أدان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات التصاعد غير المسبوق في جرائم واعتداءات المستوطنين، بدعم ومشاركة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، في ظل تسارع إقامة البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي وفرض وقائع ميدانية، ضمن مخطط يشكل فيه المستوطنون ذراعا متقدمة للاحتلال في عملية تطهير عرقي ممنهجة ومستمرة تهدف إلى استئصال الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.
وحسب بيان صدر عن المركز الحقوقي وطالعته "وكالة قدس نت للأنباء" تدلل الوقائع والمعطيات أن ما يجري يتخذ صورة نمط متكامل تتداخل فيه اعتداءات المستوطنين مع إجراءات سلطات الاحتلال العسكرية والإدارية، بما في ذلك عمليات التدمير واسعة النطاق للمنازل والمنشآت المدنية وجرائم القتل والاعتقال، وفرض قيود مشددة على الحركة، بما يؤدي إلى عزل التجمعات الفلسطينية، وحرمان سكانها من الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه وسبل العيش، وتهيئة الظروف التي تدفعهم قسرًا إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم.
وقد وثق طاقم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تصاعداً محموماً في الأيام الأخيرة في جرائم الاحتلال وميليشا المستوطنين، كان أحدثها قيام مستوطنين بحصار ثلاثة منازل في بلدة قصرة جنوب شرقي نابلس لليوم التاسع على التوالي، بهدف إجبارهم على ترك منازلهم والاستيلاء عليها. ووفق المعلومات التي جمعها باحثو المركز، عند حوالي الساعة 07:00 من يوم السبت الموافق 8/8/2026، حاصرت مجموعة من مليشيات المستوطنين ثلاثة منازل في منطقة العين غربي البلدة، يقطنها 10 فلسطينيين، منهم 3 نساء وطفلتان. وأقدم المستوطنون على قطع الطريق المؤدي إلى المنازل الثلاثة بعد نصب خيمة في الطريق، وقطعوا خطوط الكهرباء والمياه ومنعوا سكان البلدة من الوصول إليهم. تضم المنازل المحاصرة منزل يوسف عبد السلام حسن، الذي يعيش فيه مع زوجته وطفلتيه، ومنزل شقيقه رزق عبد السلام حسن الذي يقيم فيه مع والدته وشقيقته، ومنزل لؤي عبد المنعم أبو ريدة، الموجود في الولايات المتحدة ويحمل الجنسية الأمريكية، ويقيم فيه شقيقه قصي وابنه وابن شقيقه، إلى جانب متضامنين أجانب يحملون الجنسية الإيطالية.
وفي 13/8/2026، اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال البلدة عند حوالي الساعة 7:30 صباحا، وأغلقت المحال التجارية وسيطرت على أجزاء واسعة من البلدة، وحولت 15 منزلا إلى ثكنات عسكرية، بينها خمسة منازل في محيط المنازل المحاصرة، وأجبرت سكانها على مغادرتها إلى داخل البلدة. كما أحضرت جرافة لإزالة الحجارة والخيمة التي نصبها المستوطنون، ومنعت سكان البلدة من التنقل، قبل أن تنسحب من عدد من المنازل مساء اليوم نفسه، فيما بقي المستوطنون يواصلون حصار المنازل الثلاثة.
وأفاد رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي لباحث المركز: “صباح يوم 13/8/2026 اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال المنطقة وأغلقت المحلات التجارية في البلدة وسيطرت على معظم الأحياء وحولت بعض المنازل إلى ثكنات عسكرية ومنها خمسة منازل في محيط المنازل المحاصرة وطردت سكانها منها إلى داخل البلدة بدلا من طرد المستوطنين من محيط المنازل المحاصرة، وحولتها إلى نقاط عسكرية. كما منعت أهالي البلدة من الخروج من منازلهم دون أن يتم إخلاء المستوطنين. وفي حوالي الساعة 7:00 من صباح يوم الجمعة اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة نفسها وأعلنتها منطقة عسكرية وحولت 15 منزلاً منها إلى ثكنات عسكرية منها، وأخرجت المتضامنين الأجانب من المنزل المحاصر.”
