من تلميع الحرب إلى هندسة المعرفة: «بوليتيكو» تكشف حملة إسرائيلية لرفع حضور روايتها عن غزة في إجابات الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي.jpg

كشفت مجلة «بوليتيكو» عن فصل جديد في حملات العلاقات العامة الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، لا يكتفي بالإعلانات أو التأثير في وسائل التواصل الاجتماعي، بل يتجه إلى بناء محتوى إلكتروني مصمم لزيادة فرص ظهوره أمام محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي عندما يسأل المستخدمون عن إسرائيل والحرب على غزة وسلوك الجيش الإسرائيلي.

وبحسب وثائق مقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي (FARA)، تقف شركة Piro Inc. ضمن حملة تنفذ عبر «هافاس ميديا» لمصلحة جهات إسرائيلية. وتؤكد قاعدة بيانات وزارة العدل الأميركية أن «بيرو» أصبحت مسجلة رسميًا بموجب FARA في 2 يونيو/حزيران 2026.

وتقول «بوليتيكو» إن وثائق حديثة تكشف عن مشروع بقيمة 100 ألف دولار يتضمن إنتاج أكثر من 12 مادة لصالح جهة تقدم نفسها باسم «معهد هانوفر للسياسات العامة»، ضمن برنامج يقول رسميًا إنه يهدف إلى نشر معلومات «واقعية ومدعومة بالمصادر» وتثقيف الجمهور الأميركي بشأن إسرائيل والقضايا المرتبطة بها.

لكن اللافت ليس مجرد مضمون هذه المواد، بل هندسة طريقة تقديمها.

أسئلة تشبه ما يكتبه المستخدم للذكاء الاصطناعي

ينشر «معهد هانوفر» مواد ودراسات تتناول غزة وإسرائيل ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية بصياغة قريبة من الأسئلة التي يمكن أن يكتبها مستخدم في محرك بحث أو روبوت محادثة.

والموقع نشط بالفعل خلال صيف 2026؛ فمن بين مواده دراسة منشورة في يونيو/حزيران تحلل كيفية إسناد أفعال العنف إلى إسرائيل في عناوين الأخبار عن غزة، إلى جانب مواد أخرى تسأل عن العلاقة بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، وتناقش كيفية تعريف الصهيونية وقياس المواقف تجاهها.

هذه البنية، وفق قراءة «بوليتيكو»، تثير سؤالًا أكبر من العلاقات العامة التقليدية: هل يجري إنتاج صفحات لا تستهدف القارئ البشري وحده، بل تستهدف كذلك أن تكون مصادر سهلة الالتقاط والفهرسة والاستشهاد بها من أنظمة البحث والإجابة التوليدية؟

وتقول المجلة إنها اختبرت بصورة محايدة عددًا من أدوات الذكاء الاصطناعي، ووجدت أن ChatGPT وPerplexity استشهدا، في بعض الإجابات، بمحتوى منشور على موقع «هانوفر».

وهنا تكمن النقطة الأهم: نجاح موقع ممول ضمن حملة علاقات عامة في الظهور كمصدر داخل إجابة آلية يمكن أن يمنح الرسالة السياسية هيئة مختلفة تمامًا عن الإعلان المدفوع؛ فالمستخدم قد يتعامل معها بوصفها معلومة استخرجها النظام من مصدر بحثي، لا مادة أنتجت ضمن حملة اتصالات مرتبطة بحكومة أجنبية.

الإفصاح موجود.. لكن في أسفل الصفحة

بحسب تقرير «بوليتيكو»، يتضمن موقع «هانوفر» إفصاحًا يشير إلى أن المواد توزعها Piro نيابة عن Havas Media Germany، التي تعمل بدورها لمصلحة وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية.

وهذه الصلة تتوافق مع نمط أوسع ظاهر في سجلات FARA، إذ تعمل شركات متعددة عبر «هافاس» في حملات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة. كما تُظهر السجلات الرسمية أن شركات أخرى سجلت خلال الفترة نفسها للعمل لمصلحة إسرائيل أو عبر Havas Media Germany.

غير أن وضع الإفصاح القانوني في الموقع لا يحسم المشكلة التي يطرحها التقرير: هل تنقل أدوات الذكاء الاصطناعي هذا السياق إلى المستخدم عندما تستشهد بالمادة؟

فإذا ظهرت دراسة ممولة حكوميًا كمصدر من دون إظهار الخلفية التمويلية والسياسية للمستخدم، تصبح العلاقة بين «المصدر» و«الدعاية» أكثر ضبابية.

من تحسين نتائج غوغل إلى تحسين «إجابات الآلة»

التقرير يضع حملة «هانوفر» ضمن تحول أوسع في صناعة التأثير السياسي.

