في مشهد يعكس تداخل الأزمة الإنسانية والاقتصادية والأمنية في قطاع غزة، كشف تحقيق موسع لوكالة أسوشيتد برس، نُشر الخميس 20 آب/أغسطس 2026، عن اتساع شبكات تهريب السلع الخاضعة للمنع أو القيود الإسرائيلية، في وقت أعاد فيه الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) طرح اتهامات بشأن استخدام حركة حماس أجزاء من مجمع ناصر الطبي في خان يونس لأغراض أمنية، بالتزامن مع تصاعد الضربات الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار الهش ومساعي الوسطاء لدفع مسار التسوية إلى الأمام.
ويستند تحقيق أسوشيتد برس إلى وثائق قضائية إسرائيلية ومقابلات مع تجار وسائقي شاحنات ومسؤولين فلسطينيين وأمميين وسكان في غزة، ويخلص إلى أن التهريب تحول إلى مكوّن واسع في اقتصاد القطاع بعد نحو ثلاثة أعوام من الحرب والقيود المشددة على دخول البضائع. وتشمل السلع التي تصل بطرق غير رسمية السجائر والتبغ والوقود والهواتف الذكية وألواح الطاقة الشمسية وبطاريات السيارات والأدوية ومواد التخدير والمعدات الطبية ومواد البناء وقطع الغيار.
وتقول إسرائيل إن القيود تستهدف منع وصول مواد يمكن استخدامها عسكريًا، وتصنف نحو 150 فئة واسعة ضمن قائمة المواد "ذات الاستخدام المزدوج"، من بينها الخرسانة والأنابيب الفولاذية والأخشاب وبعض المعدات الطبية. وقالت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية لأسوشيتد برس إنها تسمح بدخول بعض هذه المواد في حالات محددة وتحت رقابة مشددة. وفي المقابل، يقول تجار وعاملون في المجال الإنساني إن إجراءات الموافقة قد تكون طويلة وغير واضحة، وقد تنتهي برفض الشحنات على أساس هذا التصنيف.
وبحسب وزارة الاقتصاد في غزة، سمحت السلطات الإسرائيلية لنحو 12 تاجرًا رئيسيًا باستيراد بضائع تجارية بصورة رسمية، لكن بعض التجار يلجأون بالتوازي إلى شبكات التهريب لتلبية الطلب على سلع يصعب أو يتعذر إدخالها عبر القنوات المعتمدة.
ولا تقتصر الحاجة إلى هذه الشبكات على الأسواق التجارية. فقد أفاد التحقيق بأن مستشفيات وجهات حكومية ومدنية طلبت عبرها أدوية ومعدات طبية ووقودًا وقطع غيار للمركبات والمولدات، كما طلب وجهاء محليون توفير أدوية تعاني مناطقهم نقصًا فيها. وقال تجار إنهم يرسلون قوائم بالسلع المطلوبة إلى وسطاء فلسطينيين وإسرائيليين يتولون شراءها وترتيب نقلها إلى داخل القطاع.
وتدخل غالبية المساعدات والبضائع التجارية عبر معبر كرم أبو سالم، حيث تخضع الشاحنات للتفتيش، إلا أن التحقيق يشير، استنادًا إلى شهادات ووثائق قضائية، إلى استخدام المهربين قنوات أخرى تشمل شاحنات تجارية ومركبات عسكرية، وفي حالات أقل شحنات مرتبطة بجهات إنسانية، مع دفع أموال لجنود وسائقين وعمال مستودعات ووسطاء لتسهيل مرور الشحنات.
وقالت أسوشيتد برس إن الجيش الإسرائيلي أبلغها بأنه يتعامل مع قضية التهريب "بجدية كبيرة"، وإن أي شبهات تتعلق بمشاركة أفراد من الجيش تُفحص وفق القانون، لكنه لم يجب عن أسئلة تفصيلية للوكالة بشأن حجم مشاركة الجنود أو طبيعة الشبكات العاملة.