ويخشى سكان المنازل الثلاثة من أن تمهد هذه الإجراءات لإخلائهم وتسليم المنازل للمستوطنين، كما حدث مع عائلة الطوباسي في بلدة جالود المجاورة، بعد أن حاصر المستوطنون منزلين للعائلة واستولوا عليهما وأقاموا فيهما بصورة دائمة، ما دفع العائلة إلى مغادرة المكان بعد أشهر من الصمود.
يأتي هذا الاعتداء الكبير ضمن تصعيد أوسع في عنف مليشيات المستوطنين في الضفة الغربية سواء بالاعتداء على المواطنين أو إقامة البؤر الاستيطانية.
ففي مساء يوم السبت الموافق 8/8/2026، أقام مستوطنون بؤرة استيطانية جديدة في منطقة الجلاطية شرق بلدة إذنا، في الخليل، من خلال وضع خيمة داخل أراضي المواطنين، وإحضار قطيع من المواشي الى الموقع. وعندما وصل أصحاب الأرض وحاولوا إبعاد قطيع الأغنام والمستوطنين جرى الاعتداء عليهم من المستوطنين وقوات الاحتلال التي وصلت إلى المكان. وفي شهادته يروي المواطن حسين عادل حسين سورة، 26 عاما، لباحث المركز كيف يشترك جنود الاحتلال مع المستوطنين في تنفيذ الاعتداءات وتكريس الاعتداءات الاستيطانية: حيث يقول:“كنت في منزلي عندما علمت بأن مستوطنين نصبوا خيمة داخل أرضي وأطلقوا أغنامهم لترعى في المحاصيل والأشجار. توجهت إلى الأرض برفقة أربعة من أشقائي، وعند وصولنا شاهدنا أربعة مستوطنين مسلحين يحملون عبوات غاز الفلفل، ومعهم نحو 20 رأسا من الأغنام وخيمة داخل الأرض. طلبنا منهم مغادرة المكان، فردوا برشقنا بالحجارة، فقمنا بإبعاد الأغنام عن المحاصيل والأشجار وتمكنا من إبعاد المستوطنين وقطعانهم نحو 400 متر عن الأرض. بعد ذلك وصلت مركبتان لجيش الاحتلال ومركبتان تقلان مستوطنين مسلحين، ثم لاحقتنا مركبات الجنود والمستوطنين حتى مسجد النبي صالح، الذي يبعد نحو كيلومترين عن أرضنا. دخلت المسجد برفقة شقيقي مصعب، بينما تمكن أشقائي الآخرون من الفرار. كان والدي عادل، 64 عاما، داخل المسجد. اقتحم المسجد عشرات الجنود والمستوطنين، وكان بينهم مستوطن يدعى يودا، نعرفه من اعتداءاته السابقة على المزارعين وملاحقتهم وطردهم من أراضيهم في منطقة الجلاطية. بمجرد أن شاهد يودا والدي، هاجمه وضربه، فيما أمسك بي مستوطن آخر من ملابسي. حاولت الدفاع عن والدي وإبعاد يودا عنه، فهاجمني نحو عشرة جنود ومستوطنون واعتدوا علي وعلى والدي وشقيقي مصعب، ثم سحبونا إلى ساحة المسجد. تمكنت من الإفلات والهروب إلى الشارع، لكن ثلاثة مستوطنين لحقوا بي وأمسكوا بي، ثم شارك ثلاثة جنود في ضربي ولكمي على وجهي، فيما وجه لي يودا ضربة