مرونة في ملفي الموظفين والسلاح، وتنسيق مصري–فلسطيني مكثف يعزز فرص الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة
تتجه الأنظار الفلسطينية والإقليمية إلى العاصمة المصرية القاهرة، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب التوصل إلى تفاهم شامل بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعد تقدم ملموس في معالجة أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، وفي مقدمتها مستقبل السلاح، وأوضاع الموظفين العموميين، وآليات انتقال إدارة القطاع إلى لجنة وطنية تحظى بتوافق فلسطيني وعربي ودولي.
وجاءت هذه الأجواء المتفائلة بالتزامن مع كشف مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات أن حركة «حماس» وفصائل فلسطينية وافقت على الصياغة التي جرى التوصل إليها مع الوسطاء بشأن خطة المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، والمتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق. ومع ذلك، لا تزال هذه المعطيات في إطار ما نقلته مصادر مطلعة، ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي نهائي يتضمن توقيع الاتفاق أو تحديد جدول زمني ملزم لتنفيذه.
وكان وفد حركة «حماس» قد توجه، الثلاثاء 28 يوليو/تموز 2026، إلى القاهرة لإجراء لقاءات مع المسؤولين المصريين والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الفصائل والقوى الفلسطينية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الالتزامات التي جرى الاتفاق عليها سابقاً، وفتح الطريق أمام المرحلة الثانية.
المشهراوي: خطوات قصيرة تفصلنا عن الاتفاق
وفي هذا السياق، أكد سمير المشهراوي، نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة «فتح»، أن الشعب الفلسطيني يتطلع إلى فرحة طال انتظارها، تنهي حالة العدوان والانقسام، وتفتح أمام قطاع غزة طريقاً جديداً نحو التعافي والاستقرار واستعادة الحياة.
وقال المشهراوي، في لقاء مع قناة «الغد»، إن الوفد القيادي لحركة «حماس» جاء إلى مفاوضات القاهرة بإرادة جادة وعزيمة واضحة لإتمام الاتفاق، ووضع الملفات العالقة في نصابها الصحيح، مشيراً إلى أن ما يلمسه من أجواء المحادثات يؤكد أن هذه الجولة تختلف عن جولات سابقة تعثرت بفعل الخلافات السياسية أو غياب الضمانات الكافية.
وحمّل المشهراوي الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن أسباب التأخير والمماطلة منذ توقيع اتفاق شرم الشيخ، متهماً إسرائيل بمواصلة التصعيد والخروق والاعتداءات في قطاع غزة والضفة الغربية، والسعي إلى تعطيل الانتقال المنظم إلى المرحلة الثانية.
ورأى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية لا يلغي المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتق القوى الفلسطينية، موضحاً أن قيادة «حماس» تدرك ضرورة اتخاذ قرارات شجاعة ومرنة تسحب الذرائع من يد الاحتلال، وتمنعه من استخدام الملفات الخلافية مبرراً للتنصل من التزاماته أمام الوسطاء والمجتمع الدولي.
وقال المشهراوي إن الفلسطينيين باتوا أمام فرصة ينبغي عدم إضاعتها، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تبقى لوقف نزيف الدم وحماية السكان وفتح المعابر وإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار، لا للتمسك بصيغ جامدة يمكن أن تمنح إسرائيل فرصة جديدة لتعطيل الاتفاق.
ضمانات واتصالات رفعت فرص النجاح
وبحسب المشهراوي، فإن ما يميز الجولة الحالية هو دخول عوامل وضمانات سياسية جديدة على خط المفاوضات، إلى جانب مستوى غير مسبوق من التنسيق بين الأطراف الفلسطينية والوسطاء الإقليميين والدوليين.
وأشار إلى تدخل مباشر من القيادي الفلسطيني محمد دحلان، عبر اتصالات وتنسيق مع مسؤولين أميركيين، بالتوازي مع مشاورات مكثفة ومتواصلة مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، بهدف تقريب وجهات النظر وتذليل العقبات التي حالت سابقاً دون التوصل إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ.
وأكد أن مشاركة الفصائل الفلسطينية في مناقشة البنود وصياغة التعديلات منحت التفاهمات بعداً وطنياً أوسع، وحالت دون اختزال الاتفاق في تفاهم ثنائي لا يحظى بتغطية فلسطينية جامعة.
