جنرالات إسرائيل يحذّرون ترامب: نتنياهو يدفع الضفة نحو انفجار قد يخدم بقاءه في الحكم
تصاعدت التحذيرات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية من انفجار شامل في الضفة الغربية المحتلة، وسط اتهامات لحكومة بنيامين نتنياهو بإطلاق يد المستوطنين وتوسيع الاستيطان، بما يهدد بإشعال مواجهة واسعة يرى منتقدوه أنها قد تُستخدم لإبقاء حالة الطوارئ وتوظيفها في معركته السياسية والانتخابية.
ووجّه نحو 600 من كبار المسؤولين السابقين في الجيش الإسرائيلي والموساد والشاباك والشرطة والسلك الدبلوماسي رسالة عاجلة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبيل لقائه نتنياهو في واشنطن، طالبوه فيها باستخدام نفوذه للضغط على الحكومة الإسرائيلية ووقف ما وصفوه بـ«إرهاب المستوطنين» في الضفة الغربية.
وحذرت الرسالة، التي أصدرتها مجموعة «قادة من أجل أمن إسرائيل»، من أن استمرار اعتداءات المستوطنين، بالتزامن مع إضعاف السلطة الفلسطينية، قد يقود إلى انفجار إقليمي يهدد الأمن الإسرائيلي والمصالح الأميركية والاستقرار في المنطقة، ويقوّض الخطط الأميركية المتعلقة بغزة وتوسيع الاتفاقات الإقليمية.
ويرى مسؤولون وجنرالات سابقون أن حكومة نتنياهو لا تتعامل مع اعتداءات المستوطنين بوصفها خطرًا أمنيًا يجب وقفه، بل توفر لبعض منفذيها غطاءً سياسيًا وقانونيًا، في ظل محدودية التحقيقات والمساءلة واستمرار إقامة البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
ويذهب منتقدو نتنياهو إلى أن إشعال الضفة قد يخدمه سياسيًا، عبر إبقاء إسرائيل في حالة طوارئ أمنية، وإعادة توحيد قوى اليمين حوله، وتحويل النقاش العام بعيدًا عن إخفاقات حكومته وأزماتها الداخلية.
وبحسب تقارير عبرية، فإن القيود الأميركية على توسيع العمليات الإسرائيلية في إيران ولبنان وسورية وغزة تجعل الضفة الغربية الساحة الأكثر قابلية للتصعيد، خصوصًا في ظل النفوذ الواسع الذي يتمتع به وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير في الملفات المتعلقة بالاستيطان والشرطة وإدارة الأراضي المحتلة.
«يلعبون بالنار»
وتزامنت رسالة المسؤولين السابقين مع انتقادات حادة في الصحافة الإسرائيلية. ونشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالًا للمراسل العسكري يوسي يهوشع بعنوان «يلعبون بالنار»، حذّر فيه من دائرة متصاعدة تبدأ باعتداءات المستوطنين وردود الفلسطينيين، ثم تدخل الجيش لحماية المستوطنات، بما يوسع المواجهة ويجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.
وأشار المقال إلى أن إقامة كل مستوطنة أو بؤرة جديدة لا تمثل نقطة إضافية على الخريطة فحسب، بل تفرض على الجيش حماية طرق ومواقع جديدة، وتخلق مزيدًا من نقاط الاحتكاك والمهام الأمنية، في وقت تواجه فيه القوات الإسرائيلية نقصًا في الأفراد وتنتشر على عدة جبهات.
وكشفت بيانات إسرائيلية نقلها المقال تسجيل 660 اعتداءً مصنفًا إسرائيليًا ضمن «الجرائم القومية اليهودية» خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 405 اعتداءات في النصف الثاني من عام 2025، بزيادة بلغت 63%.
كما أسفرت هذه الاعتداءات، وفق البيانات ذاتها، عن مقتل ستة فلسطينيين وإصابة 140 آخرين خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ82 إصابة من دون قتلى في الأشهر الستة السابقة، إلى جانب تسجيل 45 اعتداءً متعمدًا نفذه متطرفون إسرائيليون ضد جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود.
