من «خطوات صغيرة» لاختبار جدية حماس إلى آلية أميركية لمراقبة الخروقات وتسليم السلاح... واشنطن تعالج هواجس نتنياهو من دون منحه شيكاً مفتوحاً للعمليات العسكرية، وإسرائيل تمنح المسار فرصة من دون الالتزام بعد بانسحاب فعلي
لم يخرج الاجتماع الماراثوني الذي جمع جاريد كوشنر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس، الاثنين 17 أغسطس/آب 2026، باتفاق نهائي يحسم مستقبل قطاع غزة، لكنه انتهى إلى ما قد يكون أكثر أهمية في المرحلة الحالية: نقل الخلاف الأميركي–الإسرائيلي من مستوى رفض الخطة ومبادئها إلى مستوى التفاوض على آليات التنفيذ والضمانات والاختبارات الميدانية.
وهذه هي المفارقة الأساسية في حصيلة اللقاء. ففي الوقت الذي خلصت فيه وكالة «رويترز» إلى أن جولة كوشنر بين قيادة «حماس» في مصر ونتنياهو في إسرائيل انتهت من دون «اختراق» يحسم المأزق، أظهرت التفاصيل التي كشفها «أكسيوس» وتصريحات مسؤولين في «مجلس السلام» أن الاجتماع الذي استمر نحو أربع ساعات أوجد مساراً تجريبياً للمضي قدماً، يقوم على اختبار نيات «حماس» بخطوات محدودة وقابلة للقياس، مقابل امتناع إسرائيل عن إغلاق الباب أمام الخطة الأميركية.
وبهذا المعنى، لم يحصل كوشنر من نتنياهو على موافقة إسرائيلية كاملة على خريطة الطريق الأميركية، ولم يحصل نتنياهو في المقابل على تبنٍّ أميركي كامل لرؤيته القائمة على إبقاء الوضع العسكري كما هو إلى أجل غير محدد. ما تحقق هو أرضية وسط مؤقتة عنوانها: دعوا «حماس» تبدأ بإثبات نياتها، وأعطوا إسرائيل آليات لمعالجة مخاوفها الأمنية، ثم يُبنى على النتائج.
كوشنر جاء إلى نتنياهو بعد سماع «حماس» مباشرة
أحد أهم أبعاد اللقاء أن كوشنر لم يصل إلى إسرائيل حاملاً رسائل الوسطاء فقط، بل جاء غداة اجتماع مباشر ونادر في مصر مع رئيس حركة «حماس» خليل الحية، بحضور مسؤولين في «مجلس السلام» ووسطاء إقليميين.
وبحسب «أكسيوس»، عبّر نتنياهو خلال اجتماعه مع كوشنر عن تشككه العميق في تعهدات «حماس»، وسأله عن سبب اجتماعه المباشر مع قادتها. ورد كوشنر بأن الاستماع إليهم مباشرة بشأن مدى استعدادهم للمضي في عملية نزع السلاح أمر ضروري، مستحضراً تجربة الاجتماع السابق الذي جمعه وستيف ويتكوف بمسؤولي الحركة في 2025، والذي قال إنه أسهم في التوصل إلى الاتفاق الذي انتهى بإطلاق سراح بقية الرهائن الإسرائيليين.
الرسالة الأميركية هنا تتجاوز تبرير الاتصال بـ«حماس». فواشنطن تحاول إقناع نتنياهو بأن التواصل المباشر لا يعني الثقة بالحركة، وإنما اختبار ما إذا كانت مستعدة للانتقال من الأقوال إلى إجراءات يمكن التحقق منها.
وهذا ينسجم مع النبرة التي استخدمها كوشنر لاحقاً في حديثه إلى «فوكس نيوز»، إذ وصف اجتماعه مع «حماس» بأنه كان ودياً وأن الحركة قالت «الأشياء الصحيحة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على صعوبة منح الثقة لمنظمة تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، وأن المعيار سيكون الأفعال والخطوات العملية.
ومن هنا تبدو العبارة الأهم في المقاربة الأميركية الجديدة: لا يُطلب من إسرائيل أن تثق بـ«حماس»، بل أن تمنح آلية التحقق فرصة للعمل.