وكانت القاهرة قد استضافت خلال الأشهر الماضية اجتماعات موسعة للفصائل الفلسطينية برعاية المخابرات المصرية، وبمشاركة أطراف قطرية وتركية، لبحث استكمال وقف إطلاق النار وبناء موقف فلسطيني موحد بشأن إدارة غزة والترتيبات الأمنية والإنسانية.
ويرى المشهراوي أن الاتصالات الثنائية والمتعددة الأطراف أسهمت في حلحلة عدد كبير من النقاط الخلافية، ونقلت المباحثات من مرحلة تبادل المواقف والتحفظات إلى مرحلة البحث في آليات التنفيذ وضماناته.
إنجاز غالبية بنود الخطة
وأوضح المشهراوي أن معظم بنود الخطة المكونة من 15 نقطة أُنجزت، بينما تمركز الخلاف خلال الجولات الأخيرة حول البندين الخامس والثامن، المتعلقين بأوضاع الموظفين ومستقبل السلاح.
وبحسب ما نشرته «العربي الجديد»، كانت الفصائل الفلسطينية قد توافقت على 13 بنداً من أصل 15، فيما احتاج البندان المتبقيان إلى تعديلات قانونية وفنية تضمن حقوق الموظفين، وتربط معالجة ملف السلاح بتنفيذ إسرائيل التزاماتها المتعلقة بالانسحاب ووقف الاعتداءات ودخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار.
وتفيد المعطيات الأحدث بأن تعديلات أُدخلت على البندين، قبل الوصول إلى صياغة حظيت بقبول الفصائل والوسطاء، وأصبحت جاهزة للانتقال إلى المراحل السياسية التالية، وفي مقدمتها عرض التفاهمات على الجانب الإسرائيلي وضمان التزامه بها.
الموظفون: حماية الحقوق واستمرار المؤسسات
يتعلق البند الخامس باستمرارية الوظائف المدنية والإدارية الأساسية في قطاع غزة، والمحافظة على السجلات والهيئات العامة عند انتقال المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع.
وتنص الصياغة المتداولة على التعامل مع الموظفين العموميين بصورة قانونية وعادلة، وبما يحفظ كرامتهم وحقوقهم، مع تحديد المسؤوليات المالية التي ستتحملها اللجنة الوطنية اعتباراً من تاريخ تسلمها الإدارة.
وتحظى هذه المسألة بأهمية اجتماعية وإدارية كبيرة، نظراً إلى ارتباطها بمصير آلاف العائلات، وباستمرارية قطاعات الصحة والتعليم والخدمات البلدية والإغاثية. كما أن التوصل إلى معالجة قانونية متوازنة لملف الموظفين يمثل شرطاً أساسياً لمنع حدوث فراغ إداري أو تعطيل للمؤسسات خلال مرحلة انتقال السلطة.
وتشير طبيعة التعديلات إلى أن النقاش لم يعد يدور حول إقصاء الموظفين أو تفكيك الجهاز الإداري القائم بصورة فورية، بل حول إيجاد مسار قانوني تدريجي يضمن استمرارية المرافق العامة، ويمنح اللجنة الوطنية القدرة على مراجعة الهياكل الإدارية من دون المساس التعسفي بحقوق العاملين.
السلاح: صيغة فلسطينية مرتبطة بالانسحاب
أما البند الثامن، فيتناول حصر الأسلحة الثقيلة ومستودعاتها والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري، ضمن عملية يجري تنفيذها بعد استكمال الالتزامات المتبقية من اتفاق شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية إلى غزة، ونشر قوة الاستقرار الدولية.
وتعني هذه الصياغة أن ملف السلاح، وفق التصور المتداول، لن يُعالج بوصفه إجراءً منفرداً أو سابقاً على بقية الالتزامات، بل ضمن عملية متزامنة ومتبادلة تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت وقف إطلاق النار، وبدء الإعمار، وتولي جهة فلسطينية متوافق عليها إدارة القطاع.
