كاتس وزير جيش بالاسم.. ونتنياهو يمسك بالمقود: حقيبة الحرب تتحول إلى منصة انتخابية داخل الليكود

كاتس نتنياهو.webp

تكشف معطيات وشهادات نشرتها وسائل إعلام عبرية، الجمعة 7 آب/ أغسطس 2026، صورة شديدة القسوة لمكانة وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس: وزير يحمل اللقب، فيما يحتفظ بنيامين نتنياهو عملياً بالمفاتيح السياسية والأمنية، ويبدو كأنه «وزير الجيش الأعلى»، بينما يحوّل كاتس موقعه الحساس بصورة متزايدة إلى منصة لتلميع صورته والاستعداد لمعركة الخلافة داخل الليكود.

ووفق تقرير موسع نشره موقع «يديعوت أحرونوت–Ynet»، فإن تعيين كاتس وزيراً للجيش «لم يكن طبيعياً منذ البداية»، فيما يسود في المستويين السياسي والأمني الإسرائيليين انطباع بأن نتنياهو هو صاحب الكلمة العليا فعلياً في إدارة الملفات الأمنية الكبرى. ونقل التقرير عن مسؤول أمني رفيع قوله إن كاتس لم يتمكن من تثبيت نفسه في الوزارة لأن نتنياهو «حيّده» في ملفات ومساحات عديدة.

وتبدو الإهانة السياسية أكثر وضوحاً في تفاصيل العلاقة بين الرجلين. فبحسب المسؤول الأمني، سعى كاتس إلى لقاء شخصيات دولية كانت تلتقي سلفه يوآف غالانت، إلا أن نتنياهو لم يمنحه المجال نفسه. وفي إحدى الوقائع، كان نتنياهو ورون ديرمر يستعدان للقاء مسؤول أميركي رفيع، وعندما طلب كاتس الاجتماع به أيضاً، جاءه جواب نتنياهو المختصر: «ليس الآن يا يسرائيل». ويخلص المصدر الأمني إلى أن رئيس الحكومة، في الممارسة الفعلية، لا يمنح وزير جيشه وزناً يوازي المنصب الذي يشغله.

وزير يصدر الأوامر أمام الكاميرات.. ونتنياهو يضع الحدود خلف الأبواب

التوتر لم يبقَ محصوراً بين نتنياهو وكاتس. فخلال الأشهر الأخيرة برزت المواجهة العلنية بين وزير اليجش ورئيس أركان الجيش إيال زامير، ما اضطر نتنياهو، بحسب «يديعوت»، إلى التدخل وإبلاغ كاتس بأنه لا يستطيع الدخول في صدام مفتوح مع رئيس الأركان.

لكن المسؤول الأمني الذي تحدث للصحيفة ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن المشكلة الأساسية هي أن كاتس ليس موجوداً فعلياً في قلب صناعة القرار الأمني، وأن جانباً مهماً من نشاطه ينصب على إنتاج مقاطع الفيديو والبيانات التي يظهر فيها بصفته صاحب القرار، مستخدماً بكثافة تعبيرات من نوع «أوعزت» و«أمرت»، حتى عندما تكون علاقته بالقرار الميداني محدودة، وفق رواية المصدر.

وبهذا المعنى، ترسم الرواية العبرية صورة لوزارة جيش ذات مستويين: القرار الإستراتيجي الثقيل يظل في يد نتنياهو، بينما يعمل كاتس على تسويق صورة «وزير الجيش القوي» أمام جمهور اليمين وقواعد الليكود.

ووجّه المسؤول الأمني انتقادات أكثر قسوة إلى مكتب كاتس، واصفاً إياه بأنه ذو طابع سياسي بصورة شبه كاملة، وأن عدد الخبراء الأمنيين فيه محدود، فيما ينشغل الوزير، بحسب المصدر، بكيفية ظهوره أمام أعضاء الليكود وحسابات السياسة الحزبية أكثر من انشغاله المهني بالملفات الأمنية. في المقابل، رد مصدر في الليكود مقرب من كاتس بأن عدم نشأته داخل المؤسسة العسكرية يمثل «ميزة»، وأنه يتحدى الجيش بدلاً من التحول إلى ممثل له داخل الحكومة.

من اجتماع الكابينيت إلى حفل زفاف.. حين تتقدم صناديق الليكود

ولعل أكثر المشاهد إحراجاً جاء عندما غادر كاتس اجتماعاً للكابينيت السياسي–الأمني للمشاركة في حفل زفاف نجل رئيس بلدية كريات آتا، وهو شخصية ليكودية بارزة في مدينة تضم نحو 1500 منتسب للحزب.

بالنسبة لمنتقديه، لم تكن الحادثة تفصيلاً بروتوكولياً، بل نموذجاً للطريقة التي تختلط فيها حقيبة الجيش بالحساب الانتخابي الداخلي: الكابينيت من جهة، وأصوات أعضاء الليكود من جهة أخرى.

