بعد خمس سنوات على عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، تسعى سلطات كابول إلى توسيع قنوات التواصل مع الولايات المتحدة، عبر الدعوة إلى استئناف الحضور الدبلوماسي الأميركي وجذب الاستثمارات، ولا سيما في قطاع التعدين، في وقت لا تزال فيه العلاقات الرسمية بين الجانبين محدودة.
وفي مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، دعا وزير خارجية حكومة طالبان، أمير خان متقي، الولايات المتحدة إلى إعادة فتح سفارتها في كابول وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في أفغانستان، خصوصًا في قطاعات التعدين والبنية التحتية، مؤكدًا أن هذا الانفتاح لا يشمل عودة القوات الأميركية إلى البلاد.
وتأتي الدعوة بالتزامن مع مرور خمسة أعوام على سيطرة طالبان على كابول في 15 أغسطس/آب 2021، فيما اكتمل انسحاب القوات الأميركية في نهاية الشهر نفسه. ولا تزال السفارة الأميركية في كابول مغلقة منذ 31 أغسطس/آب 2021، وتتولى وحدة شؤون أفغانستان الموجودة في السفارة الأميركية بالدوحة مهام البعثة الأميركية الخاصة بالبلاد.
المعادن بوابة محتملة للتعاون
تضع طالبان قطاع التعدين في صلب مساعيها لجذب الاستثمار الخارجي، مستندة إلى احتياطيات أفغانستان من النحاس والحديد والليثيوم والذهب ومعادن أخرى ذات أهمية متزايدة للصناعات الحديثة وسلاسل توريد التكنولوجيا والطاقة.
وليس اهتمام واشنطن بالقطاع جديدًا. فقد أنفقت الحكومة الأميركية نحو 963 مليون دولار بين عامي 2004 و2021 على المسوحات الجيولوجية والاستكشاف والإصلاحات التنظيمية وبناء القدرات المرتبطة بالصناعات الاستخراجية، إلا أن هذه البرامج لم تحقق الطموحات الاقتصادية التي رافقتها، وسط مشكلات تتعلق بالفساد والتعدين غير المنظم وضعف البنية التحتية.
ومنذ عودة طالبان إلى الحكم، حاولت سلطات كابول جذب شركات أجنبية إلى القطاع. وأبرمت عقودًا مع شركات محلية لها شركاء من الصين وإيران وتركيا ودول أخرى، فيما أبدت بكين اهتمامًا متكررًا بتوسيع نشاطها في التعدين، بما في ذلك مشروع النحاس في مس عينك الذي ظل تنفيذه متعثرًا لسنوات.
وبذلك، يمكن النظر إلى الدعوة الموجهة للشركات الأميركية باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع لتنويع المستثمرين، بدل الاعتماد على مجموعة محدودة من الشركاء الإقليميين.
توسيع العلاقات الخارجية
ولا يقتصر التحرك الأفغاني على الجانب الاقتصادي. فخلال السنوات الأخيرة وسعت حكومة طالبان اتصالاتها الدبلوماسية مع روسيا والصين والهند ودول آسيا الوسطى والخليج، في وقت بدأت فيه دول غربية أيضًا إجراء اتصالات عملية مع سلطات كابول بشأن قضايا مثل الهجرة والأمن.
وتزامن ذلك مع تدهور كبير في علاقات طالبان مع باكستان، التي تتهم السلطات الأفغانية بالسماح لمسلحي حركة طالبان الباكستانية باستخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات داخل باكستان، وهي اتهامات تنفيها كابول. وقد شهدت الحدود بين البلدين خلال الفترة الماضية مواجهات مسلحة وتوترًا متكررًا.
ويمنح هذا التوتر طالبان حافزًا إضافيًا لتوسيع علاقاتها الخارجية والاقتصادية، في محاولة للحصول على خيارات سياسية وتجارية أوسع وتقليل اعتمادها على باكستان أو أي شريك منفرد.
وفي الوقت نفسه، حققت الحركة بعض التقدم الدبلوماسي مقارنة بالسنوات الأولى بعد عودتها إلى السلطة. فقد أصبحت روسيا، في يوليو/تموز 2025، أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان، بينما حافظت دول أخرى على علاقات واتصالات دبلوماسية من دون منحها اعترافًا رسميًا. وحتى أغسطس/آب 2026، ما تزال روسيا الدولة الوحيدة التي اتخذت هذه الخطوة.
واشنطن تبقي مسافة سياسية
في المقابل، لم تصل العلاقات بين واشنطن وطالبان إلى مستوى التطبيع الدبلوماسي. فالولايات المتحدة لا تعترف بحكومة الحركة، ولا توجد حاليًا سفارة أو قنصلية أميركية عاملة داخل أفغانستان.
كما لا تزال ملفات حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب واحتجاز مواطنين أميركيين تشكل نقاط خلاف رئيسية. وفي مارس/آذار 2026، صنفت الولايات المتحدة أفغانستان «دولة راعية للاحتجاز غير المشروع»، على خلفية قضايا مواطنين أميركيين محتجزين، فيما قالت طالبان إنها تفضل معالجة الملف عبر الحوار.
وتواجه سلطات طالبان كذلك انتقادات دولية مستمرة بسبب القيود المفروضة على النساء والفتيات، بما في ذلك منع الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي وفرض قيود واسعة على عمل النساء ومشاركتهن في الحياة العامة. وهذه السياسات لا تزال من أبرز العقبات أمام حصول حكومة طالبان على اعتراف دولي أوسع.
علاقات عملية من دون تطبيع كامل
وبعد خمسة أعوام من عودة طالبان إلى السلطة، تبدو العلاقة المحتملة بين كابول وواشنطن أقرب إلى التعامل البراغماتي المحدود منها إلى تطبيع سياسي شامل.
فطالبان تعرض التعاون الاقتصادي والاستثمار في الموارد الطبيعية وعودة البعثات الدبلوماسية باعتبارها أرضية لبناء علاقة جديدة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بشروط وتحفظات تتعلق بالأمن وحقوق الإنسان والاعتراف السياسي.
وبين هذين الموقفين، تحاول كابول الاستفادة من موقع أفغانستان الجغرافي وثرواتها المعدنية وتوسع علاقاتها الإقليمية لخفض عزلتها الدولية، فيما يبقى السؤال مفتوحًا بشأن ما إذا كانت واشنطن ستنتقل من الاتصالات المحدودة إلى حضور دبلوماسي أو اقتصادي أوسع من دون تغيرات جوهرية في الملفات التي تفصل الطرفين.
