تتجه جبهة لبنان نحو مزيد من التصعيد، في ظل استعداد الجيش الإسرائيلي لاحتمال اندلاع عدة أيام من القتال مع حزب الله، بالتزامن مع إصراره على مواصلة عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومحيط قلعة الشقيف، واستمرار الغارات والقصف المدفعي على جنوب لبنان، رغم مساعٍ أميركية لمنع انزلاق المواجهة إلى حرب أوسع.
وقالت القناة الإسرائيلية 12 إن الجيش يستعد لاحتمال تصعيد يقود إلى "عدة أيام من القتال" في لبنان، على خلفية المواجهة المتصاعدة حول مرتفعات علي الطاهر والشقيف. وبحسب القناة، لا تعتزم إسرائيل التراجع عن استكمال تدمير ما تصفه بـ"البنى التحتية لحزب الله" في المنطقتين، بعد تدمير جزء منها، فيما تقول إن الحزب يحاول استهداف القوات الإسرائيلية العاملة هناك.
وأضافت القناة أن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى وجود عشرات من عناصر حزب الله محاصرين في منشآت تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، وأن الجيش أحبط محاولات لإيصال المساعدة إليهم. وكانت تقارير إسرائيلية سابقة قد تحدثت عن محاولات متكررة لإمداد العناصر المحاصرين وإيجاد مخارج لهم من المنطقة.
ويأتي رفع مستوى الاستعداد الإسرائيلي بعد هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة استهدف قوة من وحدة "يهلوم" التابعة للهندسة الخاصة، وتعمل ضمن لواء الكوماندوز في مرتفعات علي الطاهر، ما أدى إلى إصابة ضابط وجنديين بجروح خطيرة. وأكد الجيش الإسرائيلي أن الهجوم وقع قرابة الساعة 2:30 فجر السبت، فيما أفادت تقارير إسرائيلية لاحقا بتحسن حالة أحد الجنود المصابين من خطيرة إلى متوسطة.
وعقب الهجوم، شن الجيش الإسرائيلي موجة واسعة من الغارات والقصف المدفعي على مناطق في جنوب لبنان، بينها مرتفعات علي الطاهر ومحيط النبطية وأنصار ودير الزهراني، فيما وصفت تقارير لبنانية بعض الهجمات بأنها "حزام ناري". كما أُبلغ سكان المناطق الشمالية في إسرائيل بأن نشاطا عسكريا مكثفا سيستمر خلال الليل، ويتضمن قصفا مدفعيا وغارات وانفجارات على امتداد منطقة الحدود.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه اغتال في دير الزهراني أبو حسن علاء، الذي وصفه بأنه قائد بارز في وحدة "بدر" التابعة لحزب الله، واتهمه بالمشاركة في التخطيط لهجمات وإطلاق طائرات مسيّرة مفخخة ضد القوات الإسرائيلية. كما أعلن اغتيال علي سمير الحاج حسن، الذي قال إنه قائد كتيبة في وحدة "الرضوان"، خلال غارة على مبنى في أنصار.
وفي المقابل، نقل موقع "واللا" العبري عن وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية على أنصار ودير الزهراني أسفرت عن استشهاد 11 شخصا وإصابة 19 آخرين، مشيرا إلى أن بين الشهداء ثلاثة أطفال وامرأتين. وقال الموقع إن عائلة قائد وحدة "الرضوان" المستهدف كانت موجودة في المبنى وقت الغارة، بينما زعمت إسرائيل أن حزب الله استخدم المدنيين "دروعا بشرية"، وهي رواية إسرائيلية لم تتبنها السلطات اللبنانية.
وبينما يتسع نطاق الضربات، أفادت وسائل إعلام عبرية بأن القيادة السياسية الإسرائيلية امتنعت خلال الأيام الأخيرة عن إقرار بعض العمليات التي اقترحها الجيش ضد حزب الله، خشية تقويض المفاوضات الجارية مع الحكومة اللبنانية بوساطة أميركية. وأشارت القناة 12 إلى أن هذا الاعتبار حدّ حتى الآن من مستوى الرد، لكنه لم يغير قرار إسرائيل بمواصلة العمليات في علي الطاهر والشقيف.
ونقل "واللا" عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن حرية الرد العسكري الإسرائيلية باتت مقيدة جزئيا بفعل الضغط الأميركي المرتبط بالمفاوضات مع لبنان، وإن بيروت وقيادات حزب الله الموجودة فيها بقيت حتى الآن خارج نطاق الضربات الأوسع بسبب هذا الاعتبار. وفي المقابل، تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن "حرب أدمغة" تدور حول مرتفعات علي الطاهر، مع محاولات حزب الله رصد تحركات القوات واستهدافها بالطائرات المسيّرة، مقابل مساعٍ إسرائيلية لإغلاق طرق الإمداد إلى العناصر الموجودين تحت الأرض.
وتعكس التطورات انتقال المواجهة من عمليات موضعية إلى مرحلة أكثر قابلية للانفجار؛ فالقناة 12 تتحدث صراحة عن استعداد إسرائيلي لعدة أيام من القتال، فيما ترفض المؤسسة العسكرية وقف عملياتها في علي الطاهر والشقيف، بالتوازي مع استمرار حزب الله في استهداف القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان.
وفي مؤشر إضافي إلى خطورة التصعيد، نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله إن "أي حساب في أي جبهة لن يبقى مفتوحا"، متوعدا برد قوي على استهداف الجنود الإسرائيليين، في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان.
وبذلك، تبدو جبهة لبنان أمام معادلة شديدة الحساسية: إسرائيل تتمسك باستكمال عملياتها العسكرية في علي الطاهر والشقيف وتستعد لأيام قتال، وحزب الله يواصل محاولات استهداف القوات، فيما تحاول واشنطن إبقاء التصعيد تحت سقف يمنع انهيار مسار التفاوض وعودة الحرب الشاملة.
