أرزيقات: لن نحمّل المعلم وحده كلفة الأزمة.. ثلاثة أيام حد أدنى والراتب الكامل بوابة التعليم الكامل

الأمين العام لاتحاد المعلمين الفلسطينيين سائد أرزيقات.jpg

اتحاد المعلمين: ثلاثة أيام حد أدنى للدوام ومراجعة النظام فور تحسن الرواتب.. وأرزيقات: لن نتخلى عن الحقوق ولا عن التعليم

أكد الأمين العام لاتحاد المعلمين الفلسطينيين سائد أرزيقات أن العام الدراسي الجديد سينطلق وفق نظام يقوم على ثلاثة أيام دوام أسبوعياً كحد أدنى، في ظل استمرار أزمة الرواتب والأوضاع المالية الصعبة، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذا الترتيب ليس نهائياً، وأن الاتحاد سيعيد النظر في عدد أيام الدوام فور حدوث أي تحسن في نسب صرف الرواتب أو توفير مصادر تمويل إضافية لدعم العملية التعليمية.

وقال أرزيقات، خلال مقابلة رصدتها «وكالة قدس نت للأنباء» ضمن برنامج «تفاصيل» على شاشة تلفزيون فلسطين عشية انطلاق العام الدراسي، إن الاتحاد يتمسك بمبدأين متوازيين: حق المعلم في راتبه الكامل وحقوقه المالية والإدارية، وحق الطالب في تعليم منتظم ونوعي، مؤكداً أن الأزمة لا يمكن معالجتها بإلغاء أحد الحقين لمصلحة الآخر.

وأوضح أن التعليم لم يعد شأناً يخص المعلمين وحدهم، بل قضية مجتمعية تمس أكثر من مليون طالب وأسرهم، في وقت يواجه فيه قطاع التعليم تحديات مركبة، تشمل الأزمة المالية، وعدم انتظام الرواتب، والقيود المفروضة على الحركة في الضفة الغربية، إضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التعليمية في قطاع غزة.

أزمة الرواتب تضغط على المعلمين

وأشار أرزيقات إلى أن الأزمة المالية الممتدة منذ سنوات تركت آثاراً عميقة على حياة الموظفين عموماً والمعلمين بصورة خاصة، لا سيما في ظل صرف نسب محدودة من الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة والمواصلات وأقساط الجامعات والاحتياجات المدرسية.

وقال إن المعلم أصبح أمام التزامات يومية متزايدة، تشمل توفير احتياجات أسرته ومصاريف أبنائه في المدارس والجامعات، بينما يستمر في أداء واجبه رغم الظروف المالية الصعبة.

وأضاف أن الأزمة لم تعد ظرفاً قصير الأجل يمكن تجاوزه بالاستدانة أو تأجيل الالتزامات، بل تحولت إلى أزمة مزمنة انعكست على الدورة الاقتصادية والاجتماعية وعلى قدرة الموظفين على تلبية أبسط متطلبات الحياة.

ورغم ذلك، شدد على أن المعلمين أثبتوا خلال السنوات الماضية قدرتهم على الاستمرار في أداء رسالتهم، قائلاً إن المعلم الفلسطيني بقي في المدرسة «رغم كل المعيقات والهموم والأزمات»، انطلاقاً من مسؤوليته تجاه الطلبة والمجتمع.

ثلاثة أيام «حد أدنى» وليست سقفاً للدوام

وفي ملف الدوام المدرسي، أوضح أرزيقات أن الاتحاد اعتمد ثلاثة أيام أسبوعياً كحد أدنى في ظل الظروف الحالية، لكنه دعا المعلمين القادرين على زيادة أيام الدوام إلى أربعة أو خمسة أيام إلى التنسيق مع إدارات مدارسهم والقيام بذلك بصورة طوعية.

وأشار إلى أن تجربة العام الماضي أظهرت أن مئات المدارس انتقلت فعلياً إلى أربعة أيام، وبعضها إلى خمسة أيام، نتيجة مبادرات من المعلمين والإدارات والمجتمعات المحلية.

وأكد أن الاتحاد لا يريد فرض أيام إضافية على المعلمين في ظل عدم انتظام الرواتب، لكنه في الوقت نفسه يشجع كل مبادرة تستطيع تقليص الفاقد التعليمي، خصوصاً أن الطالب هو الأكثر تأثراً بأي انقطاع في العملية التعليمية.

وقال إن الفاقد التعليمي المتراكم منذ جائحة كورونا وما أعقبها من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية لا يمكن معالجته دفعة واحدة، لكنه يستوجب العمل على تقليل آثاره تدريجياً.

