من نفي التحذير إلى مطاردة الصحافة: الليكود يحوّل أسئلة إخفاق 7 أكتوبر إلى «مؤامرة انتخابية»

لقاء جمع دحلان بوفد من الباحثين من معهد فيلوس لخلق القادة وبناء المجتمع.jpg

بعد تقرير «هآرتس» عن تحذير إماراتي سبق هجوم 7 أكتوبر، انتقل نتنياهو والليكود من النفي القاطع إلى اتهام صحافيين ومعارضين ومحمد دحلان بالتدخل في الانتخابات. لكن تحديثات نشرتها وسائل إعلام عبرية، وفي مقدمتها «يديعوت أحرونوت»، أكدت أن تحذيرًا إماراتيًا وصل بالفعل إلى إسرائيل، فيما بقيت مسألة المكالمة المباشرة بين محمد بن زايد ونتنياهو موضع تنازع.

صعّد حزب الليكود، مساء الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر 2026، حملته ضد التحقيق الذي نشرته صحيفة «هآرتس» بشأن تحذير أمني قيل إن رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، نقله إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، محولًا المواجهة من نقاش حول مضمون التحذير وما إذا كان وصل إلى نتنياهو، إلى اتهامات واسعة بوجود «تدخل أجنبي» يستهدف نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

واللافت أن تصعيد الليكود جاء بالتزامن مع تطور صحافي يزيد القضية تعقيدًا، إذ نشرت «يديعوت أحرونوت/ynet»، الأربعاء، إفادة مصدر استخباراتي رفيع في الشرق الأوسط أكد أن الإمارات نقلت، قبل هجوم 7 أكتوبر، تحذيرًا إلى إسرائيل استند إلى مصدر وصفه بأنه «موثوق جدًا»، ومفاده أن حركة حماس تستعد لتحرك كبير وقريب. ولم يؤكد المصدر أن التحذير نُقل خلال مكالمة مباشرة بين محمد بن زايد ونتنياهو، لكنه أكد جوهرًا مركزيًا في القصة: وجود معلومة تحذيرية إماراتية ونقلها إلى الجانب الإسرائيلي.

هذا التطور يضع النفي المطلق الصادر عن نتنياهو أمام اختبار أكثر تعقيدًا؛ إذ إن مكتب رئيس الحكومة لم يكتف بنفي المكالمة مع بن زايد، بل نفى كذلك تلقي نتنياهو أي تحذير من الإمارات. وفي المقابل، لم يصدر عن أبو ظبي نفي مماثل لمضمون نقل المعلومات، بل قال بيان إماراتي إن الحكومة لا تعلق على «القصص الإعلامية أو التكهنات المتعلقة بمحادثات قادة الدول»، مضيفًا أن الأجهزة في الإمارات وإسرائيل تحافظ على قنوات اتصال مباشرة، وأن «كل المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة» نُقلت عند الحاجة.

الليكود يبدّل ساحة المواجهة

بدل حصر الرد في تقديم أدلة تنفي وقوع الاتصال المزعوم أو تفنيد مسار وصول التحذير، ذهب الليكود إلى اتهام القيادي الفلسطيني محمد دحلان، المقيم في الإمارات، بالوقوف خلف المعلومات التي وصلت إلى الصحافيين شلومي إلدار وروتي يوفال، واعتبر أن ما يجري يمثل «تدخلًا أجنبيًا سافرًا في الانتخابات الإسرائيلية».

وزعم الحزب أن دحلان يسعى إلى إسقاط حكومة اليمين برئاسة نتنياهو لأنه يطمح إلى لعب دور مركزي في مستقبل قطاع غزة، وربط ذلك مباشرة بخصوم نتنياهو في الداخل الإسرائيلي، متهمًا دحلان بأنه يحتاج إلى حكومة تضم غادي آيزنكوت ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان والأحزاب العربية كي تنسحب إسرائيل من غزة وتتيح له السيطرة عليها.

لكن بيان الليكود، على الرغم من خطورة الاتهام، لم يعرض دليلًا منشورًا يثبت أن دحلان هو الذي زود «هآرتس» بالمعلومات، أو أنه نسق مع الصحافيين، أو أن اتصالًا سياسيًا أو ماليًا جرى بهدف التأثير في الانتخابات.

