هل ينجح ترامب في فرض تهدئة غزة قبل انتخابات الكونغرس.. أم يطيح نتنياهو بخارطة الطريق بحثًا عن نصر انتخابي؟

حضر فلسطينيون جنازة 112 فرداً من قبيلتي الحسينة وأبو شريعة، الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية عام 2023. (صورة: محمد صالحة)

تدخل التفاهمات المتعلقة بقطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع الضغوط الأميركية والإقليمية، واقتراب استحقاقات انتخابية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تقديم التهدئة باعتبارها اختراقًا دبلوماسيًا يمكن تسويقه داخليًا قبل انتخابات الكونغرس النصفية، يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكثر ميلًا إلى إبطاء تنفيذ التفاهمات أو إعادة تفسيرها بما يخدم موقعه الانتخابي ويحفظ صورة “الانتصار” أمام جمهوره.

ويكشف الاجتماع الذي جمع نتنياهو بنيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لمجلس السلام، عن عمق الخلاف بشأن آليات تطبيق خارطة الطريق الخاصة بغزة. فبحسب ما جرى تداوله في وسائل الإعلام الإسرائيلية، اتسم الاجتماع بالحدة، خصوصًا بعد مطالبة ملادينوف بوقف سياسة الاغتيالات والهجمات الإسرائيلية على القطاع، وتهيئة الأجواء للانتقال إلى المرحلة التالية من التفاهمات.

وحسب ما يرى الدكتور مخيمر أبوسعدة، أستاذ العلوم السياسية في حديث تلفزيوني رصدته "وكالة قدس نت للأنباء"، لا تبدو المسألة خلافًا تقنيًا حول الجداول الزمنية فحسب، بل صراعًا سياسيًا على ترتيب الالتزامات وتحديد الطرف الذي ينبغي أن يبدأ بالتنفيذ. ففي الوقت الذي تنص فيه التفاهمات، وفق الطرح المتداول، على التزامن بين نزع سلاح الفصائل الفلسطينية والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، تحاول حكومة نتنياهو فرض معادلة مختلفة تقوم على نزع السلاح كاملًا قبل أي انسحاب من المواقع التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

ويقول أبوسعدة إن " هذا التفسير الإسرائيلي يهدد جوهر خارطة الطريق، لأنه يحول الالتزامات المتبادلة والمتزامنة إلى شروط أحادية تتيح لتل أبيب الاحتفاظ بوجودها العسكري، من دون تقديم ضمانات واضحة بشأن الانسحاب أو تنفيذ البروتوكول الإنساني المتعلق بإدخال المساعدات وفتح المعابر ونقل الجرحى والمرضى."

ضغط أميركي لا يخلو من الحسابات الانتخابية

"يدرك ترامب أن نجاحه في وقف الحرب أو تثبيت تهدئة طويلة الأمد في غزة يمكن أن يتحول إلى إنجاز سياسي مهم، خصوصًا في ظل تعثر ملفات دولية أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع إيران، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع تكاليف المعيشة."حسب ما يرى أبوسعدة.

يضيف أبوسعدة " ومن هذا المنطلق، لا تتعامل واشنطن مع تفاهمات غزة باعتبارها ملفًا إنسانيًا وأمنيًا فقط، بل باعتبارها فرصة سياسية يمكن تقديمها إلى الناخب الأميركي بوصفها دليلًا على قدرة الإدارة على إنهاء صراع استنزف المنطقة وألحق أضرارًا متزايدة بصورة إسرائيل والولايات المتحدة."

كما أن موقف الوسطاء، ولا سيما مصر وقطر وتركيا، يعزز الضغوط على الحكومة الإسرائيلية. فالبيانات الصادرة عن هذه الأطراف تشير إلى رغبة واضحة في منع نتنياهو من إعادة فتح باب الحرب أو استخدام العمليات العسكرية والاغتيالات لتعطيل المرحلة الثانية من الاتفاق.