وأضاف أن الاتحاد يدرك الفرق بين طبيعة العمل في المؤسسات الحكومية الأخرى والتعليم، موضحاً أن تأجيل معاملة إدارية يمكن تعويضه في يوم لاحق، بينما فقدان درس في الرياضيات أو العلوم أو غيرهما قد يتحول إلى فجوة تعليمية تراكمية لدى الطالب.

مشروع بـ20 مليون يورو لإضافة يوم دراسي

وكشف أرزيقات عن مساعٍ جرت بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لإعداد مشروع تحت عنوان «تعافي التعليم في فلسطين»، يقوم على توفير تمويل خارجي يسمح بإضافة يوم دراسي رابع باعتباره عملاً إضافياً خارج إطار الراتب الحكومي.

وأوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى حاجة المشروع إلى نحو 20 مليون يورو لمدة أربعة أشهر، على أن يتم البحث عن التمويل من مؤسسات دولية ودول مانحة لها برامج سابقة في دعم التعليم الفلسطيني.

وأكد أن الفكرة جاءت بعد رفض الحكومة مقترحاً سابقاً للاتحاد برفع الحد الأدنى لنسبة الراتب المصروفة للمعلمين بصورة خاصة، إذ تمسكت الحكومة بمبدأ عدم التمييز بين موظفي القطاع العام.

وقال إن الاتحاد بحث لذلك عن مسار بديل لا يمس مبدأ المساواة بين الموظفين، بحيث يُموّل اليوم الإضافي من مشروع مستقل للتعافي التعليمي.

وأضاف أن المبادرة لم تحصل حتى الآن على التمويل المطلوب، إلا أن الاتصالات بشأنها لا تزال قائمة، مؤكداً أنه في حال نجاحها يمكن زيادة عدد أيام الدوام فوراً.

«إذا تحسنت الرواتب سنعيد النظر فوراً»

وشدد أرزيقات على أن نظام الأيام الثلاثة مرتبط بصورة مباشرة بالواقع المالي، وليس موقفاً تربوياً دائماً للاتحاد.

وقال إن أي تحسن في نسبة صرف الرواتب سيدفع الاتحاد إلى إعادة تقييم النظام وزيادة عدد أيام الدراسة، وصولاً إلى انتظام الأسبوع المدرسي بصورة كاملة متى سمحت الظروف.

وأكد أن الاتحاد يأمل في تجاوز الأشهر الثلاثة أو الأربعة الأولى من العام الدراسي بأقل الخسائر الممكنة، على أن تتم مراجعة الترتيبات تبعاً لأي تطور في الأزمة المالية أو أموال المقاصة.

وعبر عن أمله بأن يشهد عام 2027 انفراجاً سياسياً واقتصادياً ومالياً ينعكس على انتظام الرواتب والعملية التعليمية.

حوار مستمر مع الحكومة

وقال أرزيقات إن الحوار بين اتحاد المعلمين والحكومة ووزارتي التربية والتعليم والمالية «لم ينقطع»، وإن الاتحاد يتابع بصورة متواصلة ملف الرواتب والمستحقات.

وأوضح أن الاتحاد لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها خلافاً حصرياً مع الحكومة، بل يربط جانباً أساسياً منها باستمرار احتجاز أموال المقاصة وما ترتب عليه من عجز مالي واسع يمس مختلف موظفي القطاع العام.

وفي الوقت نفسه، أكد أن الاتحاد لن يتردد في مواجهة الحكومة إذا رأى وجود تقصير يمكن معالجته داخلياً، قائلاً إن دوره النقابي يفرض الدفاع عن حقوق المعلمين المالية والإدارية بصرف النظر عن طبيعة العلاقة مع أي وزير أو مسؤول.

وأضاف أن الاتحاد ليس جزءاً إدارياً من وزارة التربية والتعليم، لكنه حاضر في القضايا التي تمس حقوق المعلمين أو جوهر العملية التعليمية، ويشارك في النقاشات المتعلقة بالقرارات ذات الأثر المباشر على الهيئة التدريسية.

العلاقة مع وزارة التربية.. تفاهم وخلاف

وكشف أرزيقات أن العلاقة مع وزارة التربية والتعليم شهدت في بعض المراحل تبايناً حاداً في المواقف، مشيراً إلى أن الخلاف في العام الماضي حول اعتماد ثلاثة أو أربعة أيام للدوام أدى إلى توتر استمر فترة قبل الوصول إلى صيغة وسط تقوم على ثلاثة أيام مع إتاحة اليوم الرابع بصورة طوعية.

