بقلم: المستشار د. أحمد يوسف
"ليس الصحفي الكبير من يسبق غيره إلى الخبر، وإنما من يسبقهم إلى فهمه، ويظل وفيًا للحقيقة مهما تعقدت الوقائع وتشابكت الروايات."
صفحات من كتابي القادم: "نبلاء وأعلام.. هكذا عرفتهم"
تعرفت إلى الصديق الأستاذ محمد دراغمة في قطاع غزة عقب فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، وتشكيل أول حكومة قادتها الحركة، حين كنت أشغل منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء الشهيد إسماعيل هنية.
كانت تلك المرحلة واحدة من أكثر المحطات إثارة في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر، فقد تحولت غزة إلى قبلة للصحفيين ووسائل الإعلام العربية والدولية، التي جاءت لتقرأ هذا التحول غير المسبوق في المشهد الفلسطيني، وتحاول الاقتراب من الشخصيات التي أصبحت فجأة في قلب صناعة القرار.
وكان التعارف الأول بيننا بترتيب من الصديقين العزيزين الدكتور خليل الشقاقي، والصحفي الأستاذ عادل الزعنون، اللذين رأيا أن طبيعة عملي في رئاسة الوزراء، واهتمام الأستاذ محمد دراغمة بمتابعة التحولات السياسية الفلسطينية، ستكون مدخلًا لحوار مهني وفكري استمر سنوات طويلة، وتحول مع مرور الزمن إلى صداقة راسخة قائمة على الاحترام والثقة.
ومنذ اللقاء الأول، أدركت أنني أمام صحفي من طراز خاص.
فمحمد دراغمة لا يبحث عن الخبر لمجرد نشره، وإنما يسعى إلى فهم خلفياته، وربط تفاصيله بسياقه السياسي والتاريخي، ويقرأ الحدث بعين الباحث، لا بعين المراسل وحده.
وقد لفت انتباهي منذ البداية عمق وعيه بالقضية الفلسطينية، وإحاطته الدقيقة بتطورات السياسة الإقليمية والدولية، إضافة إلى شخصيته الهادئة، وأخلاقه المهنية الرفيعة، وموضوعيته في التعامل مع الوقائع، وهي صفات قلما تجتمع في صحفي يعمل في واحدة من أكثر البيئات السياسية تعقيدًا في العالم.
ولد الأستاذ محمد دراغمة في مدينة طوباس، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، حيث حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية، قبل أن يتجه إلى العمل الصحفي الذي وجد فيه رسالته الحقيقية. وتنقل خلال مسيرته بين عدد من المؤسسات الإعلامية الفلسطينية والعربية والدولية، قبل أن يعمل سنوات طويلة مراسلًا لوكالة أسوشيتد برس العالمية، ويصبح أحد أبرز الأسماء الفلسطينية في الصحافة الدولية. وفي عام 2004 نال جائزة أفضل صحفي في الشرق الأوسط من مؤسسة بريطانية، تقديرًا لتميزه المهني وعمق تغطيته للأحداث الفلسطينية. ويشغل اليوم منصب مدير مكتب الشرق بلومبيرغ في فلسطين، إلى جانب حضوره الدائم محللًا سياسيًا في الفضائيات العربية والدولية.
غير أن أكثر ما شدني إليه أنه لم يكن أسير انتماء حزبي أو رؤية ضيقة؛ فأنت لا تشعر، وأنت تتحاور معه، أن هناك إطارًا تنظيميًا يحكم أحكامه أو يقيد نظرته. كان منفتحًا بوعي على "الكل الفلسطيني"، مؤمنًا بأن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن الوطنية الصادقة لا تتناقض مع الموضوعية المهنية.
ولذلك استطاع أن يقيم جسورًا من الثقة مع مختلف مكونات الساحة الفلسطينية، فكانت له علاقات واسعة مع قيادات السلطة الفلسطينية، وحركة فتح، وحركة حماس، وبقية القوى الوطنية والإسلامية، إضافة إلى شبكة كبيرة من المفكرين والباحثين والأكاديميين، وهو ما جعله قريبًا من دوائر صنع القرار، دون أن يتحول يومًا إلى جزء منها.
وتوثقت العلاقة بيننا سريعًا، فلم تعد مجرد علاقة بين صحفي وسياسي، وإنما أصبحت صداقة بين شخصين يجمعهما شغف المعرفة، والاهتمام بالمصلحة الوطنية العليا، والإيمان بأن الحوار الصادق هو الطريق الأقرب لفهم الواقع.
ولعل خلفيتي السابقة في العمل الصحفي والإعلامي قبل انخراطي الكامل في العمل السياسي جعلت بيننا قواسم مشتركة كثيرة، فكانت لقاءاتنا تمتد ساعات طويلة، لا يعتريها ملل، نتبادل خلالها القراءة والتحليل، ونناقش ما يدور خلف كواليس السياسة الفلسطينية، ونحاول استشراف الاتجاهات التي تمضي إليها الأحداث.
