بقلم: زينة شعت
شاشة الهاتف تبصق رقماً بارداً: "السيطرة على 70% من القطاع".
خبرٌ رتيب ينضم إلى أرشيف البلادة العالمي؛ مساحاتٌ تُقضم من لحم الخريطة، وحدودٌ عبثية تُرسم بالسكين فوق أجسادنا المثقوبة بالانتظار.
أغلقتُ الشاشة.
وفي عتمة خيمتي المهترئة، نهشني عطرٌ جارح شقّ جدار الغبار الخانق؛ إنها ياسمينتي التي تركناها عند باب الدار يوم قُذفنا إلى هذا العراء.
وسط الصمت المسلّح، سمعتُ حفيفها يأتيني من فوق الركام، أنيناً مخذولاً يداعب حافة العدم:
"منذ رحيلكم يا زينة، وأنا أتعلم كيف أموت واقفة. تعرّت أغصاني، لكنني رفضتُ الانحناء للريح؛ فكيف أسقط وأنا العرق الحي الوحيد الذي يحرس ضحكاتكم؟ نحن نقتسم فجيعة واحدة؛ أنا أتلوى عطشاً فوق ترابي، وأنتم تذبلون شوقاً في منافيكم.. كلانا يصارع الموت في ممرات الانتظار؛ أنا بانتظار قطرة ماء من كفّكِ، وأنتم بانتظار التفاتة من وطن."
شقّ السماء انفجارٌ همجي، فاهتزت الخيمة كمركب مخروق لتعيدني إلى واقعي القذر؛ طابور الماء والأرقام الباردة.
لكنني ابتسمتُ بسخرية؛ لم تعد تهمني رياضياتهم ولا نسبهم المئوية للاحتلال. ما دام البيت حياً في خلايا الذاكرة، فلن تلغي حكايته جنازير الدبابات. الياسمينة الجافة هناك تحرس غيابنا، وتلقنني درساً أخيراً في التمرد:
لا بد أن تتقيأ الأرض الغرباء يوماً
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