وأوضح أن موقفه الشخصي قد يختلف أحياناً عن موقف الاتحاد، لكنه بصفته أميناً عاماً ملزم بالتعبير عن القرار المؤسسي الصادر عن هياكل الاتحاد وفروعه.

وقال إن وزارة التربية تأخذ بملاحظات الاتحاد في نسبة كبيرة من الملفات الإستراتيجية، وإن هناك تشاوراً مستمراً مع وزير التربية والتعليم، رغم وقوع خلافات من حين إلى آخر.

انتقادات لأداء الاتحاد.. وأرزيقات يرد

وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى اتحاد المعلمين، قال أرزيقات إنه لا توجد مؤسسة تحظى برضا كامل في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.

وأوضح أن جزءاً من غضب المعلمين يعود إلى توقعاتهم بأن الاتحاد قادر بمفرده على تأمين راتب كامل أو رفع نسبة الصرف، بينما تتجاوز الأزمة المالية إمكانات أي جسم نقابي.

وأضاف أن المعلمين ينظرون إلى الاتحاد باعتباره جسماً قوياً يمتلك القدرة على التواصل مع الحكومة والقيادة، ولذلك ترتفع سقوف توقعاتهم منه.

وأكد أن الاتحاد يشارك المعلمين الظروف نفسها، وأن قياداته ليست منفصلة عن أزمة الرواتب وارتفاع الأسعار وأقساط الجامعات والالتزامات المعيشية.

وانتقد في المقابل بيانات تصدر عن حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي وتدعو إلى تعطيل العام الدراسي، معتبراً أن بعض هذه الحسابات لا يمثل بالضرورة معلمين حقيقيين، ومشيراً إلى تكرار الظاهرة قبيل بداية الأعوام الدراسية خلال السنوات الماضية.

أقساط الجامعات لأبناء المعلمين

وتطرق أرزيقات إلى ملف تسجيل أبناء المعلمين في الجامعات من خلال المستحقات المالية المتراكمة لهم على الحكومة، موضحاً أن هذه الآلية أسهمت خلال العامين الماضيين في تخفيف العبء عن آلاف الأسر.

وقال إن الاتحاد يتابع مع وزارة التربية والتعليم ووزارة المالية والجامعات إصدار رابط التسجيل الجديد، متوقعاً الإعلان عنه قريباً لتمكين أبناء المعلمين من التسجيل وتسديد الرسوم من مستحقات ذويهم.

وأشار إلى أن تأخر الأمر يرتبط جزئياً بالمبالغ المستحقة للجامعات لدى الحكومة، لافتاً إلى تفاوت مستوى تعاون المؤسسات الجامعية مع الطلبة.

وطالب الجامعات بتحمل مسؤوليتها الوطنية والمجتمعية، وعدم وضع عراقيل أمام الطلاب، خصوصاً في ظل الأزمة المالية العامة وعجز العديد من الأسر عن دفع الأقساط نقداً.

وأكد أن الاتحاد يعمل مع وزارة المالية على تسديد دفعات إضافية للجامعات حتى تتمكن من استكمال إجراءات التسجيل بصورة متساوية بين الطلبة.

معالجة قضايا الشيكات والتنفيذ

وتناول أرزيقات الأزمة القانونية والمالية التي يواجهها بعض المعلمين نتيجة الشيكات المرتجعة والديون المتراكمة، موضحاً أن الاتحاد درس إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية لوقف التنفيذ على شيكات المعلمين، لكنه تراجع عن هذا المسار لأن وقف التنفيذ بصورة عامة قد يضر بحقوق أطراف أخرى ويؤثر في الدورة المالية.

وقال إن الاتحاد اتجه بدلاً من ذلك إلى التعاون مع نقابة المحامين وتشكيل إطار لمتابعة القضايا بحسب المحافظات، والسعي إلى تسويتها بصورة ودية مع أصحاب الحقوق والمحامين.

وأشار إلى وجود تعاون في بعض الحالات مع الشرطة والجهات المختصة لتجنب توقيف المعلمين ما أمكن، مؤكداً أن غالبية القضايا يجري التعامل معها بالتسويات، فيما تبقى بعض الحالات أكثر تعقيداً.

وشدد على أن الحل الجذري لهذه المشكلات يتمثل في انتظام صرف الرواتب وتسديد المستحقات المتراكمة للموظفين.

«تعدد مصادر التعلم» لا يعني إلغاء الكتاب

وفي الملف التربوي، أكد أرزيقات أن مشروع تعدد مصادر التعلم لا يعني إلغاء الكتاب المدرسي أو القلم والدفتر، منتقداً الطريقة التي طرحت بها الفكرة إعلامياً وما تسبب به ذلك من حالة من الارتباك والجدل.