وتكشف لوائح اتهام إسرائيلية منذ أواخر عام 2025 عن ملاحقة أكثر من عشرة أشخاص، بينهم جنود احتياط، على خلفية عمليات تهريب. وفي إحدى القضايا، تقول النيابة الإسرائيلية إن جندي احتياط تلقى ما يعادل نحو 120 ألف دولار لقاء إدخال ثلاث شحنات تضم قرابة ستة آلاف علبة سجائر، فيما نُسب إلى جنديين آخرين نقل نحو 20 ألف علبة سجائر ومئات أجهزة آيفون ومعدات طبية خلال أربع رحلات في يوم واحد. وتُظهر ملفات قضائية أخرى أرباحًا تقدر بملايين الدولارات لبعض المتهمين.
وأفاد تحقيق الوكالة بأن حكومة غزة التي تقودها حماس تحصل أيضًا على مبالغ مرتبطة بالسلع المهربة. وقال محمد بربخ، من وزارة الاقتصاد في غزة، إن السلطات تحصل على نسبة تصل إلى 20% من قيمة البضاعة المهربة إذا أبلغ التاجر عنها، وترتفع إلى 80% إذا كُشفت بضائع غير مُبلغ عنها. وقال إن السلطات لا تصف هذه المبالغ بأنها "ضرائب"، وإنها لا تدير عمليات التهريب التجاري مباشرة. كما قال مسؤولون في الإدارة إن الإيرادات تُستخدم في تمويل الخدمات العامة ورواتب العاملين، ونفى المكتب الإعلامي الحكومي توجيهها إلى الجناح العسكري لحماس.
ويقول تجار تحدثت إليهم الوكالة إن التهريب بات يشكل أكثر من نصف نشاط بعضهم، وقد يوفر أكثر من 70% من الأرباح، بينما تنتقل تكاليف شراء البضائع والنقل والعمولات والمدفوعات للوسطاء إلى المستهلك النهائي.
وبحسب التحقيق، وصل سعر بطارية السيارة في غزة إلى أكثر من 2300 دولار، مقارنة بنحو 140 دولارًا قبل الحرب، فيما ارتفع سعر ألواح الطاقة الشمسية إلى نحو 3.25 دولارات للواط من نحو 16 سنتًا سابقًا. أما السجائر، التي تمنع إسرائيل دخولها منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، فكانت من أكثر السلع ربحية؛ إذ وصل سعر العلبة مؤخرًا إلى نحو 140 دولارًا، وتجاوز ألف دولار خلال فترة الإغلاق الكامل للمساعدات والبضائع.
ويقول سكان إن ندرة سلع يومية أخرى رفعت أسعارها إلى مستويات يصعب تحملها. ومن بينها المراوح، التي يشير التحقيق إلى أن سعر بعضها ارتفع من نحو 100 دولار إلى قرابة 500 دولار، بينما يعيش عدد كبير من السكان في خيام وسط حرارة الصيف ونقص الكهرباء ومصادر الطاقة.
وفي موازاة الأزمة الاقتصادية، نشر الجيش الإسرائيلي والشاباك، الخميس، بيانًا قالا فيه إن لديهما معلومات استخبارية تفيد بأن أجهزة أمنية تابعة لحماس تجري تحقيقات داخل مجمع ناصر الطبي في خان يونس، بما في ذلك في الطابق الثاني من مبنى ياسين الذي يضم عيادات خارجية، واتهم البيان الحركة باستخدام أجزاء من المجمع للاستجواب وإساءة معاملة فلسطينيين وجمع أموال، إضافة إلى نشاط أمني لا يرتبط بالوظيفة الطبية للمستشفى. ولم يقدّم البيان المنشور أدلة مستقلة تتيح التحقق بصورة منفصلة من جميع تفاصيل هذه الاتهامات.
جيش الدفاع وجهاز الشاباك يكشفان: حركة حماس الإرهابية تجري تحقيقات أمنية وتعذيبات في مجمع ناصر الطبي بخانيونس
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) August 20, 2026
⭕️تلاحظ حركة حماس الإرهابية تراجعًا في التأييد لها في أوساط سكان قطاع غزة، وتخشى من فقدان سيطرتها على السكان. وعلى خلفية هذا التراجع، تكثّف حماس نشاط أجهزتها الأمنية… pic.twitter.com/7m9HyFDorw
وقال الجيش والشاباك إن عناصر من حماس توجد بصورة مستمرة في أجزاء من المجمع، واعتبرا ذلك امتدادًا لاستخدام منشآت مدنية في أنشطة أمنية وعسكرية. وسبق للجيش الإسرائيلي أن أعلن خلال الحرب أنه نفذ عمليات وضربات داخل مجمع ناصر أو في محيطه استنادًا إلى اتهامات مشابهة تتعلق بوجود عناصر أو بنى تابعة لحماس داخله.
غير أن معطيات مستقلة نُشرت قبل البيان الإسرائيلي الأخير تضيف سياقًا أكثر تعقيدًا. ففي تقرير صدر في حزيران/يونيو 2026، قالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إنها توصلت إلى "أسباب معقولة" للاعتقاد بأن عناصر من وحدة "سهم" المرتبطة بحماس استجوبت وأسـاءت معاملة مدنيين فلسطينيين داخل مجمع ناصر خلال عامي 2024 و2025. وفي الوقت نفسه، شددت اللجنة على أن الوقائع التي وثقتها لا تُعد في ذاتها أعمالًا عسكرية ضد إسرائيل، وبالتالي لا تؤدي تلقائيًا إلى فقدان المستشفى الحماية المقررة للمنشآت الطبية بموجب القانون الدولي الإنساني.
ويأتي تجدد السجال حول مجمع ناصر فيما ارتفعت وتيرة الضربات الإسرائيلية في القطاع خلال الأيام الأخيرة. وقالت مصر وقطر وتركيا، وهي الدول المنخرطة في جهود الوساطة، الخميس، إن تكثيف الهجمات الإسرائيلية يقوض جهود تنفيذ الخطة الرامية إلى إنهاء النزاع، ودعت إسرائيل إلى الالتزام بوقف إطلاق النار وتجنب خطوات قد تدفع إلى مزيد من التصعيد. وبحسب رويترز، قُتل ما لا يقل عن 16 فلسطينيًا في ضربات إسرائيلية منذ الثلاثاء، فيما تقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر من حماس.
وكانت غارة إسرائيلية قد أصابت، الأربعاء 19 آب/أغسطس، مقرًا للشرطة البلدية في مدينة غزة، ما أدى إلى مقتل تسعة فلسطينيين، وفق مصادر طبية. وقالت وزارة الداخلية في غزة إن ثمانية من القتلى ضباط في الشرطة وإن من بين القتلى أيضًا فتاة تبلغ 13 عامًا. وقال الجيش الإسرائيلي من جهته إنه استهدف عناصر من حماس قال إنها كانت تعمل من داخل مقر الشرطة للتحضير لهجمات ضد قواته.
وتتواصل هذه التطورات في ظل خلافات بشأن تنفيذ المرحلة التالية من الترتيبات الخاصة بغزة. وتتضمن خريطة طريق أُعلنت في 30 تموز/يوليو نزع أسلحة حماس والفصائل بصورة مرحلية بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق القطاع ووقف العمليات العسكرية، بينما يرفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هذا التسلسل ويشترط استكمال نزع سلاح حماس قبل أي انسحاب إسرائيلي إضافي. وتقول حماس إنها تطالب في المقابل بالتزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتنفيذ الانسحاب، فيما ما تزال المفاوضات حول ترتيب الخطوات وآلية التنفيذ متعثرة.
وبذلك تتقاطع في غزة أزمتان مترابطتان: قيود على حركة السلع أسهمت، وفق تحقيق أسوشيتد برس، في توسيع سوق موازية تمر عبرها احتياجات تجارية وإنسانية وتحقق أرباحًا كبيرة لأطراف متعددة على جانبي الحدود وداخل القطاع؛ وتصعيد أمني مستمر يضع المؤسسات المدنية، بما فيها المستشفيات والشرطة، في قلب النزاع بشأن طبيعة استخدامها والحماية التي تتمتع بها.
وبالنسبة للسكان، تبقى النتيجة الأكثر مباشرة هي ارتفاع كلفة الحياة اليومية وتراجع إمكانية الوصول إلى الغذاء والدواء والطاقة ووسائل التبريد والنقل. وكلما ضاقت القنوات الرسمية لدخول سلعة يحتاج إليها السوق، ارتفعت قيمتها في الاقتصاد غير الرسمي واتسعت دائرة الوسطاء والمستفيدين، فيما يتحمل المستهلك في نهاية السلسلة جانبًا كبيرًا من تكاليف الندرة والمخاطر والعمولات.