من رفض الخطة إلى «خطوات صغيرة» لاختبار النيات
بحسب «أكسيوس»، لم يطلب كوشنر من نتنياهو خلال الاجتماع تنفيذ انسحاب واسع أو تقديم تنازل سياسي كبير فوراً، وإنما طالب إسرائيل باتخاذ «خطوات صغيرة» في غزة لاختبار ما إذا كان التزام «حماس» ببدء نزع السلاح حقيقياً.
وهذا التحول في التكتيك الأميركي بالغ الدلالة، لأن نتنياهو كان قد أعلن قبل أيام رفض إسرائيل لوثيقة البنود الـ15، وأكد أن الجيش لن ينسحب قبل نزع سلاح «حماس» بصورة كاملة. كما بقيت الحركة، في المقابل، متمسكة بأن يبدأ التنفيذ بعد التزام إسرائيل بوقف الهجمات والانسحاب وفق خريطة الطريق.
بمعنى آخر، حاول كوشنر تجاوز معضلة «من يتحرك أولاً؟» بصيغة ثالثة: لا انسحاب استراتيجي إسرائيلي الآن، ولا انتظار إلى حين الاتفاق على كل شيء؛ بل خطوة فلسطينية محدودة وقابلة للتحقق تقابلها خطوات إسرائيلية محسوبة، ثم يُقاس الالتزام قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وهو ما يفسر أيضاً تصريح مسؤول في «مجلس السلام» بأن الإسرائيليين «سيمنحون المسار فرصة»، وأن الكرة باتت في ملعب «حماس» لإظهار ما إذا كانت تنوي الالتزام فعلاً. ونقلت مصادر إسرائيلية أيضاً أن الاجتماع كان طويلاً ومعمقاً، لكنه انتهى إلى الاتفاق على «مسار للمضي قدماً».
العقدة المركزية: لا إعمار قبل نزع السلاح
أوضح اتفاق خرج من الاجتماع يتعلق بإعادة إعمار قطاع غزة.
فمكتب نتنياهو و«مجلس السلام» أعلنا الاتفاق على أن تجريد القطاع من السلاح يجب أن يتم سريعاً، وأن يكتمل قبل البدء بعملية إعادة الإعمار. كما نقلت «رويترز» عن مسؤول إسرائيلي أن كوشنر ونتنياهو اتفقا على عدم بدء الإعمار قبل نزع سلاح «حماس».
لكن اللافت أن الرواية التي نقلتها «رويترز» عن مسؤول في «مجلس السلام» ذهبت أبعد من الإعمار، إذ قالت إنه لن يكون هناك إعادة انتشار للقوات الإسرائيلية قبل نزع سلاح «حماس» بالكامل وتجريد غزة من السلاح، بما يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق.
وهنا يبدو أن واشنطن قدمت لنتنياهو تنازلاً مهماً في مسألة التسلسل، أو على الأقل طمأنة سياسية تتيح له القول لجمهوره إنه لم يقبل انسحاباً إسرائيلياً سابقاً لنزع السلاح.
لكن هذه الصيغة لا تعني انتهاء الخلاف نهائياً، لأن خريطة الطريق الأوسع كانت تقوم أصلاً على عملية تدريجية تربط نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي متدرج، بينما لا تزال «حماس» تطالب بخطوات إسرائيلية مقابلة قبل تسليم كامل ترسانتها. ولذلك فإن التفاهم الجديد يبدو حتى الآن آلية لإطلاق العملية وليس حلاً نهائياً لمشكلة ترتيب جميع مراحلها.
كيف سيُسلَّم السلاح؟ تفصيل حساس ما زال غير محسوم تماماً
الجزء الأكثر حساسية في العملية يتعلق بالجهة التي ستتسلم سلاح «حماس»، وطريقة إخراجه من الخدمة.
ونقل «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن التصور الذي شرحه كوشنر لنتنياهو يبدأ بتسليم «حماس» أسلحتها إلى الحكومة الفلسطينية التكنوقراطية، التي تنقلها بدورها إلى «قوة الاستقرار الدولية» لتدميرها.