وسبق أن طرحت الوساطة المصرية مقاربة تربط الجدول الزمني لحصر وجمع السلاح بمراحل تنفيذ إسرائيل التزامات موازية، ولا سيما الانسحاب والإعمار، في محاولة لمنع تحول هذا الملف إلى مطلب أحادي الجانب لا يقابله التزام إسرائيلي واضح.
وقال المشهراوي إن «السلاح ليس مقدساً، والمقدس الوحيد هو الدم الفلسطيني»، مشدداً على أن المقترحات التي قدمتها «حماس» تتضمن صيغة تقضي بوضع السلاح لدى جهة فلسطينية، لا تسليمه إلى إسرائيل.
وأضاف أن مرونة الحركة في هذا الملف يمكن أن تؤسس لمعادلة وطنية جديدة، تحمي الفلسطينيين من استئناف الحرب، وتحافظ في الوقت نفسه على أن تكون معالجة القضايا الأمنية والسيادية داخل إطار فلسطيني وبضمانات واضحة.
ووفق مصادر تحدثت إلى وسائل إعلام عربية، شهد ملفا السلاح والموظفين تقدماً خلال المشاورات الأخيرة، إلا أن تحويل الصيغ الفنية إلى اتفاق نافذ يبقى مرتبطاً بالموقف الإسرائيلي وبموافقة الأطراف الراعية على تسلسل التنفيذ وضماناته.
لجنة وطنية لقيادة المرحلة الانتقالية
وفي حال توقيع الاتفاق، يتوقع أن تبدأ مرحلة جديدة تتضمن إعداد ملاحق وآليات تفصيلية للتنفيذ، وتسليم إدارة قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية برئاسة علي شعث، وهي لجنة تحظى، وفق الصيغة المطروحة، بتوافق الفصائل والسلطة الفلسطينية والدول العربية والأطراف الدولية.
وستكون اللجنة أمام مهمة شديدة التعقيد، تبدأ بإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات الأساسية، وتنظيم عملية انتقال الإدارة، وإعادة بناء الأجهزة المدنية، والتعامل مع أوضاع الموظفين، وفتح قنوات التنسيق اللازمة لإدخال المساعدات ومواد الإعمار.
وتشير تقارير إلى أن إسرائيل ما زالت تمنع أعضاء اللجنة من دخول قطاع غزة، وهو ما يجعل ضمان حرية عملها وانتقالها إلى القطاع اختباراً مبكراً لجدية الجانب الإسرائيلي في تنفيذ المرحلة الثانية.
وكانت حركة «حماس» قد أعلنت في مناسبات سابقة استعدادها لتسهيل انتقال المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية، كما شهد قطاع غزة خطوات تمهيدية لإعادة ترتيب البنية الحكومية والإدارية استعداداً لعملية التسليم والتسلم.
ومن شأن نجاح اللجنة في تولي مهامها أن يفتح المجال أمام صيغة إدارة فلسطينية انتقالية، ويمنع تكريس الانفصال السياسي والإداري بين قطاع غزة والضفة الغربية، ويوفر أرضية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس أكثر شمولاً.
إعادة الإعمار: الانتقال من الشعارات إلى خطة قابلة للتطبيق
وفي ملف إعادة إعمار القطاع، دعا المشهراوي إلى ترك التفاصيل الفنية والهندسية والمالية لأهل الاختصاص، محذراً من الاكتفاء بالشعارات الإعلامية أو الإعلان عن أرقام وخطط لا تستند إلى مصادر تمويل حقيقية وآليات تنفيذ قابلة للقياس.
وشدد على أن إعادة الإعمار تحتاج إلى رصد أموال فعلية، وإنشاء إطار مالي وإداري شفاف، وتنسيق دولي واسع يحدد الأولويات، بدءاً من إزالة الركام وإعادة تأهيل المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، وصولاً إلى بناء المنازل والمدارس والمنشآت الاقتصادية.
كما تتطلب مرحلة التعافي المبكر، بحسب المشهراوي، ضمان تدفق المساعدات ومواد البناء من دون عراقيل إسرائيلية، وتوفير الحماية للفرق المدنية والهندسية، ومنع استخدام المعابر والمساعدات الإنسانية وسيلة للضغط السياسي.
