دخل التوتر الإسرائيلي–التركي حول سوريا مرحلة أكثر حدة، بعدما تحولت الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة بشأن حدود النفوذ التركي في سوريا، بالتوازي مع تقارير إسرائيلية عن قلق متزايد من نشاط البحرية التركية في شرق البحر المتوسط.
وقالت وزارة الدفاع التركية، الخميس 20 آب/أغسطس، إن أنقرة ستواصل دعم سوريا في تطوير قدراتها العسكرية وإعادة بناء بنيتها التحتية الدفاعية، رافضة المبررات الإسرائيلية للغارات التي استهدفت قاعدة أبو الظهور شمال غربي سوريا قبل يومين. وأكدت أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يمثل تهديدًا لاستقرار سوريا والمنطقة، ودعت المجتمع الدولي إلى موقف أكثر فاعلية تجاهها.
وجاء الموقف التركي بعد تحذير مباشر من وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس للرئيس رجب طيب أردوغان، اتهمه فيه بـ"جر تركيا إلى مغامرات خطيرة في سوريا"، وقال إن إسرائيل لن تسمح لأي طرف بتهديد أمنها، محذرًا أنقرة من اختبار ما وصفه بإصرار إسرائيل على الدفاع عن نفسها.
وهكذا تجاوز الخلاف مسألة قاعدة عسكرية بعينها، ليكشف بصورة أوضح صراعًا على شكل التوازن الأمني في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ باتت إسرائيل تنظر إلى تصاعد النفوذ التركي وعلاقات أنقرة العسكرية مع حكومة الرئيس أحمد الشرع باعتباره تحديًا أمنيًا جديدًا، بعد سنوات تركزت فيها ضرباتها داخل سوريا على مواجهة إيران وحزب الله.
روايتان متعارضتان حول الوجود التركي
ويتمحور الخلاف المباشر حول قاعدة أبو الظهور التي قصفتها إسرائيل بثماني غارات استهدفت مدارجها ومنشآتها، من دون تسجيل خسائر بشرية، وفق المصادر السورية. وقالت إسرائيل إن الهجوم استهدف منع انتشار عسكري تركي وشيك في القاعدة، معتبرة أن ذلك كان سيشكل تهديدًا لأمنها.
في المقابل، قالت وزارة الدفاع التركية إنه لم يكن هناك وفد عسكري تركي في القاعدة قبل الغارات أو خلالها، وشددت على أن تعاونها مع دمشق يستهدف مساعدة سوريا على بناء قدراتها العسكرية والسيادية.
لكن تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني كشفت تفصيلًا أكثر تعقيدًا؛ إذ أكد أن ضباطًا أتراكًا زاروا القاعدة قبل عدة أيام من الهجوم، لكنه قال إن الزيارة جاءت ضمن التعاون القائم في مجالات التدريب وتبادل الخبرات، ونفى وجود أي خطة لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات تركية دائمة في الموقع.
وأكد الشيباني أن أبو الظهور كانت لا تزال قيد إعادة التأهيل ولم تصبح قاعدة تشغيلية كاملة، معتبرًا أن إسرائيل لم تكن تملك مبررًا مشروعًا لشن الهجوم.
دمشق: إسرائيل كانت تعرف طبيعة النشاط
والأكثر حساسية في الرواية السورية أن دمشق تقول إنها أبلغت الجانب الإسرائيلي قبل الغارة بطبيعة النشاط في أبو الظهور، وأوضحت أن القاعدة ستبقى تحت السيادة والسيطرة السورية، وأنه لا توجد خطة لوجود تركي دائم فيها.
وقال الشيباني إن سوريا وإسرائيل كانتا على اتصال خلال الأيام التي سبقت الهجوم، وإن الجانب السوري قدم توضيحات بشأن أعمال إعادة تأهيل القاعدة. وأضاف أن المفاوضات الأمنية التي جرت بوساطة أميركية على مدار نحو عام حققت تقدمًا ووصلت إلى صيغة مكتوبة، قبل أن تتراجع إسرائيل، بحسب روايته، عن التزامات سبق التوصل إليها.