لكن السؤال الأساسي يبقى متعلقًا بمدى استعداد الإدارة الأميركية للانتقال من الضغط السياسي إلى فرض آليات ملزمة. فقد أظهرت التجارب السابقة أن نتنياهو يجيد استغلال الغموض في الاتفاقات، ورفع سقف الشروط، ثم تحميل حركة حماس مسؤولية التعطيل، حتى عندما تكون الخلافات مرتبطة بالتزامات إسرائيلية لم تُنفذ.حسب أبوسعدة


نتنياهو ومعركة “النصر” المؤجل

ووفقا لحديث أبوسعدة : على الجانب الإسرائيلي، يتحرك نتنياهو تحت ضغط انتخابات تقترب سريعًا، واستطلاعات رأي لا تمنحه تفوقًا مضمونًا على معسكر المعارضة. ولذلك فإن أي انسحاب من غزة أو قبول بترتيبات لا تتضمن نزعًا كاملًا وفوريًا لسلاح حماس قد يُستخدم ضده باعتباره تراجعًا عن الوعود التي أطلقها في بداية الحرب بشأن تحقيق “النصر المطلق”.

وتكمن معضلة نتنياهو في أنه لا يستطيع رفض الخطة الأميركية بصورة مباشرة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد تنفيذها بطريقة تمنح ترامب إنجازًا سياسيًا وتحرمه هو من القدرة على الادعاء بأنه فرض شروطه على الفلسطينيين.

لذلك قد يلجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مناورة مركبة: القبول العلني بالإطار الأميركي، مع وضع شروط تنفيذية متشددة، وربط كل خطوة إسرائيلية بإجراءات فلسطينية مسبقة، ثم استخدام أي تأخير أو خلاف ميداني لتبرير استئناف الاغتيالات والهجمات.حسب أبوسعدة

وفي هذا السياق، يصبح وقف الاغتيالات اختبارًا أوليًا لمدى جدية إسرائيل. فإذا التزمت الحكومة الإسرائيلية بوقفها خلال المهلة المحددة، فقد يبدأ مسار نزع السلاح بصورة تدريجية، بدءًا من السلاح الثقيل، مرورًا بتسليم خرائط الأنفاق وإغلاق منشآت التصنيع، وصولًا إلى معالجة ملف السلاح الخفيف في مراحل لاحقة.

أما إذا استمرت العمليات العسكرية، فإنها ستقوض البيئة الأمنية اللازمة للتنفيذ، وتمنح الفصائل مبررًا للقول إن إسرائيل تطالبها بالتخلي عن أدواتها العسكرية من دون أن تقدم في المقابل ضمانات للانسحاب أو وقف الاستهداف.كما ذكر أبوسعدة


الاتفاق أوسع من ملف السلاح

ويقول أبوسعدة، إن اختزال خارطة الطريق في مسألة نزع سلاح حماس يخدم الرواية الإسرائيلية، لكنه لا يعكس كامل عناصرها. "فالتفاهمات تشمل أيضًا دخول لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة، وتسلمها المهام المدنية والأمنية، ونشر قوة استقرار دولية تفصل بين الجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية، إلى جانب تشكيل لجنة رقابة وتحقق لمتابعة التزام الطرفين."

كما ترتبط العملية بتنفيذ إسرائيل التزامات إنسانية وسياسية، من بينها السماح بدخول المساعدات، وفتح المعابر، وتسهيل حركة المرضى والجرحى، والبدء بانسحاب تدريجي من القطاع.

وعليه، فإن نجاح الاتفاق لن يُقاس فقط بعدد الأسلحة التي تُجمع أو المواقع التي تُغلق، بل بقدرته على نقل غزة من حالة الحرب المفتوحة إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار، تضمن عدم عودة العمليات العسكرية وتمنع فرض واقع احتلالي دائم داخل القطاع. كما جاء في حديث أبوسعدة


هل تغير الانتخابات الإسرائيلية المشهد؟

ويرى أبوسعدة، أن التقديرات السياسية تشير إلى أن المعارضة الإسرائيلية قد تكون في موقع أفضل لتشكيل الحكومة المقبلة، خصوصًا إذا لم ينجح نتنياهو في استعادة شعبيته. وقد تسعى حكومة بديلة إلى تحسين علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة وإنهاء عزلتها الدولية، وربما إبداء قدر أكبر من المرونة بشأن دور السلطة الفلسطينية في غزة.