لكن الرواية الإسرائيلية التي نشرتها i24NEWS قدمت تفصيلاً مختلفاً، وقالت إن الأسلحة التي تسلمها الحركة، الخفيفة والثقيلة، ستذهب إلى التدمير تحت إشراف الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز، وإن المرحلة الأولى يمكن أن تتم تحت إشراف أميركي مباشر، لا عبر بقاء السلاح في حوزة الإدارة الفلسطينية التكنوقراطية. كما قالت إن القوات الإسرائيلية لن تعيد انتشارها قبل نزع السلاح الكامل.
هذا التباين ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ فالجهة التي تتسلم السلاح ومن تملك صلاحية التحقق منه وتدميره من أهم ضمانات العملية بالنسبة لإسرائيل، كما أن شكل التسليم يحمل حساسية سياسية كبيرة بالنسبة للفلسطينيين.
لذلك يمكن القول إن مبدأ نزع السلاح وإتلافه بات أكثر وضوحاً من سلسلة حيازته وآلية تسليمه النهائية، وهي إحدى القضايا المرجح أن تعمل عليها المجموعة الأمنية المشتركة خلال المرحلة المقبلة.
ضابط أميركي في قلب عملية نزع السلاح
ما رشح من الجانب الإسرائيلي يشير إلى رغبة في وضع إشراف أميركي مباشر على المراحل الحساسة من نزع السلاح، بما يمنح نتنياهو ضمانة بأن الأمر لن يتحول إلى عملية شكلية لتخزين الأسلحة وإبقائها قابلة لإعادة الاستخدام.
وتحدثت تقارير إسرائيلية عن دور للجنرال الأميركي جاسبر جيفرز في الإشراف على تسليم الأسلحة وتدميرها، فيما أكد مسؤولون أن المطلوب لا يقتصر على الصواريخ أو الأسلحة الثقيلة، وإنما يشمل أيضاً الأسلحة الخفيفة وشبكات الأنفاق والبنى العسكرية.
وهذا يفسر تركيز نتنياهو على عبارة «نزع سلاح حقيقي»، مقابل محاولة الأميركيين تقديم نموذج يمكن فيه إثبات التنفيذ قطعة سلاح بعد أخرى، ومخزن بعد آخر، ونفقاً بعد آخر، بدلاً من انتظار إعلان سياسي شامل لا يمكن التحقق منه عملياً.
الاغتيالات و«التهديد الوشيك»... أخطر فجوة متبقية
رغم التقارب حول نزع السلاح، بقي ملف حرية العمل العسكري الإسرائيلي أحد أخطر مواطن الخلاف.
كوشنر أكد، وفق تصريحاته لـ«فوكس نيوز»، أن واشنطن لن تقيّد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إذا واجهت تهديدات وشيكة. وهذه النقطة أكدها أيضاً مسؤولون تحدثوا لـ«أكسيوس»، إذ قالوا إن الإدارة الأميركية لا تتوقع من إسرائيل الامتناع عن التحرك ضد تهديد فوري صادر عن «حماس».
لكن الخلاف يبدأ عند السؤال التالي: ما تعريف «التهديد الوشيك»؟
«أكسيوس» أفاد صراحة بأن تعريف التهديد الفوري لا يزال نقطة اختلاف بين الحكومة الإسرائيلية و«مجلس السلام». ففي الوقت الذي تريد فيه إسرائيل الحفاظ على مساحة واسعة لتنفيذ الضربات والاغتيالات، تريد واشنطن أن تُحصر الاستثناءات بالتهديدات الفعلية، لا أن تتحول إلى باب يسمح باستمرار حملة عسكرية مفتوحة بالتوازي مع عملية نزع السلاح.
كما نقلت «رويترز» أن نتنياهو أبلغ الجانب الأميركي بأن القوات الإسرائيلية ستواصل العمل عندما ترى ضرورة لذلك، بما يشمل استهداف فلسطينيين تتهمهم إسرائيل بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وهكذا تظهر معادلة شديدة الهشاشة: أميركا تعترف لإسرائيل بحق الرد على الخطر الفوري، لكنها لا تريد أن تتحول عبارة «الدفاع عن النفس» إلى آلية تقوض وقف النار أو تجعل «حماس» تعتبر نزع السلاح عملية من طرف واحد تحت النار.
«آلية منع احتكاك» لمراقبة الخروقات قبل أن تتحول إلى حرب
وربما كان أهم ابتكار عملي في اللقاء هو الاتفاق، وفق «أكسيوس»، على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك والتصعيد في غزة، تتولى مراقبة الانتهاكات ومعالجة المخاوف الإسرائيلية من التهديدات الناشئة، مع إشراك الوسطاء المصريين.
فإذا رصدت إسرائيل تحركاً تعتبره مقدمة لتهديد، يمكن نقل الأمر إلى الآلية بدلاً من الانتقال مباشرة إلى ضربة عسكرية واسعة. والغاية الأميركية تبدو واضحة: إنشاء غرفة امتصاص للأزمات تحول دون أن يؤدي كل خرق أو اشتباه في خرق إلى انهيار المسار بأكمله.
وستكون فعالية هذه الآلية مرتبطة بأسئلة لم تُحسم بعد: من يقرر أن الخرق وقع؟ وما المدة التي ستُمنح لمعالجته؟ وماذا يحدث إذا اختلف الطرفان على الوقائع؟ وهل يكون للوسيط الأميركي أو المصري القرار المرجح؟
هذه الأسئلة قد تبدو تقنية، لكنها في الواقع يمكن أن تحدد ما إذا كان الاتفاق سيصمد أياماً أم يتحول إلى مسار مستمر.
«الخط الأصفر»... لا انسحاب الآن ولكن أيضاً اختبار لعدم توسيع السيطرة
في الملف الميداني، تمسك نتنياهو بعدم الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية قبل إحراز تقدم حقيقي في نزع السلاح. وأفادت مصادر إسرائيلية بأن الجيش سيبقى في هذه المرحلة عند ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، بينما قالت «أسوشيتد برس» إن القوات الإسرائيلية تسيطر حالياً على نحو 60 في المائة من القطاع، وإن تعريف هذا الخط نفسه ظل مثار خلاف.
وفي المقابل، فإن أي امتناع إسرائيلي عن توسيع نطاق السيطرة غرباً خلال فترة اختبار النيات يمكن أن يتحول عملياً إلى خطوة إسرائيلية موازية غير معلنة: لا انسحاب كبير، ولكن أيضاً لا تقدم إضافي ينسف عملية الاختبار قبل أن تبدأ.
وهذا ربما يكون أحد أشكال «الخطوات الصغيرة» التي تبحث عنها واشنطن؛ أي تجميد الحركة على الأرض مقابل بدء تسليم السلاح، من دون مطالبة نتنياهو حالياً بإعلان انسحاب سياسي واسع يصعب عليه تسويقه داخلياً.
مسار إنساني منفصل: المياه والصرف الصحي قبل الإعمار
التفاهم الثاني المعلن من الاجتماع كان تشكيل مجموعة عمل تعالج الاحتياجات الأساسية في غزة، وخصوصاً المياه النظيفة والصرف الصحي والصحة العامة.
وأكد «أكسيوس» أن نتنياهو تعهد باتخاذ خطوات لتحسين الوضع الإنساني، ولا سيما في المياه والصرف الصحي، فيما أكدت «رويترز» ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تشكيل مجموعة عمل منفصلة لهذا الغرض.
والتمييز هنا مهم للغاية: إسرائيل قد تواصل رفض «إعادة الإعمار» الشاملة قبل نزع السلاح، لكنها وافقت على إجراءات عاجلة تتعلق بالصحة العامة والبنية الأساسية الضرورية للحياة.
وهذا يسمح للإدارة الأميركية بإظهار تقدم إنساني سريع نسبياً من دون أن يصطدم مباشرة بالشرط الإسرائيلي القائل إن إعادة بناء غزة اقتصادياً وعمرانياً لن تبدأ قبل استكمال نزع السلاح.
ماذا يعني حديث كوشنر عن 30 يوماً و60 إلى 90 يوماً؟
في مقابل اللغة الحذرة في بعض التقارير التي تحدثت عن غياب «اختراق» نهائي، قدم كوشنر في مقابلته مع «فوكس نيوز» جدولاً زمنياً أكثر تفاؤلاً.