وكشف تقرير «يديعوت» أن نشاط كاتس السياسي اتسع بصورة ملحوظة مع اقتراب الانتخابات التمهيدية، ويشمل لقاءات مع منتسبين للحزب وزيارات لفروع الليكود وحضور حفلات زفاف ومناسبات اجتماعية وعائلية، مع الحرص على نشر الصور والتسجيلات في مجموعات الليكود على «واتساب» و«تلغرام». ونقل عن مصدر حزبي قوله إن كاتس أدرك مبكراً أن وزارة الجيش تمنحه منصة استثنائية للتوجه مباشرة إلى القاعدة اليمينية للحزب.

حتى قرارات ومواجهات يفترض أنها عسكرية بحتة دخلت، وفق التقرير، إلى طاحونة البرايمرز. هذا الأسبوع أعلن كاتس خلال ظهوره على القناة 14 ما فُهم على أنه قرار بإقالة قائد المنطقة الوسطى في الجيش، اللواء آفي بلوط، قبل أن يتراجع في اليوم التالي ويقول إن كلامه لم يُفهم على نحو صحيح. وأثارت الطريقة انتقادات حتى داخل أوساط اليمين، التي اعتبرت أن تحويل مصير ضابط كبير إلى مادة في بث تلفزيوني تجاوزٌ لحدود التعامل الطبيعي بين المستوى السياسي والجيش.

دعاية حرب من غزة ولبنان وإيران

وبعد ساعات فقط، أطلق كاتس أول فيديو دعائي له استعداداً للانتخابات التمهيدية في الليكود، مستخدماً صوراً لمبانٍ مدمرة في غزة ولبنان وإيران لتسويق نفسه بوصفه «وزير جيش يمينياً».

وهنا تتضح المفارقة: الرجل الذي تقول مصادر أمنية إسرائيلية إن نتنياهو حدّ من نفوذه داخل منظومة القرار، يسعى أمام جمهور الليكود إلى الظهور باعتباره صاحب اليد التي تضغط على الزناد وصاحب الأوامر التي تحرك الجيش.

إنها، بعبارة أخرى، محاولة لتعويض ضعف النفوذ الحقيقي بفائض من النفوذ المصوَّر.

الهدف الحقيقي: اليوم التالي لنتنياهو

لكن معركة كاتس لا تنتهي بالانتخابات التمهيدية المقبلة. فبحسب «يديعوت»، يرى وزير الجيش نفسه واحداً من أبرز المرشحين لخلافة نتنياهو في رئاسة الليكود، مستنداً إلى تجربته في ثلاث من أثقل حقائب الحكومة: الخارجية والمالية والجيش.

ولهذا تبدو تحركاته الحالية جزءاً من استثمار طويل الأجل في قاعدة الحزب، لا مجرد حملة لتحسين موقعه في القائمة الانتخابية. وتزداد أهمية ذلك مع احتدام المنافسة داخل الليكود؛ إذ أفادت تقارير عبرية حديثة بأن عشرات الوزراء والنواب يتنافسون على عدد محدود من المواقع التي تعتبر مضمونة نسبياً، بعد منح نتنياهو ثمانية مقاعد محجوزة في القائمة. كما تشير التقديرات الحالية إلى انتخابات إسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026.

قصة كاتس ونتنياهو ليست جديدة تماماً. ففي عام 2016 حاول كاتس، عندما كان أحد أقوى رجال مؤسسات الليكود، تمرير قرارات تقلص قوة نتنياهو داخل الحزب. رد الأخير باتهامه بالتآمر وهدده بالإقالة، لتنتهي الجولة بتراجع كاتس.

ومنذ ذلك الحين استوعب كاتس الدرس: مواجهة نتنياهو مباشرة قد تنهي مستقبله، أما البقاء إلى جانبه فقد يمنحه فرصة انتظار لحظة الخلافة.

وهكذا يجد وزير الجيش نفسه في معادلة ساخرة: عليه أن يبدو قوياً بما يكفي أمام جمهور الليكود ليصبح وريثاً محتملاً، وضعيفاً بما يكفي أمام نتنياهو كي لا يتحول إلى خصم يجب التخلص منه.

وفي وزارة يفترض أنها تدير أكثر ملفات إسرائيل حساسية، بات السؤال الذي تطرحه الانتقادات القادمة من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها أقل ارتباطاً بما يفعله كاتس بصفته وزيراً للجيش، وأكثر ارتباطاً بما إذا كان يستخدم وزارة الجيش أساساً لبناء مشروعه السياسي الشخصي.

كاتس، وفق الصورة التي ترسمها هذه المصادر العبرية، لا ينافس نتنياهو على إدارة الحرب اليوم بقدر ما يستخدم الحرب كي ينافس على إرث نتنياهو غداً.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس