غارة أبو الظهور تعمّق التوتر الإسرائيلي–التركي.. تل أبيب تربطها بمنع تموضع عسكري وأنقرة تنفي وواشنطن تتحرك لاحتواء التصعيد

منظر جوي لمطار أبو الظهور العسكري في إدلب، كانون الأول 2024 (Getty Images).jpg

دخلت الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والأمني بين إسرائيل وتركيا وسوريا، بعدما قالت تل أبيب إن العملية استهدفت منع تموضع عسكري تركي وإيصال منظومات أسلحة متطورة إلى القاعدة، في حين نفت أنقرة وجود قوات تركية فيها، بينما تتحرك واشنطن لإنشاء آلية أكثر فاعلية لمنع الاحتكاك بين الأطراف الثلاثة.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت مسؤولي البيت الأبيض مسبقًا بالضربة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور فجر الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026، وأوضحت لواشنطن أن هدفها كان ردع تركيا عن إرسال أنظمة أسلحة متطورة إلى الموقع ومنع ما وصفته بحشد عسكري تركي أوسع في القاعدة.

وبحسب «أكسيوس»، سقطت ثماني قنابل على الأقل على مدارج القاعدة وعدد من حظائر الطائرات، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالمدارج التي كانت قد خضعت لإعادة تأهيل أخيرًا، من دون تسجيل إصابات. وتتطابق هذه المعطيات إلى حد كبير مع الرواية السورية التي تحدثت عن ثماني غارات استهدفت المدرج ومنشآت تخزين في القاعدة.

وتقع قاعدة أبو الظهور في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، على بعد نحو 70 كيلومترًا من الحدود التركية، وكانت قد خرجت من الخدمة كمطار عسكري مخصص منذ عام 2013 قبل أن تتغير السيطرة عليها عدة مرات خلال الحرب السورية.

إسرائيل: منع تغيير «الوضع الأمني القائم»

وبعد نحو 20 ساعة من الضربة، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية إسرائيل عنها، وقال إن سوريا كانت «على وشك» الإخلال بما وصفه بتفاهم مع إسرائيل للحفاظ على الوضع القائم في المسائل الأمنية، من خلال السماح بانتشار قوات تركية في قاعدة جوية «قرب حلب».

وقال مكتب نتنياهو إن إسرائيل سبق أن حذرت دمشق من أن انتشارًا تركيًا من هذا النوع سيشكل، من وجهة نظرها، تهديدًا لأمنها، مضيفًا أن سوريا تجاهلت تلك التحذيرات وأن تل أبيب «لن تتسامح مع تهديدات لأمنها»، مع إبداء استعدادها للعودة إلى ما وصفته بالوضع القائم.

لكن «أكسيوس» أورد، نقلًا عن مصدر مطلع، أن الحكومة السورية كانت على علم بالمخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالقاعدة، وأن دمشق أرسلت رسائل إلى الجانب الإسرائيلي شرحت فيها أسباب إعادة تأهيل المدرج وأكدت عدم وجود نيات عدائية.

أنقرة تنفي وجود قوات تركية

في المقابل، نفى مسؤول تركي الرواية الإسرائيلية بشأن وجود تمركز عسكري تركي داخل قاعدة أبو الظهور. ونقل «أكسيوس» عنه قوله إنه «لم يكن هناك وجود تركي في القاعدة الجوية»، متهمًا إسرائيل باختلاق مبررات لضرب دول الجوار وزعزعة استقرار المنطقة.

كما أدانت وزارة الخارجية التركية الغارات، وقالت إنها تمثل انتهاكًا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وفي موقف سياسي أكثر اتساعًا، شددت أنقرة على دعمها لاستقرار سوريا ومواصلة التعاون مع الحكومة السورية في الملفات الأمنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، رافضةً التبريرات الإسرائيلية المرتبطة بالدور التركي في البلاد.

مخاوف داخل واشنطن من اتساع المواجهة

وأظهرت التطورات تباينًا بين واشنطن وتل أبيب بشأن تقدير الحاجة إلى العملية. وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم براك إن الإدارة الأميركية «قلقة بشدة» من الغارات، واصفًا إياها بأنها «تصعيد غير ضروري» لا يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.

وقال براك، في مقابلة مع وكالة رويترز، إن تركيا لم تتلق تحذيرًا مسبقًا بشأن الضربة، وإنها رصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالًا نحو حدودها، وهو ما كان يمكن أن يدفعها إلى الاستعداد لرد عسكري. وأضاف أن اتصالات جرت حالت دون تدهور الوضع إلى مواجهة أوسع.

وأوضح أن الغارات عكست «تصورًا، سواء كان دقيقًا أو خاطئًا»، لدى الجانب الإسرائيلي بأن تركيا قد تزيد وجودها في القاعدة خلال الفترة المقبلة، معتبرًا أن الحادث يؤكد ضرورة إنشاء آلية لمنع الاحتكاك تضم إسرائيل وتركيا وسوريا.

وأكد براك أن الولايات المتحدة تعمل بالفعل على إنشاء هذه الآلية، بهدف منع سوء التقدير أو تحول التحركات العسكرية إلى اشتباك غير مقصود. وأشار إلى أن واشنطن تسهّل حاليًا تبادل المعلومات والحوار، لكن المرحلة الجديدة تتطلب، وفق قوله، بنية أكثر متانة وموارد أكبر.

«أكسيوس»: تساؤلات أميركية عن البعد الانتخابي

وفي بعد سياسي داخلي إسرائيلي، نقل «أكسيوس» عن بعض كبار المسؤولين الأميركيين اعتقادهم بأن قرار تنفيذ الضربة ربما كان مدفوعًا جزئيًا بحسابات مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول. ويظل هذا التقدير رأيًا منسوبًا لمسؤولين أميركيين، وليس تفسيرًا معلنًا من الحكومة الإسرائيلية للعملية.

كما نقل الموقع عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الحكومة السورية لم تتخذ خطوات عدائية تجاه إسرائيل، وإن دمشق تعمل منذ أشهر على التوصل إلى تفاهم أمني جديد لخفض التوتر على الحدود.

ووفق مسؤول أميركي تحدث إلى الموقع، دفعت دمشق خلال الأسابيع الماضية باتجاه تنفيذ تفاهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل لإنشاء مركز تنسيق مشترك في الأردن يتولى إدارة الحوادث الأمنية ومنع التصعيد، ضمن ترتيبات تتضمن تجميد بعض الأنشطة العسكرية.

وأضاف المسؤول أن إسرائيل لم توافق على تشغيل مركز التنسيق بالشكل المطروح، فيما قالت مصادر أميركية إن إدارة ترامب طلبت من الحكومة السورية التحلي بضبط النفس وعدم الرد على التحركات الإسرائيلية، على أمل معالجة الخلاف عبر القنوات السياسية لاحقًا.

دمشق تنقل الملف إلى الأمم المتحدة

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية السورية الغارات ووصفتها بأنها «عدوان غير مبرر» وانتهاك لسيادة البلاد ووحدة أراضيها وتصعيد يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين. وقالت إن استمرار العمليات الإسرائيلية يتعارض، من وجهة نظرها، مع مساعي دمشق لخفض التصعيد وترسيخ الاستقرار.

ووفق الرواية السورية الرسمية، استهدفت ثماني غارات قاعدة أبو الظهور ومرافقها، في حين لم تسجل إصابات بشرية. ودعت دمشق مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف إزاء الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية.

وتتمسك دمشق كذلك بمطالبتها إسرائيل بالالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 والانسحاب من الأراضي السورية التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إضافة إلى موقفها المعروف بشأن الجولان المحتل.

قاعدة عسكرية في قلب تنافس إقليمي

وتأتي أزمة أبو الظهور في ظل توسع الدور التركي في سوريا بعد سقوط النظام السابق؛ إذ تقدم أنقرة دعمًا عسكريًا وسياسيًا للحكومة برئاسة أحمد الشرع، وتشارك في تدريب الجيش وإعادة بناء مؤسسات الدولة والبنية التحتية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل بحساسية إلى أي انتشار تركي، ولا سيما لمنظومات الدفاع الجوي، خشية أن يقيد قدرتها على العمل عسكريًا في المجال الجوي السوري.

وسبق أن أقامت تركيا وإسرائيل قناة اتصال فنية لمنع الاحتكاك في سوريا، لكن حادثة أبو الظهور أظهرت محدودية هذه الترتيبات؛ إذ يقول براك إن عدم إبلاغ تركيا مسبقًا كاد يؤدي إلى سوء تقدير عسكري بين الطرفين.

وبين مبررات إسرائيل الأمنية، والنفي التركي لوجود قوات في أبو الظهور، والموقف السوري الذي يعدّ الضربة انتهاكًا لسيادته، والقلق الأميركي من اتساع المواجهة، تتحول القاعدة الواقعة في إدلب إلى نقطة اختبار لمعادلة النفوذ الجديدة في سوريا، ولقدرة واشنطن على إدارة التنافس بين ثلاثة أطراف ترتبط معها بعلاقات وثيقة، ومنع انتقاله من خلاف سياسي وأمني إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - واسنطن/دمشق/أنقرة/القدس