فبحسب كوشنر، يمكن رؤية تقدم خلال نحو 30 يوماً، فيما يأمل الجانب الأميركي بدء إخراج بعض الأسلحة من الخدمة وردم أو إغلاق أجزاء من شبكة الأنفاق خلال 60 إلى 90 يوماً.
ولا ينبغي فهم هذه المدد بوصفها جدولاً زمنياً نهائياً لنزع سلاح غزة بالكامل؛ بل تبدو أقرب إلى مهلة أميركية لإنتاج أدلة ميدانية على أن العملية قابلة للحياة.
فالتقدم خلال الثلاثين يوماً الأولى قد يعني، على الأرجح، إنشاء آليات المراقبة، وتحديد قوائم الأسلحة ومواقع التسليم، وبدء عمليات محدودة يمكن التحقق منها، وتحقيق هدوء نسبي يسمح ببناء الثقة.
أما فترة الستين إلى التسعين يوماً، فهي أكثر طموحاً: إذا نجحت المرحلة الأولى، سيكون المطلوب الانتقال من الإشارات السياسية إلى مشاهد عملية لنقل الأسلحة وتدميرها ومعالجة الأنفاق، بما يسمح لواشنطن بالقول إن «حماس» دخلت فعلياً مسار التجريد من السلاح.
لكن حجم التحدي يظل هائلاً، خصوصاً أن مسؤولين إسرائيليين يشككون أصلاً في استعداد الحركة للتخلي عن كامل قدراتها، فيما أشارت تقارير إسرائيلية إلى تقديرات بأن تفكيك منظومة الأنفاق بالكامل قد يستغرق وقتاً أطول بكثير.
كوشنر عالج «سوء فهم» نتنياهو... لكنه لم ينه الخلاف
قال كوشنر إن إسرائيل أثارت خلال المحادثات «مخاوف مشروعة»، وإن الوفد الأميركي تمكن من معالجة جانب منها وتوضيح حالات سوء فهم بشأن الخطة.
وهذا يتطابق مع ما كشفه «أكسيوس» عن أن جزءاً كبيراً من الاجتماع خُصص لشرح خطة «مجلس السلام» ومعالجة تصورات إسرائيلية بشأنها، وأن نتنياهو قدم استطلاعات للرأي العام الإسرائيلي حول رفض الإعمار قبل نزع السلاح والرغبة في استمرار التحرك ضد التهديدات الفورية.
أي أن كوشنر حاول إعادة صياغة الخطة أمام نتنياهو بحيث تبدو أقل خطورة سياسياً وأمنياً: لا إعمار قبل نزع السلاح، ولا مطالبة لإسرائيل بتجاهل تهديد فوري، وآلية رقابة على الانتهاكات، وإشراف دولي وأميركي على السلاح.
في المقابل، المطلوب من نتنياهو هو ألا يستخدم الشك في نيات «حماس» سبباً لرفض تجربة الآلية من أساسها.
الانتخابات الإسرائيلية حاضرة في كل بند
لا يمكن فصل نتائج الاجتماع عن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.
«رويترز» نقلت عن دبلوماسيين اعتقادهم بأن من غير المرجح أن يقدم نتنياهو تنازلات كبيرة بشأن غزة قبل الاقتراع، في حين أشار «أكسيوس» إلى أن الأجواء الانتخابية والاتهامات الداخلية لنتنياهو بتقديم تنازلات زادت مستوى الشكوك الإسرائيلية تجاه المقترحات الأميركية.
ولهذا السبب يبدو أن الإدارة الأميركية عدّلت سقف ما تطلبه من نتنياهو في الأسابيع المقبلة.
فبدلاً من انتظار اتفاق تاريخي يتضمن انسحاباً كاملاً وإعادة إعمار وترتيبات حكم وأمن دفعة واحدة، يمكن لواشنطن أن تكتفي في المرحلة الأولى بإنجاز أقل حجماً لكنه قابل للبناء عليه: ألا تعرقل إسرائيل التجربة، وأن تبدأ «حماس» تسليم السلاح.
هذه الصيغة تمنح نتنياهو إمكانية القول لجمهوره إنه لم ينسحب تحت الضغط، وفي الوقت نفسه تمنح كوشنر إمكانية القول إن الخطة خرجت من مرحلة الأوراق إلى الاختبار الميداني.