وأوضح أن الفكرة الأصلية تقوم على بقاء الكتاب والمنهاج مرجعاً أساسياً، مع تعزيز المحتوى بمصادر رقمية وتكنولوجية ووسائل تعليمية إضافية.

وأكد ضرورة ضمان العدالة بين الطلبة، مشيراً إلى أن توفر الإنترنت والتكنولوجيا يختلف من منطقة إلى أخرى، وبالتالي لا يمكن بناء منظومة تعليمية تعتمد بصورة كاملة على أدوات لا تتاح لجميع الطلاب بالدرجة نفسها.

وقال إن التجربة يجب أن تطبق بصورة تدريجية، وأن تعميم أي نموذج على آلاف المدارس ينبغي أن يسبقه اختبار أوسع ودراسات معمقة لنتائجه.

وانتقد الانتقال السريع من تجربة محدودة إلى تعميم واسع، داعياً إلى توسيع التجارب على مراحل قبل اتخاذ قرار شامل.

دعوة إلى التدرج في تطوير «التوجيهي»

وفي السياق ذاته، قال أرزيقات إنه نصح وزارة التربية بالتدرج في أي تغييرات تتعلق بامتحان الثانوية العامة أو التحول الإلكتروني، وعدم إطلاق عدة مشاريع إصلاحية كبرى في عام واحد.

وأشار إلى تجربة الامتحانات الإلكترونية وما رافق بعض مراحلها من مشكلات فنية وضغط على المنصات الإلكترونية، مؤكداً أن الوزارة استفادت لاحقاً من الأخطاء وعالجت جوانب تقنية منها.

وشدد على أن أي تحول في نظام الثانوية العامة يحتاج إلى إعداد مجتمعي وتربوي مسبق، لأن الامتحان لا يمس الطلبة فقط بل عشرات آلاف الأسر والمجتمع بأسره.

الكتب المدرسية موجودة والتأخير مرتبط بالتمويل

ونفى أرزيقات ما يتردد عن عدم وجود كتب مدرسية بسبب مشروع تعدد مصادر التعلم، موضحاً أنه شاهد عمليات توريد للكتب إلى مديريات التربية، وأن جزءاً منها طُبع وبدأ توزيعه.

وقال إن أي تأخير في بعض الكميات يرتبط بصورة أساسية بتكاليف الطباعة وتحويل المستحقات المالية للمطابع، وليس بقرار لإلغاء الكتب.

وانتقد في هذا السياق ضعف التواصل الإعلامي في بعض القضايا التربوية، مؤكداً أن التصريح غير الدقيق أو التأخر في توضيح القرارات يفتح الباب أمام الإشاعات والتأويلات ويضع المؤسسات تحت ضغط كان يمكن تجنبه.

ودعا إلى سرعة تقديم المعلومات للرأي العام بلغة واضحة ودقيقة، خاصة في الملفات الحساسة التي تمس كل أسرة فلسطينية.

«التعليم رأس مالنا»

وفي ختام حديثه، أكد أرزيقات أن الاتحاد سيواصل المطالبة بحقوق المعلمين، وفي الوقت نفسه سيعمل على حماية العملية التعليمية من الانهيار.

وقال إن الرسالة الأساسية مع بداية العام الدراسي هي أن «التعليم هو رأس مال الفلسطينيين وأبناؤنا هم رأس مالنا»، داعياً المعلمين والأهالي والمؤسسات إلى التعاون لتجاوز المرحلة الحالية.

وأضاف أن الاتحاد يريد افتتاح المدارس واستقبال الطلبة مع بداية العام الدراسي، على أن يستمر العمل وفق الحد الأدنى المقرر بثلاثة أيام أسبوعياً، مع فتح المجال أمام المدارس والمعلمين القادرين على زيادة الدوام طوعاً.

وأكد أن هذه الصيغة ستبقى قابلة للمراجعة «في أي لحظة» إذا تحسنت الرواتب أو توفرت إمكانات مالية جديدة، مشدداً على أن الاتحاد لن يساوم على حقوق المعلمين، لكنه في الوقت ذاته لا يريد أن يفقد المجتمع الفلسطيني التعليم في ظل ما يواجهه من أزمات وتحديات.

واختصر أرزيقات موقف الاتحاد بالجمع بين المطلب النقابي والواجب التربوي: راتب كامل وتعليم كامل، والعمل في المرحلة الراهنة على تحقيق أكبر قدر ممكن من انتظام التعليم بأقل ضرر ممكن إلى حين معالجة الأزمة المالية بصورة جذرية.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - رام الله