تقليديًا، كانت حملات العلاقات العامة تحاول الوصول إلى أعلى نتائج Google، أو شراء الإعلانات، أو دفع المحتوى عبر المؤثرين وشبكات التواصل. أما مع صعود ChatGPT وGemini وClaude وPerplexity وغيرها، فقد أصبحت هناك طبقة جديدة: تحسين المحتوى كي يظهر داخل الإجابة نفسها.

وهذا الأسلوب بات يُعرف في صناعة التسويق بتسميات من قبيل تحسين الظهور في المحركات التوليدية، حيث لا يكون الهدف أن ينقر المستخدم على الرابط بالضرورة، بل أن تستوعب أنظمة الإجابة مضمون الصفحة أو تعثر عليها عند البحث وتعيد تقديم جزء من روايتها.

وبحسب «بوليتيكو»، ظهرت كذلك صلة تقنية بين موقع «هانوفر» وشركة ناشئة في سياتل تدعى Res، تروج لخدمات تهدف إلى مساعدة المؤسسات على زيادة حضورها وتوصية أنظمة الذكاء الاصطناعي بها.

ليست الحملة الإسرائيلية الأولى

والأهم أن حملة «بيرو» ليست واقعة منفصلة.

فقد سبق أن كشفت وثائق FARA عن حملة أخرى يقودها Brad Parscale، المدير السابق لحملة دونالد ترامب، عبر شركته Clock Tower X، تضمنت بصورة أكثر صراحة إنشاء مواقع ومحتوى لتحقيق ما وصفته الوثائق بـ«GPT framing results»؛ أي محاولة التأثير في الكيفية التي تؤطر بها أنظمة GPT موضوعات معينة.

وأكدت تقارير سابقة وجود حملة إسرائيلية بملايين الدولارات يقودها بارسكيل تستهدف، إلى جانب وسائل التواصل، البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها منصات الذكاء الاصطناعي. وكانت Axios قد وصفتها في أبريل/نيسان بأنها حملة متعددة الملايين لإعادة تشكيل الطريقة التي تعرض بها منصات الذكاء الاصطناعي إسرائيل.

وفي يوليو/تموز، كشفت تحقيقات لاحقة أن قيمة عقد Clock Tower X توسعت إلى نحو 46.5 مليون دولار، مع إنتاج شبكة مواقع ومئات المواد المرتبطة بإسرائيل وغزة والعلاقات الأميركية الإسرائيلية.

ومن المهم عدم الخلط بين المسارين: حملة Piro/«هانوفر» التي تتناولها «بوليتيكو» منفصلة عن حملة Clock Tower X، وإن كانتا تعكسان توجهًا واحدًا أوسع نحو استثمار المحتوى المفتوح على الإنترنت كساحة للتأثير.

لا عقد مع ChatGPT.. بل محاولة للتأثير في البيئة التي يقرأ منها

ولا تعني هذه الوثائق أن الحكومة الإسرائيلية أبرمت اتفاقًا مع OpenAI أو ChatGPT لتغيير الإجابات، ولا أنها تستطيع تعديل نموذج ذكاء اصطناعي من الداخل.

فالآلية المطروحة أكثر غير مباشرة: نشر كميات من المحتوى المصمم بعناية، وتحسين قابليته للعثور عليه وفهرسته والاستشهاد به، على أمل أن يصبح جزءًا من البيئة المعلوماتية التي تصل إليها محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقد أثارت حملات Clock Tower السابقة التباسًا مشابهًا، إذ أكدت مراجعات لاحقة أنه لا توجد شراكة مباشرة بين إسرائيل وOpenAI لتغيير ChatGPT، وإنما محاولة للتأثير بصورة غير مباشرة عبر المحتوى المنشور على الإنترنت.

وهذا الفارق ليس تفصيلاً تقنيًا؛ فهو يفصل بين ادعاء غير مثبت عن «التحكم في ChatGPT» وبين ظاهرة موثقة وأكثر تعقيدًا: دولة تمول إنتاج محتوى بهدف المنافسة على المصادر التي تشكل ما يراه البشر وما قد تستحضره الآلات عند الإجابة عنهم.

الدعاية تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

تكمن دلالة كشف «بوليتيكو» في أن معركة الرواية لم تعد تدور فقط حول من يملك القناة التلفزيونية أو الإعلان الأكثر انتشارًا أو الحساب الأكثر متابعة.

مع تحول ملايين المستخدمين إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي لطلب تفسير الحرب والأحداث السياسية والتاريخ، أصبحت المصادر التي تقرأها الآلة نفسها هدفًا للعلاقات العامة.

وبذلك ينتقل السؤال من: «من دفع ثمن هذا الإعلان؟» إلى سؤال أصعب بكثير:

من موّل المصدر الذي استندت إليه الآلة عندما أخبرتنا بما تعتبره حقيقة؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - بوليتيكو