السيناريو الأقرب خلال الثلاثين يوماً المقبلة
استناداً إلى طبيعة التفاهمات المعلنة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير ليس انسحاباً إسرائيلياً واسعاً ولا نزعاً كاملاً لسلاح «حماس»، وإنما مرحلة إثبات مفهوم.
يمكن أن تبدأ بتشكيل مجموعتي العمل، وتشغيل آلية مراقبة الخروقات، وتحسين المياه والصرف الصحي، ثم محاولة تنظيم عملية أولى لتسليم كمية من السلاح أو إخراج منشأة عسكرية أو جزء من شبكة أنفاق من الخدمة.
إذا وقع ذلك من دون انهيار أمني كبير، فسيصبح لدى كوشنر ما يحتاج إليه للضغط على نتنياهو في الجولة التالية: دليل ميداني على أن «حماس» مستعدة لاتخاذ خطوات، وبالتالي مطالبة إسرائيل بخطوات مقابلة.
وهذا الاستنتاج يتفق مع مطالبة كوشنر إسرائيل باتخاذ «خطوات صغيرة» لاختبار جدية الحركة، ومع إقرار مسؤول أميركي بأن واشنطن لا تعتمد على الثقة بـ«حماس»، بل على رؤية أسلحة تُسلّم فعلياً بوصف ذلك أول دليل على جدية المسار.
أما إذا فشلت «حماس» في الاختبار؟
إذا مرّت الأسابيع المقبلة من دون تسليم سلاح يمكن التحقق منه، فسيكون نتنياهو قد حصل على الحجة السياسية والأمنية التي يبحث عنها: أن الخطة الأميركية بنيت على تعهدات غير قابلة للتنفيذ.
وفي هذه الحالة، يرجح أن تتشدد إسرائيل في رفض أي انسحاب، وأن تتمسك بوقف إعادة الإعمار، وأن توسع تفسيرها لحرية العمل العسكري.
كما سيضع ذلك الإدارة الأميركية في موقف أصعب أمام الوسطاء العرب، لأن كوشنر نفسه وضع معيار النجاح في «الأفعال» لا التصريحات.
ولذلك فإن عبارة مسؤول «مجلس السلام» بأن الأمر بات متروكاً لـ«حماس» لإثبات نيتها ليست مجرد خطاب سياسي؛ إنها نقل متعمد لعبء المرحلة الأولى من الاختبار إلى الحركة الفلسطينية.
وإذا بدأت «حماس» فعلاً بتسليم السلاح؟
هنا يصبح الاختبار أصعب بالنسبة لإسرائيل.
فإذا حصل تسليم حقيقي وموثق لأسلحة، وبدأ تعطيل أنفاق ومواقع عسكرية، سيكون من الصعب على واشنطن والوسطاء قبول بقاء الوضع الإسرائيلي على حاله إلى أجل غير محدد.
عندها ستنتقل الضغوط إلى نتنياهو لتقديم المقابل: تثبيت وقف الضربات التي لا ترتبط بتهديدات فورية، والامتناع عن توسيع مناطق السيطرة، ثم التفاوض على مراحل إعادة الانتشار وربما فتح باب إعادة الإعمار في المناطق التي تستوفي شروط التجريد من السلاح.
وهنا تحديداً ستعود عقدة «التزامن» التي لم يحسمها لقاء كوشنر–نتنياهو: بعد أول دفعة سلاح، ما الخطوة الإسرائيلية المقابلة؟ وبعد الدفعة الثانية، إلى أين ينسحب الجيش؟
هذه هي الأسئلة التي ستقرر ما إذا كانت الخطة عملية متبادلة أم مجرد شرط أحادي طويل الأمد.
أخطر سيناريو: انهيار الاختبار بسبب اغتيال أو حادث عند «الخط الأصفر»
رغم كل التفاهمات، فإن المسار قد ينهار بسبب حدث ميداني واحد.
فإذا نفذت إسرائيل اغتيالاً تعتبره ضرورياً ضد «تهديد وشيك»، بينما اعتبرته «حماس» خرقاً متعمداً لوقف النار، يمكن للحركة وقف تسليم السلاح. وإذا وقع هجوم على القوات الإسرائيلية، يمكن لإسرائيل الرد بصورة واسعة واعتبار أن عملية نزع السلاح كانت خدعة.