وهذه الرواية، إذا أخذت إلى جانب المبررات الإسرائيلية، تجعل جوهر الأزمة أبعد من مجرد سوء تقدير استخباري؛ إذ تكشف خلافًا حول من يملك حق تحديد حجم وشكل العلاقات العسكرية السورية مع تركيا، وحدود ما تعتبره إسرائيل تهديدًا يسمح لها باستخدام القوة داخل الأراضي السورية.
اتصال نادر بين الموساد ودمشق قبل الضربة
وقبل أيام من الغارة، انتقل الخلاف إلى قناة اتصال أمنية مباشرة. ونقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن رئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمانئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان تحدث هاتفيًا مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 14 آب/أغسطس، وبحث الطرفان مسألة الوجود العسكري التركي في سوريا.
ويكتسب الاتصال أهمية إضافية لأنه جرى قبل أربعة أيام فقط من استهداف أبو الظهور، ما يؤكد أن الملف التركي كان حاضرًا بقوة في الاتصالات الأمنية بين دمشق وتل أبيب قبل انتقال إسرائيل إلى الخيار العسكري.
في الوقت نفسه، تعمل واشنطن على إقامة آلية أكثر وضوحًا لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا. وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إن أنقرة لم تُبلغ مسبقًا بالغارات، وإن رصد الطائرات الإسرائيلية وهي تتجه شمالًا كان يمكن أن يدفع تركيا إلى الاستعداد لرد عسكري، قبل أن يجري احتواء الموقف. ووصف باراك الضربة بأنها "تصعيد غير ضروري".
القلق الإسرائيلي يمتد إلى البحر
ولا ينحصر التوتر في الأجواء السورية. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية تتابع بقلق تزايد نشاط الأسطول التركي في شرق البحر المتوسط، وسط تسجيل حوادث تحركت فيها قطع بحرية تركية بالقرب من سفن إسرائيلية في المياه الدولية.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، اقتربت سفن تركية في عدة مناسبات من سفن إسرائيلية في خطوات فُسرت في تل أبيب على أنها محاولة لإظهار الحضور والقوة. ولم يصدر تأكيد تركي رسمي لهذه الرواية، ما يجعلها حتى الآن ضمن التقييمات والتقارير الإعلامية الإسرائيلية، وليس إعلانًا عن مواجهة بحرية مباشرة.
سوريا تتحول إلى ساحة اختبار بين القوتين
وتكشف التطورات الأخيرة أن التنافس التركي–الإسرائيلي لم يعد خلافًا دبلوماسيًا حول سياسات كل طرف، بل بات يرتبط بالانتشار العسكري وقواعد النفوذ وخطوط الأمن في سوريا وشرق المتوسط.
فأنقرة تؤكد أن تعاونها مع دمشق سيستمر وأن لسوريا الحق في إعادة بناء جيشها وعلاقاتها الدفاعية، بينما ترسم إسرائيل عمليًا خطوطًا حمراء أمام أي انتشار تركي تعتبره قريبًا من مجالها الأمني، وتُظهر غارة أبو الظهور استعدادها لاستخدام القوة لمنع ما تراه تغيرًا في ميزان النفوذ.
وبين الروايتين، تحاول واشنطن بناء آلية تمنع تحوّل الرسائل العسكرية إلى احتكاك مباشر. لكن الضربة الإسرائيلية، والرد التركي، والاتصالات الأمنية السرية، والقلق المتبادل في شرق المتوسط تظهر جميعها أن سوريا أصبحت إحدى ساحات الاختبار الرئيسية لصراع النفوذ بين قوتين إقليميتين حليفتين لواشنطن، لكنهما تتحركان وفق حسابات أمنية متعارضة بصورة متزايدة.