"لكن الرهان على تغيير جذري يظل محدودًا، لأن التحول اليميني داخل المجتمع الإسرائيلي لا يرتبط بنتنياهو وحده. وحتى حكومة يقودها معسكر المعارضة قد تكون أقل تشددًا من الحكومة الحالية، لكنها لن تكون بالضرورة مستعدة لتقديم تسوية سياسية شاملة أو وقف سياسات الاستيطان والضم والضغط العسكري من دون تدخل دولي حقيقي".

ومن هنا، فإن تغيير هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يُحسن فرص التهدئة ويقلل من حدة الخطاب، لكنه لن يكون كافيًا وحده لتغيير المسار ما لم تقترن الضغوط الأميركية والدولية بضمانات وآليات تنفيذ واضحة.

في المحصلة، تقف تفاهمات غزة أمام اختبار إرادتين انتخابيتين متعارضتين: ترامب يريد إنجازًا سريعًا يستطيع تقديمه قبل انتخابات الكونغرس، فيما يريد نتنياهو تجنب أي خطوة قد تظهره متراجعًا قبل الانتخابات الإسرائيلية. وبين الحسابين، يبقى مستقبل التهدئة مرهونًا بقدرة واشنطن والوسطاء على منع إسرائيل من إعادة صياغة الاتفاق وفق شروطها، وربط نزع السلاح بانسحاب تدريجي والتزام إنساني وسياسي متبادل.

فهل يتمكن ترامب من تحويل ضغطه السياسي إلى ضمانات تنفيذية تنهي الحرب، أم ينجح نتنياهو مرة أخرى في استهلاك الوقت وتقويض التفاهمات، ثم إعادة المنطقة إلى دائرة التصعيد؟


وكشفت تقارير عبرية، يوم الثلاثاء 04 أغسطس/آب 2026، عن تعليمات جديدة تقضي بعدم السماح بتنفيذ عمليات اغتيال في قطاع غزة إلا بقرار شخصي من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زمير ومصادقة المستوى السياسي.

وبحسب وسائل الإعلام العبرية، فإن التعليمات الجديدة تفرض تقييدًا على الهجمات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، بحيث تقتصر في هذه المرحلة على الضربات التي تهدف إلى إزالة التهديدات الفورية فقط.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه لا يُسمح بتنفيذ عمليات اغتيال إلا بقرار شخصي من رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي ومصادقة المستوى السياسي، وذلك من أجل إعطاء فرصة لتطبيق الاتفاق.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أمني أن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، أمر بتقييد الهجمات في قطاع غزة بعد طلب مجلس السلام من إسرائيل وقف الاغتيالات.

وأضافت هيئة البث أن الجيش الإسرائيلي أوضح أنه ينفذ تعليمات المستوى السياسي.

بدورها، أكدت إذاعة الجيش الإسرائيلي تلك المعلومات مشددة على أن كل قرار بتنفيذ عملية اغتيال في غزة لا بد من أن يتطلب مصادقة من إيال زمير.

وذكرت "يديعوت أحرونوت" أن سياسة تقليل الإضراب تأتي بعد محادثة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والممثل الأعلى لمجلس السلام، حيث طلب ملادينوف من إسرائيل وقف الهجمات لمدة أسبوعين للسماح بإكمال المفاوضات مع حركة حماس.

وكان مسؤول سياسي قال للصحيفة، إن "إسرائيل لن تنسحب من خطها الحالي في قطاع غزة وستستمر في إحباط كل تهديد لمدنيينا وجنودنا"...

وقال مسؤول في مجلس السلام إن الجهود الحالية تتركز على تنفيذ خريطة الطريق الخاصة بقطاع غزة، والمضي في الخطة الشاملة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكداً أن الانتقال من التفاهمات السياسية إلى التطبيق الميداني سيكون عملية طويلة ومعقدة.