ولفت يهوشع إلى مفارقة أمنية تتمثل في تراجع العمليات الفلسطينية مقابل تصاعد اعتداءات المستوطنين، محذرًا من أن هذا المسار قد يولد دائرة انتقام ويشعل الضفة من الداخل.
أحداث بلدة تل ترفع مستوى التحذيرات
وتصاعدت المخاوف عقب المواجهات الدامية في بلدة تل قرب نابلس، التي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، وأعقبتها حملة اقتحامات واعتقالات وإغلاقات عسكرية واسعة في شمال الضفة. حسب تقارير عبرية
وقال سكان وشهود إن المواجهة بدأت مع دخول مستوطنين مسلحين إلى البلدة، فيما أظهرت مقاطع مصورة وجود المستوطنين والقوات الإسرائيلية في المنطقة قبل اتساع الاشتباكات. وفي أعقاب الحادث، تعرضت قرى فلسطينية أخرى لهجمات شملت إحراق ممتلكات ودور عبادة والاعتداء على السكان.
ورغم إسهام الجيش في تأجيج المواجهات عبر توفير الحماية للمستوطنين، يرى منتقدون إسرائيليون أن الحكومة تتحمل المسؤولية الأساسية عن خلق البيئة السياسية والميدانية التي تسمح بتوسع الاعتداءات.
ويحذر هؤلاء من أن التوسع غير المسبوق في البؤر والمزارع الاستيطانية يضاعف المساحات التي يطالب الجيش بحمايتها، ويضع القوات في مواجهة مستمرة مع السكان الفلسطينيين دفاعًا عن مشاريع ذات دوافع أيديولوجية وسياسية.
خشية من «انتفاضة تصنعها الحكومة»
وتدور التحذيرات الإسرائيلية حول احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة تختلف عن سابقتيها، لأنها لن تكون نتيجة قرار فلسطيني منظم، بل حصيلة تراكمية لعمليات القتل والاقتحام والاستيطان والتهجير وإغلاق الطرق وتصاعد اعتداءات المستوطنين.
ويعتقد المنتقدون أن وزراء اليمين المتطرف يسعون إلى دفع الفلسطينيين نحو رد واسع، يتيح للحكومة تقديم ما يجري بوصفه «حربًا أمنية»، وتوسيع العمليات العسكرية وفرض مزيد من الوقائع الاستيطانية والضم الفعلي على الأرض.
إلا أن مسؤولين عسكريين سابقين شددوا على أن الجيش لا يستطيع التنصل من مسؤوليته القانونية والأمنية، باعتباره القوة المسيطرة على الضفة، وأن واجبه لا يقتصر على حماية المستوطنين، بل يشمل حماية جميع السكان ومنع الاعتداءات عليهم.
ضغط على ترامب للجم حكومة نتنياهو
وجاء توجيه الرسالة إلى ترامب في ظل اعتقاد موقعيها بأن الحكومة الإسرائيلية لن تغيّر سياستها من تلقاء نفسها، وأن الضغط الأميركي المباشر بات ضروريًا لمنع مزيد من التدهور.
وأكدت مجموعة «قادة من أجل أمن إسرائيل» أن وقف اعتداءات المستوطنين لا يمثل مطلبًا إنسانيًا أو قانونيًا فحسب، بل ضرورة لحماية أمن إسرائيل والمصالح الأميركية، محذرة من أن انفجار الضفة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها إلى غزة والأردن والمنطقة بأكملها.
وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع الانقسام داخل إسرائيل بين حكومة تدفع نحو تعميق الاستيطان والسيطرة على الضفة، ومسؤولين أمنيين سابقين يرون أن هذه السياسة تقود إلى كارثة، وتحوّل المستوطنين من عبء أمني إلى قوة قادرة على فرض أجندتها على الجيش والدولة.
وبينما يلتقي نتنياهو ترامب في واشنطن لمناقشة الملفات الإقليمية، تفرض الضفة الغربية نفسها بوصفها جبهة قابلة للاشتعال في أي لحظة، وسط سؤال متزايد داخل إسرائيل وخارجها: هل تسعى الحكومة إلى منع الانفجار، أم ترى فيه فرصة سياسية جديدة لبقاء نتنياهو في الحكم؟