قوية على ظهري. وعندما طلبت من أحد الجنود إبعاده عني، وجه إلي لكمات متتالية على وجهي، وشعرت بألم شديد في عيني اليمنى. أعادنا الجنود إلى ساحة المسجد، حيث احتجزوني ووالدي وشقيقي مصعب. قيدوا أيدينا إلى الخلف وعصبوا أعيننا، واستخدم أحدهم ممسحة كانت عند باب المسجد لتعصيب عيني. تعرضنا للضرب بالبنادق والصفع والركل. وبعد نحو نصف ساعة نقلونا إلى مركبة جي إم سي، وسمعت يودا يطلب من الجنود ضربنا. داخل المركبة تعرضت للضرب واللكم، وسمعت أصوات الاعتداء على والدي وشقيقي. نقلنا الجنود إلى معسكر ترقوميا وأدخلونا إلى كرفان صغير شديد الحرارة. بقينا هناك حتى نحو الساعة الثالثة فجرا، ثم أخرجني أحد الجنود، وطلب مني الاعتراف إنني كنت أرشق الحجارة على المستوطنين. رفضت، فانهال علي بالضرب والركل واللكم وضربني بالبندقية لنحو خمس دقائق، ثم أعادني إلى الكرفان. بقيت أنا وشقيقي مصعب مقيدين ومعصوبي الأعين حتى نحو الساعة الثالثة مساء في اليوم التالي. نقلنا الجنود بعد ذلك إلى مقر شرطة كريات أربع شرق الخليل، وبقينا في الساحة تحت حرارة شديدة حتى السادسة مساء. خضعت للتحقيق لمدة ساعة تقريبا بتهمة رشق الحجارة. بعد انتهاء التحقيق، أخبرني الشرطي بأنه سيتم ترحيلنا إلى سجن شيجف في بيت عوا، لكن المحقق قرر لاحقا الإفراج عنا وأبلغنا بضرورة المثول أمام محكمة عوفر في تاريخ لاحق. صادر الجنود هواتفنا، ونقلونا إلى منطقة الفحص في يطا، وأبقونا مقيدين ومعصوبي الأعين وأمرونا بعدم الحركة حتى غادروا المكان. بعد ذلك فك أحد المواطنين قيودنا ونقلنا إلى المنزل. ما زلت أعاني من ألم في عيني اليمنى وآلام في أنحاء جسدي نتيجة الاعتداء. أخشى التوجه إلى محكمة عوفر خشية اعتقالي واحتجازي، ولا يزال المستوطنون يتواجدون في أراضينا.”
وفي 6/08/2026، شن مستوطنون هجوماً عنيفاً على عائلة نايف كعابنة في منزلهم شرق الطيبة في رام الله. أسفر الهجوم عن إصابة ثلاثة من أفراد العائلة بجروح متفاوتة، فيما اعتقلت قوات الاحتلال أحدهم، وهو سليمان كعابنة. وفي اليوم التالي، هاجم مستوطنون مجدداً تجمع الكعابنة البدوي شرق بلدة الطيبة، واقتحموا منزل المواطن نايف كعابنة برفقة قطيع مواشيهم. وفي هذا الهجوم، تعرض متضامنون أجانب للاعتداء، وأصيبت متضامنة برضوض في الوجه والرأس بعد الاعتداء عليها بالضرب المبرح من مستوطنين. وتكررت محاولات المستوطنين تفكيك السياج المعدني الذي أقامه السكان حول تجمعهم لحمايتهم، بهدف خلق احتكاك مباشر ومواجهات.