وتشير خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي شكّلت أساس اتفاق شرم الشيخ إلى إنشاء ترتيبات دولية انتقالية، وتشكيل لجنة لإدارة غزة، ونشر قوة مؤقتة لتحقيق الاستقرار، إلى جانب إطلاق مسار لإعادة إعمار القطاع. غير أن اتفاق المرحلة الأولى لم يحسم بصورة نهائية القضايا المتعلقة بالانسحاب الكامل والسلاح والضمانات التي تمنع استئناف الحرب، وهو ما يفسر صعوبة مفاوضات المرحلة الثانية.
السلطة الفلسطينية ومسؤولية استعادة الوحدة
وفي تعليقه على موقف السلطة الفلسطينية، انتقد المشهراوي أداء القيادة الفلسطينية تجاه قطاع غزة، مشككاً في وجود رغبة جدية لديها للقيام بدور حقيقي في إدارة القطاع أو تخفيف معاناة سكانه.
وقال إن السلطة لم تقم، من وجهة نظره، بالحد الأدنى من واجباتها منذ بداية العدوان، واتهمها بمواصلة سياسات اقتطاع حقوق الموظفين واتخاذ قرارات لا تستجيب لحجم الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها المواطنون.
ومع ذلك، فإن أي مسار مستدام لإدارة غزة وإعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية سيحتاج إلى صيغة تربط اللجنة الوطنية بالنظام السياسي الفلسطيني، وتمنع نشوء إدارة منفصلة أو كيان سياسي معزول في القطاع.
وتكمن أهمية التفاهمات المطروحة في أنها لا تتعامل فقط مع وقف إطلاق النار، بل تفتح الباب أمام إعادة طرح سؤال الوحدة الفلسطينية، وإصلاح المؤسسات، وتحديد المرجعية السياسية والأمنية والإدارية التي ستقود مرحلة ما بعد الحرب.
تفاؤل حذر والاختبار في التنفيذ
تعكس التصريحات المتفائلة والتقدم المعلن في البنود الخلافية تحولاً مهماً في مسار المفاوضات؛ إذ انتقل النقاش من الخلاف على المبادئ العامة إلى البحث في صياغات قانونية وجداول زمنية وآليات متزامنة للتنفيذ.
لكن الاتفاق المرتقب سيظل معرضاً للتعثر ما لم يقترن بضمانات تمنع إسرائيل من الانتقائية في تنفيذ البنود، أو فرض شروط إضافية بعد الحصول على التزامات فلسطينية. كما ستبقى ملفات الانسحاب وفتح المعابر وإدخال المساعدات ونشر القوة الدولية وبدء الإعمار مؤشرات عملية لقياس جدية جميع الأطراف.
وتؤكد تجارب المراحل السابقة أن الإعلان السياسي، على أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الحرب، وأن النجاح الحقيقي يتطلب جدولاً زمنياً واضحاً، ومراقبة دولية، وربطاً متوازناً بين الالتزامات الفلسطينية والإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن التوافق الفلسطيني المتقدم، والمرونة التي أبدتها الفصائل، والدور المصري المحوري، والمشاركة القطرية والتركية، والاتصالات مع الأطراف الأميركية والدولية، تضع مفاوضات القاهرة أمام فرصة ربما تكون الأكثر جدية منذ توقيع اتفاق شرم الشيخ.
ويعرب المشهراوي عن تفاؤله بأن تشهد الأيام المقبلة الإعلان عن الاتفاق، مؤكداً أن الهدف الأساسي ليس تحقيق مكسب حزبي أو تسجيل انتصار سياسي لطرف على حساب آخر، بل وقف معاناة الفلسطينيين، وبدء التعافي، والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، والانتقال إلى مسار سياسي يعيد للقضية الفلسطينية حضورها، ويفتح أمام الشعب الفلسطيني أفقاً للأمن والحرية والاستقلال.
وبين التفاؤل المشروع والحذر الذي تفرضه التجارب السابقة، تبدو القاهرة اليوم أقرب إلى صناعة انفراجة سياسية وإنسانية انتظرها الفلسطينيون طويلاً؛ انفراجة يمكن، إذا حُصنت بالضمانات ونُفذت بنزاهة، أن تنقل غزة من مرحلة وقف النار الهش إلى مرحلة التعافي واستعادة الوحدة وبناء المستقبل.