ولهذا تشكل آلية منع الاحتكاك التي اتُّفق عليها ربما أهم عنصر في اختبار الأيام المقبلة، لأنها صُممت لمنع هذا النوع من التسلسل: اشتباه، ثم ضربة، ثم رد، ثم انهيار سياسي.
ما الذي حققه كوشنر فعلياً؟
النتيجة السياسية للقاء يمكن اختصارها في أن كوشنر لم يحصل على سلام، لكنه منع دفن الخطة.
نتنياهو لم يتراجع علناً عن شرط نزع السلاح، بل حصل على تأكيدات بأن إعادة الإعمار لن تسبق التجريد من السلاح، وأن إسرائيل لن تكون مطالبة بتجاهل تهديدات فورية.
وفي المقابل، حصل الأميركيون على قبول إسرائيلي بتجربة مسار جديد، وتشكيل آليات مشتركة، وتحسين جوانب إنسانية، والنظر إلى خطوات «حماس» الفعلية قبل اتخاذ قرار نهائي بإسقاط الخطة.
وهذا يفسر الفارق الظاهري بين عنوان «لا اختراق» الذي استخدمته «رويترز» وبين النبرة المتفائلة التي أظهرها كوشنر ومسؤولون في «مجلس السلام». الاثنان يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه: لا اتفاق نهائياً، لكن هناك انتقال من الجمود السياسي إلى اختبار ميداني منظم.
الأسابيع المقبلة: من مرحلة الأقوال إلى «الدليل المادي»
لذلك، فإن المؤشر الحقيقي الذي ينبغي مراقبته لن يكون حجم التصريحات المتفائلة، وإنما ظهور أول دليل مادي على الأرض.
هل ستسلّم «حماس» أسلحة فعلية؟ من سيتسلمها؟ هل ستُدمر تحت إشراف أميركي؟ هل ستبدأ معالجة الأنفاق؟ هل ستثبت إسرائيل مواقعها بدلاً من توسيعها؟ هل تتراجع وتيرة الضربات غير المرتبطة بتهديد مباشر؟ وهل تعمل آلية مراقبة الانتهاكات قبل اللجوء إلى القوة؟
إذا بدأت الإجابات الإيجابية عن هذه الأسئلة بالظهور خلال الثلاثين يوماً التي تحدث عنها كوشنر، يمكن أن تتحول مهلة الـ60 إلى 90 يوماً إلى بداية مرحلة ثانية أكثر جدية، يكون عنوانها التجريد الملموس من السلاح مقابل البحث في إعادة الانتشار وإطلاق ترتيبات الحكم والإعمار.
أما إذا بقيت التعهدات حبراً على ورق، أو تحولت حرية العمل العسكري الإسرائيلية إلى ضربات متكررة، أو رفضت «حماس» تسليم السلاح قبل الحصول على انسحاب مسبق، فإن المسار سيعود سريعاً إلى المشكلة الأصلية: كل طرف يطالب الآخر بأن يتحمل المخاطرة أولاً.
ولهذا، فإن ما بعد لقاء كوشنر–نتنياهو ليس اتفاقاً بقدر ما هو اختبار سياسي–أمني مركب مدته الأولى شهر، ونافذته الحاسمة قد تمتد ثلاثة أشهر.
وخلال هذه المدة ستتحدد الإجابة عن السؤال الذي فشل الطرفان حتى الآن في حسمه على طاولة المفاوضات: هل يمكن تفكيك القوة العسكرية لـ«حماس» مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي بضمانات أميركية، أم أن الخلاف على ترتيب الخطوات سيعيد غزة مرة أخرى إلى دائرة الضربات والتوسع العسكري وتعليق الإعمار؟
في اللحظة الراهنة، منح كوشنر الطرفين مساحة ضيقة للتحرك من دون أن يطلب من أي منهما القفز مباشرة إلى نهاية الطريق. لكن هذه المساحة لن تبقى مفتوحة طويلاً؛ فبعد كل ما قيل في القدس والقاهرة، باتت واشنطن تبحث عن السلاح الذي يُسلّم على الأرض، لا عن تعهد جديد حول طاولة التفاوض.