وهاجمت مجموعة من نحو 30 مستوطنا ثلاثة منازل وأحرقت منازل سكنية وممتلكات وألواحا للطاقة الشمسية وقش الحيوانات وأصابت خمسة فلسطينيين يوم الأربعاء الموافق 5/8/2026، في منطقة الطوبا، جنوب الخليل. وتظهر شهادة المواطنة رنا إبراهيم سلمان مغنم، 38 عاما، التي تعرضت للضرب مع طفلتيها من المستوطنين داخل منزلها، حجم الخطر الذي يواجهه المدنيون الفلسطينيون داخل منازلهم. ففي إفادتها لباحث المركز، ذكرت يما يلي:“رأيت من النافذة نحو 30 مستوطنا يرتدون ملابس سوداء ويركضون باتجاه منزلنا، فأرسلت طفلتي رزان، 8 أعوام، لإخبار والدها الذي كان خارج المنزل. وأثناء عودتها، وصل المستوطنون إلى المنزل، فضرب أحدهم رزان بحجر في وجهها. هربت وجلست بجانبي مع شقيقتها لجين، 6 أعوام. دخل أحد المستوطنين إلى المنزل، بينما كان آخر يقذف الحجارة من النافذة، وضربني أحدهم بعصا على رأسي، ثم ضرب رزان على رأسها، وكنا نصرخ من شدة الخوف والألم. تمكنا من الهروب إلى غرفة مجاورة، لكن المستوطن دخل خلفنا وواصل ضربي بالعصا. وعندما حاولت حماية رأسي بيدي، أصيبت أصابع يدي اليمنى وكسرت، كما أصبت في كتفي وأصبت برضوض في الجزء العلوي من جسمي. استمر الاعتداء نحو دقيقتين، قبل أن أتمكن من إغلاق باب الغرفة. بعد لحظات، انقطعت الكهرباء، ورأيت من النافذة نيرانا تتصاعد من بالات قش تعود لجيراننا، ثم رأيت النار والدخان يتصاعدان من الصالون الذي اعتدى علي فيه المستوطنون. أغلقت الباب بسرعة وبقيت في حالة من الخوف والرعب، حتى وصل زوجي وأخرجنا من المنزل، ونقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج”.
ونفذ مستوطنون هجومًا في 1/08/2026، على المزارع عصام محمود رضوان وزوجته نهيل يوسف بينما يقومان بأعمالهما الزراعية الروتينية داخل مزرعتهما الواقعة في منطقة “عين الزرقا” ببلدة بيتللو في رام الله. ووفقاً للمعلومات التي جمعتها باحثة المركز، فإن المستوطنين هاجموا الزوجين بضراوة باستخدام الهراوات، وكان برفقتهم كلب أطلقوه عليهما ليعضّهما. وأسفر إصابة المزارع عصام محمود رضوان بكسور في ساقه، إضافة إلى جروح ورضوض في أنحاء متفرقة من جسده. أما زوجته نهيل يوسف، فقد أصيبت بكسور في يدها، إضافة إلى جروح ورضوض مماثلة في أنحاء جسدها.
ولا تنفصل هذه الاعتداءات عن النشاط الاستيطاني الذي يتوسع بالتوازي على الأرض. فوفق المتابعة الميدانية لباحثي المركز تنفذ سلطات الاحتلال منذ شهر يوليو الماضي حتى الآن أعمال تجريف في مناطق البقعة وبيت عينون، في الخليل، ما أدى إلى تدمير أكثر من 200 دونم من الأراضي الزراعية واقتلاع عشرات آلاف أشجار العنب والمحاصيل الصيفية، في منطقة تعد من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في المحافظة. وتتزامن أعمال التجريف مع توسع مستوطنة كريات أربع والبؤر الاستيطانية المقامة على الأراضي الفلسطينية شرقي الخليل، بما يحول الطرق الاستيطانية من مشاريع بنية تحتية إلى أدوات للسيطرة على الأراضي وربط المستوطنات وتوسيع نطاقها، بينما يوضع الوجود الفلسطيني في المناطق المحيطة تحت ضغط أوامر الهدم والمناطق الأمنية والقيود على البناء والوصول إلى الأرض.
وفي ضوء ذلك، دعا المركز الفلسطيني لحقوق الانسان المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لوقف جرائم الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.
ويذكر المركز بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.
وطالب المركز بتوفير حماية دولية فورية للسكان الفلسطينيين خاصة في المناطق التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين، ولا سيما التجمعات المعرضة لخطر التهجير في مسافر يطا والأغوار ومحافظات نابلس ورام الله والخليل، وضمان وصول الطواقم الطبية والإنسانية إلى السكان دون قيود.
ودعا المركز إلى تحرك دولي جاد لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف جميع أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يمكن إسرائيل من مواصلة سياساتها غير القانونية وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي.
