلق من نقطة واحدة، بل من مناطق متعددة. ويرى مراقبون أن توسيع السيطرة نحو مرتفعات النبطية وصور ونهر الليطاني لن يؤدي بالضرورة إلى هزيمة حزب الله، بل قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف أطول وأوسع.
ويأتي هذا التصعيد في ظل اتفاق وقف إطلاق نار هش دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان الماضي، ومُدد حتى مطلع يوليو/تموز، وسط اتهامات متبادلة بالخروقات. وتؤكد إسرائيل أنها لن تنسحب من جنوب لبنان طالما بقي ما تصفه بـ“التهديد على الأرض”، بينما يشترط لبنان الانسحاب الإسرائيلي ووقف الهجمات، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يتحول الجنوب إلى منطقة احتلال مفتوحة أو “منطقة أمنية” جديدة على غرار ما كان قائمًا قبل انسحاب إسرائيل عام 2000.
وبينما تواصل إسرائيل الحديث عن “حماية مستوطنات الشمال”، يرد حزب الله بتوسيع نطاق القصف باتجاه الجليل ونهاريا وصفد والكريوت، في محاولة لإبقاء الشمال الإسرائيلي تحت الضغط. وهكذا تبدو المواجهة متجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: إسرائيل تسعى لتثبيت خط ميداني جديد داخل لبنان، وحزب الله يحاول إثبات أن السيطرة على الأرض لا توقف الصواريخ والمسيّرات، فيما يتحرك مجلس الأمن تحت ضغط فرنسي لمنع انزلاق الجنوب إلى حرب أوسع قد تتجاوز حدود لبنان.