وأضاف المسؤول، في تصريحات لشبكة الجزيرة، أن خطة ترامب تقدم مساراً يهدف إلى منح الفلسطينيين مستقبلاً أفضل من دون استمرار حكم حركة حماس للقطاع، بالتوازي مع توفير ضمانات أمنية للإسرائيليين، معتبراً أن التطورات التي تحققت خلال الأيام الأخيرة لم تكن متوقعة قبل أسبوع.

وأشار إلى أن قبول حماس نقل إدارة غزة إلى حكومة فلسطينية من التكنوقراط، إلى جانب موافقتها على إطار للتعامل مع سلاحها وسلاح الفصائل، يمثلان تحولاً مهماً، لكنه شدد على أن الاتفاق على المبادئ لا يعني انتهاء الخلافات أو ضمان نجاح التنفيذ.

وكان مجلس السلام قد أعلن في 30 يوليو/تموز توصله إلى ما وصفه باتفاق تاريخي يقود إلى نزع سلاح حماس وبقية الفصائل المسلحة في غزة. وقال ترامب إن العملية ستُنفذ على مراحل، بالتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، وبمشاركة قوة دولية للاستقرار وجهاز شرطة فلسطيني جديد.

وتنص خريطة الطريق على انتقال إدارة الشؤون المدنية والخدمات العامة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة فلسطينية انتقالية غير حزبية مكونة من تكنوقراط من سكان القطاع، وتعمل تحت إشراف مجلس السلام وممثله الأعلى لغزة. وكانت اللجنة قد تشكلت في يناير/كانون الثاني 2026 ضمن المرحلة الثانية من خطة ترمب المكونة من 20 بنداً.

وبحسب مسؤول في المجلس، تشمل العملية نقل الأسلحة المستخدمة لدى أجهزة الشرطة أولاً، ثم تعطيل الأسلحة الثقيلة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الفلسطينية، مع وقف النشاط العسكري داخل القطاع. وأقر المسؤول بأن تنفيذ هذه الترتيبات سيستغرق وقتاً ولن يتم بصورة فورية.

غير أن توصيف ما وافقت عليه حماس لا يزال موضع خلاف. فبينما يقول ترامب ومجلس السلام إن الاتفاق يقضي بـ"نزع كامل للسلاح"، تصر الحركة على أن ما قبلت به هو حصر الأسلحة وتخزينها لدى اللجنة الفلسطينية، لا تسليمها إلى إسرائيل أو إلى جهة أجنبية، وتشترط أن يتزامن ذلك مع وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب الجيش وزيادة تدفق المساعدات.

كما لم تعلن إسرائيل موافقتها الكاملة على خريطة الطريق. وتطالب حكومة بنيامين نتنياهو بأن يسبق نزع سلاح حماس أي انسحاب من الخطوط التي يسيطر عليها الجيش في غزة، كما تريد إخراج أسلحة الحركة من القطاع، خلافاً للصيغة التي تقضي بتخزينها تحت إشراف اللجنة الفلسطينية.

وبحث الممثل الأعلى لـمجلس السلام نيكولاي ملادينوف مع نتنياهو تفاصيل الاتفاق وآليات تنفيذه، في وقت أعلنت فيه حماس تمسكها بالتفاهمات المتعلقة بالمرحلة الثانية، لكنها قالت إنها تنتظر رداً واضحاً ورسمياً من المجلس والوسطاء على ما جرى الاتفاق عليه. وأقرت إسرائيل، من جهتها، بوجود "مخاوف أمنية جدية" بشأن النص المطروح.

ويتمحور الخلاف الأساسي حول ترتيب الخطوات: إذ تطالب حماس بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية أولاً أو بالتزامن مع تخزين السلاح، بينما تشترط إسرائيل تجريد الحركة من قدراتها العسكرية قبل الانسحاب. ويجعل هذا التباين مرحلة التنفيذ أكثر صعوبة من التوصل إلى الصياغات السياسية العامة.

 

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القاهرة/غزة