وكان محمد دراغمة كثير الزيارة إلى قطاع غزة قبل حرب الإبادة، وفي كل زيارة تقريبًا كان يحرص على اللقاء، فكنا نجلس على مائدة طعام أو حول فنجان قهوة، لنخوض نقاشات طويلة حول مستقبل القضية الفلسطينية، وتعقيدات العلاقة بين الفصائل، والتحولات الإقليمية، وما يجري في الغرف المغلقة لصناعة القرار.
ولم تقتصر لقاءاتنا على غزة، بل امتدت إلى عدد من المؤتمرات الدولية التي نظمتها مؤسسة حل الصراعات الفنلندية (CMI) في تركيا ومصر، بإدارة الصديق الدكتور معين رباني. وهناك أتيحت لنا مساحات أوسع للحوار بعيدًا عن ضغوط العمل اليومي، فكانت جلسات ثرية بالنقاشات الفكرية والسياسية، تناولنا فيها مستقبل القضية الفلسطينية، والتحولات التي تشهدها المنطقة، وأدوار القوى الإقليمية والدولية، وهو ما عمّق العلاقة الإنسانية والفكرية بيننا.
ومع مرور السنوات، لم تعد العلاقة بيننا تقتصر على الصداقة والحوار الفكري، بل تطورت إلى شراكة في العمل البحثي والمؤسسي، حين انضم الصديق محمد دراغمة إلى نخبة مستشاري معهد بيت الحكمة، الذي تشرفت برئاسة مجلس إدارته. وقد كان حضوره إضافة نوعية للمعهد، بما يمتلكه من خبرة إعلامية عميقة، ورؤية سياسية متوازنة، وشبكة واسعة من العلاقات المحلية والإقليمية والدولية. وأسهم، من خلال مشاركته في الندوات والحوارات واللقاءات الفكرية، في إثراء النقاشات التي احتضنها المعهد حول القضية الفلسطينية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني والتحولات الإقليمية والدولية.
ولم يكن اختياره مستشارًا للمعهد لمجرد مكانته الصحفية، وإنما لإيماننا بأنه يمثل نموذجًا للإعلامي المفكر؛ الذي يجمع بين الخبرة الميدانية، والقدرة على التحليل، والاستقلالية المهنية، والالتزام الصادق بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.
ومما يميز الصديق محمد دراغمة أيضًا حضوره الدولي الواسع؛ فهو كثير السفر والمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والإعلامية في أوروبا وغيرها، ليس بصفته صحفيًا ناقلًا للخبر فحسب، وإنما بوصفه واحدًا من أبرز المختصين في الشأن الفلسطيني، ممن يمتلكون القدرة على تقديم قراءة متماسكة للمشهد الفلسطيني أمام النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية.
وقد أضافت له هذه المشاركات رصيدًا معرفيًا واسعًا، وجعلت قراءاته أكثر عمقًا واتساعًا، وأكثر قدرة على الربط بين المحلي والإقليمي والدولي، ولذلك كثيرًا ما كانت تحليلاته تستشرف اتجاهات الأحداث قبل غيرها.
وخلال حرب الإبادة على قطاع غزة، ظل على تواصل دائم للاطمئنان علينا، ولمتابعة ما يجري داخل القطاع من جرائم ومجازر طالت الإنسان الفلسطيني، والمؤسسات التعليمية والصحية، والبنية التحتية، وكل مقومات الحياة. وكنت أتابع حضوره الإعلامي في الفضائيات العربية والدولية، فأجده كما عرفته دائمًا؛ هادئًا، متزنًا، دقيقًا في معلوماته، رصينًا في تحليله، ومتمسكًا بأعلى درجات المهنية، دون أن يفقد حسه الوطني الصادق أو انحيازه الإنساني لمعاناة أبناء شعبه.
ولعل أكثر ما يميز محمد دراغمة أنه استطاع، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحفي، أن يجمع بين المراسل الميداني، والمحلل السياسي، والمثقف الوطني، دون أن يفقد استقلاليته أو موضوعيته. وقد ظل قريبًا من دوائر صنع القرار، لا بوصفه طرفًا فيها، وإنما شاهدًا عليها، وناقلًا أمينًا لتحولاتها، وهو ما جعله أحد أكثر الأصوات الإعلامية الفلسطينية حضورًا واحترامًا في الإعلام العربي والدولي.
وسيظل الصديق محمد دراغمة واحدًا من الشخصيات الفلسطينية التي أعتز بمعرفتها. ورغم ما قد يوجد بيننا من اختلاف في بعض الاجتهادات أو الزوايا الفكرية، فإن ذلك لم يحل يومًا دون قيام علاقة راسخة قوامها الاحترام المتبادل، والثقة، والإيمان بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الحوار الصادق يبقى الطريق الأقصر نحو الحقيقة.
ذلك هو محمد دراغمة كما عرفته؛ صحفي محترف، ومحلل سياسي رصين، ومثقف واسع الأفق، وإنسان وطني أصيل، وصديق بقيت ذكريات اللقاءات معه شاهدًا على أن الكلمة الحرة، حين تقترن بالمعرفة والأخلاق، تترك أثرًا أبقى من ضجيج السياسة وتقلبات الأيام.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
