النزوح ليس رحلة... هو وطن مؤقت بلا نهاية

بقلم: أكرم أبو شرخ

أكرم أبو شرخ.jpg

بقلم: أكرم أبو شرخ

في المعاجم، الرحلة هي: "الانتقال من مكان إلى آخر بقصد العودة أو الاستقرار". لها بداية، ولها نهاية، ولها حقيبة تُغلق.
أما النزوح فلا تكفيه المعاجم تعريفاً. النزوح هو أن تُقتلع من جذورك، ثم يُطلب منك أن تنمو في الهواء.
جغرافيا بلا عنوان ثابت
تحولت الخيمة إلى رقم، والممر الرملي إلى "شارع"، وصارت لنا عناوين نكتبها على أكياس المساعدات: "المربع 4، قرب المستوصف، خيمة رقم 17".
في هذا الوطن المؤقت، لا تتسع الجدران للأحلام. أربعة أمتار مربعة من القماش تحاول أن تحتوي عمراً كاملاً: سريراً، ومطبخاً، ومدرسة، وغرفة ضيوف، ومكاناً للبكاء ليلاً. نعلق صورة على النايلون ونسميها "ذكرى"، ونزرع نعناعاً في علبة فول ونسميها "حديقة".
نحن لا نبني، نحن نرتب الانتظار.
زمنٌ معلّق لا ينتهي. فالفرق الجوهري بين الرحلة والنزوح هو الزمن. في الرحلة تُعدّ الساعات للوصول، وفي النزوح تُعدّ الأيام حتى لا تنسى.
يسرق النزوح عمرك بالتقسيط. أسبوع، فتقول: "بسيطة". وشهر، فتقول: "بنصبر". وسنة، فيكبر الطفل ولا يتذكر إلا صوت المطر على السقف البلاستيكي. يضيع عام دراسي، ثم عيد، ثم جنازة لم تستطع أن تحضرها في بيتك.
يصبح "المؤقت" هو الدائم، وتصبح كلمة "قريباً" أطول كلمة في قاموسنا.
الإنسان بين قوسين
النازح يعيش في حالة "بين": بين الكرامة والحاجة، وبين الصمت حتى لا يثقل على أحد، والصراخ الذي لا يسمعه أحد، وبين أن يقول: "أنا بخير"، وأن ينهار.
يُطلب منا "التأقلم"، وكأن التأقلم مع انعدام الخصوصية بطولة، وكأن الصمود يعني أن نبتسم للكاميرا ونحن نغلي من الداخل.
لكننا نقاوم بطريقتنا. نُدرّس على ضوء البطارية، ونخبز على البابور، ونحتفل في مترين، ونسمي المواليد بأسماء الشوارع التي هُدّمت.
لماذا نزرع الأمل في أرض لا نملكها؟
لأن البديل هو الموت المعنوي. لأن من أخرجنا يريد أن يرانا ننسى، ويريد جيلاً بلا ذاكرة. فنزرع، حتى لو في كيس. ونعلم، حتى لو على باب خزانة. ونحكي، حتى للأطفال الذين لم يروا البيت.
نزرع الأمل ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل فعلاً من أفعال المقاومة، وإعلاناً بأننا لم نستسلم بعد، وأن "المؤقت" لن يصبح مصيراً.
من يملك حق النهاية؟
النزوح ليس رحلة، لأن الرحلات تنتهي. النزوح قوس مفتوح، وجملة بلا نقطة.
لكن التاريخ لا يكذب. لا خيمة دامت، ولا شعب كُتب عليه أن يموت ما دام متمسكاً بحقه. فالشعوب التي ترفض أن تتحول إلى رقم في إحصائية، هي التي تعود ذات يوم لتكتب على جدار بيتها: "عدنا".
وحتى ذلك اليوم، سنظل نعيش: بالخبز، وبالكتاب، وبالاسم، وبالحكاية. لأننا لسنا مؤقتين، حتى لو كان وطننا مؤقتاً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت