يندرج كتاب "الهوية السردية: دراسات في روايات فاتح عبدالسلام" ضمن اشتغال نقدي يهدف إلى إعادة قراءة التجارب السردية العربية المعاصرة.
ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) دراسات أدبية أنجزها الروائيون والنقاد العراقيون: إبراهيم سبتي، وعلي حسين عبيد، وعباس خلف علي، ضمن مشروع المشغل السردي العراقي الرامي إلى دراسة التجارب السردية العربية التي تركت أثراً واضحاً في المشهد الثقافي المعاصر، وكبداية لمشروعات نقدية أخرى تهدف إلى تسليط الضوء على منجزات السرد العراقي والعربي، وإقامة حوار مستمر بين الإبداع والنقد.
ويأتي هذا الإصدار في إطار محاولة جادة لاستكشاف الخصائص الفنية والفكرية التي تميز أعمال الروائي العراقي فاتح عبدالسلام، أحد أبرز الأصوات السردية العربية خلال العقود الأخيرة، والذي استطاع عبر رواياته ومجموعاته القصصية أن يرسخ بصمته في المشهد الأدبي العربي من خلال اهتمامه بقضايا الإنسان والهوية والمنفى والذاكرة والحرب والاغتراب..
وتوضح مقدمة الكتاب أن المشروع انطلق من رغبة في إعادة قراءة التجارب السردية العراقية المعاصرة واستبطان عناصر تميزها وفرادتها، وأن تجربة فاتح عبدالسلام بدت من أكثر التجارب قدرة على التعبير عن تحولات الإنسان العربي وأسئلته الوجودية العميقة، ولذا وقع الاختيار على عدد من أعماله الروائية والقصصية لتكون موضوعاً للدراس الأدبي والتحليل النقدي.
ويتناول الكتاب الواقع في نحو مائة وعشرين صفحة أربع تجارب سردية للكاتب توزعت مهمة القراءة النقدية لها بين المؤلفين الثلاثة، حيث تناول كل منهم جانباً من هذه الأعمال وفق رؤية نقدية تستند إلى مفاهيم السرد الحديث ونظريات الهوية والتمثيل والذاكرة، واندرجت هذه الدراسات تحت العناوين التالية: "نوستالجيا المنافي والاغتراب وأثرها في الانتماء في رواية (الطوفان الثاني) أنموذجاً" لعباس خلف علي، و"الإيحاء والترميز في لغة القص: قراءة في قصص (عين لندن) و(قطارات تصعد نحو السماء)" لعلي حسين عبيد، و"سحر التراث وتوهج الذاكرة في رواية (عندما يسخن ظهر الحوت)" لإبراهيم سبتي.
ورأى النقاد المشركون في الكتاب أن مفهوم "الهوية السردية" يشكل المفتاح الأساسي لفهم عالم فاتح عبدالسلام الإبداعي، إذ تتجاوز كتابته نقل الأحداث أو توثيق الوقائع إلى بناء عالم إنساني متكامل يطرح أسئلة الوجود والانتماء والبحث عن الذات، مؤكدين على أن الكاتب عبد السلام يمتلك قدرة خاصة على التقاط اللحظات الإنسانية المؤثرة وتحويلها إلى مادة سردية ثرية، تجعل القارئ شريكاً في التأمل والتفكير وإعادة النظر في كثير من المسلمات المرتبطة بالهوية والمكان والزمن.
وتبرز في دراسات الكتاب مجموعة من السمات التي تمنح أعمال فاتح عبدالسلام خصوصيتها، ومن بينها العناية باللغة السردية، والقدرة على بناء شخصيات متعددة الأبعاد، وتوظيف الأزمنة المتداخلة، إضافة إلى حضور المكان بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحدث والشخصية معاً، كما يلفت الباحثون إلى أن الكاتب يبتعد عن النماذج السردية التقليدية، ويغامر في استكشاف مسارات جديدة في الحكي، مستفيداً من تقنيات السرد الحديثة وقدرتها على التعامل مع القضايا الإنسانية الكبرى.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة لدراسة رواية "الطوفان الثاني"، حيث يقدم الباحث عباس قراءة تتناول حضور المنفى والاغتراب والحنين في الرواية، مبيناً كيف تتحول شخصيات الرواية إلى مرايا تعكس مأساة الإنسان العراقي في مواجهة الحروب والهجرة والاقتلاع من الجذور، كما تتوقف الدراسة عند مفهوم الهوية السردية من خلال شخصيات الرواية التي تظل مرتبطة بأمكنتها الأولى مهما ابتعدت عنها جغرافياً.
ويكشف الناقد عباس أن هذه الرواية تتعامل مع المنفى بوصفه تجربة وجودية معقدة تضع الإنسان أمام أسئلة الانتماء والذاكرة والمصير، ويتم ذلك من خلال شخصيات حيوية كسالي وكمال.. يرصد الكاتب عبرها تأثير الحروب والنزاعات السياسية على الأفراد، وكيف تستمر آثار تلك الأحداث في تشكيل الوعي والوجدان حتى بعد الوصول إلى أماكن تبدو أكثر أماناً.
أما الناقد عبيد فيرى أن خصوصية فاتح عبد السلام السردية تتجلى في اعتماده لغةً قصصية تقوم على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى بناء الدلالة عبر الرمز والصورة والاستعارة، بحيث يشارك القارئ في اكتشاف المعنى بدلاً من تقديمه جاهزًا.
ويبين عبيد في دراسته أن قصص المجموعتين تستثمر موضوعات المنفى والحرب والاغتراب والحنين الإنساني، لكنها تعالجها من خلال إشارات ورموز وصور فنية مكثفة تمنح النص عمقاً تأويلياً وجمالياً، مشيراً إلى أن العناوين والشخصيات والأحداث تتحول إلى علامات رمزية تحمل دلالات تتجاوز ظاهر الحكاية، وأن الكاتب يزاوج بين الواقعي والمتخيل والغرائبي ليضاعف أثر السرد، مع المحافظة على لغة سردية خاصة تتسم بالكثافة الشعرية والقدرة على إثارة الألم الإنساني والدهشة، مؤكداً أن الإيحاء والترميز يمثلان ركيزة أساسية في هوية فاتح عبد السلام السردية، إذ يمنحان قصصه فرادتها الفنية ويجعلان القارئ شريكاً في إنتاج المعنى واكتشاف طبقات النص العميقة.
أما سبتي فركز على الكيفية التي وظف بها فاتح عبد السلام التراث وتعامل معه بوصفه عنصراً فاعلاً في بناء الرواية، إذ يمتزج التراث الشعبي والأسطوري والتاريخي بذاكرة الشخصيات ليشكّل هوية السرد ويمنحه عمقاً إنسانياً وثقافياً، موضحاً أن الرواية تستحضر الماضي بوصفه قوة حية تؤثر في الحاضر، حيث تتداخل الذكريات الفردية والجماعية مع أحداث المنفى والاقتلاع والبحث عن الانتماء، فتغدو الذاكرة وسيلة لمقاومة النسيان والحفاظ على الهوية.
ويشير الباحث سبتي إلى أن الكاتب يوظف الرموز التراثية والحكايات والموروث الثقافي ضمن بناء فني حديث، مما يخلق توازناً ما بين الواقعي والمتخيل، ويمنح النص أبعاداً دلالية وجمالية متعددة، مبيناً أن نجاح هذه الرواية تمثل في قدرتها على تحويل التراث إلى طاقة سردية متجددة، تجعل الذاكرة فضاءً لاستعادة الذات والبحث عن المعنى في عالم سريع التغير.