صحيح أن اسم دحلان ليس منفصلًا كليًا عن التطورات السياسية الفلسطينية الراهنة. فقد أفادت تقارير عبرية حديثة، استنادًا إلى وسائل إعلام فلسطينية وعربية، بوجود مشاورات حول قائمة أو ائتلاف انتخابي واسع قد يجمع تيار دحلان مع حماس وفصائل أخرى في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المرتقبة. كما رصدت دراسات إسرائيلية اتصالات فعلية بين حماس والتيار الإصلاحي في فتح المحسوب على دحلان. غير أن وجود هذه الاتصالات لا يقدم، بحد ذاته، دليلًا على صلة دحلان بتحقيق «هآرتس».

وبذلك، يخلط خطاب الليكود بين وقائع سياسية منفصلة وبين استنتاج أكثر خطورة لم يقدم عليه حتى الآن دليلًا علنيًا: أن هذه الوقائع تشكل معًا عملية منظمة للتدخل في الانتخابات الإسرائيلية.

الهجوم على الصحافي بدل الإجابة عن مضمون التحقيق

ووسّع الليكود هجومه ليشمل الصحافي شلومي إلدار شخصيًا، متهمًا إياه بتلقي أموال من جمعية يسارية مرتبطة بحزب «الديمقراطيون» بهدف نشر ما وصفه بـ«الفرية».

وجاء الاتهام بعد نشر الصحافي في القناة 14 يشاي فريدمان معلومات قال فيها إن إلدار أقر بتلقي أموال من جمعية «درخينو» مقابل بودكاست مرتبط بالموضوع. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقًا هذا الإقرار. إلا أن المعطيات المنشورة لا تثبت أن الأموال كانت مقابل تحقيق «هآرتس» نفسه، ولا أن الصحيفة تلقت تمويلًا مقابل النشر، ولا أن المقابل المالي كان مشروطًا بمضمون التحقيق. والفارق هنا جوهري صحافيًا وقانونيًا بين تمويل إنتاج بودكاست أو نشاط إعلامي وبين شراء تحقيق صحافي أو اختلاق معلومات.

وهذا التفريق غاب عن بيان الليكود، الذي قدم العلاقة المالية بوصفها جزءًا من رواية سياسية متكاملة عن «حملة انتخابية»، من دون نشر مستندات تثبت الانتقال من وجود تعاون إعلامي منفصل إلى اتهام بالتآمر على الانتخابات.

غولان ورونين بار: زيارتان منفصلتان تتحولان إلى علامة استفهام سياسية

كما زج الليكود باسم رئيس حزب «الديمقراطيون»، يائير غولان، والرئيس السابق للشاباك رونين بار، مشيرًا إلى أنهما زارا الإمارات سرًا قبل عدة أشهر، قبل أن يسأل: هل توجد صلة بين الزيارتين وبين نشر تحقيق «هآرتس»؟

هنا أيضًا، توجد خلفية واقعية جزئية، لكن الاستنتاج الذي يطرحه الليكود لم يُثبت.

فقد كشفت القناة 13 في حزيران/ يونيو الماضي أن غولان زار أبو ظبي بتمويل من حزبه وأجرى لقاءات مع مسؤولين إماراتيين حول «قضايا سياسية»، ولم يعلن الزيارة مسبقًا. وأوضحت مصادر حزبية حينها أنه لم يكن عضوًا في الكنيست ولا يشغل منصبًا رسميًا يفرض عليه إبلاغ وزارة الخارجية.

وفي تقرير منفصل، قالت القناة نفسها إن رونين بار زار الإمارات برفقة زوجته للمشاركة في مؤتمر أمني، وإنه أُخرج لاحقًا على عجل بعد ورود تحذير من تهديد أمني. إلا أن مصدرًا مقربًا من الإمارات نفى لاحقًا أجزاء رئيسية من الرواية، بما فيها استضافة وزير الخارجية الإماراتي للمؤتمر المزعوم.

ولا يوجد في التقارير المنشورة ما يشير إلى أن غولان وبار زارا الإمارات معًا، أو التقيا دحلان في إطار التحضير لتحقيق «هآرتس»، أو ناقشا قضية تحذيرات ما قبل 7 أكتوبر. وبذلك يبقى السؤال الذي طرحه الليكود إيحائيًا ما لم يسنده الحزب بمعلومات إضافية.

المشكلة في رواية «لا توجد مكالمة»: قناة الاتصال السرية نفسها

نتنياهو تمسك، الأربعاء، بنفيه الكامل، وقال إن مراجعة سجلات اتصالاته ويوميات مكتبه وسجلات الدخول لم تكشف عن أي اتصال مع رئيس الإمارات خلال الفترة الممتدة من مطلع أيلول/ سبتمبر وحتى 7 أكتوبر 2023.

غير أن رواية نشرها المحلل الاستخباراتي في «يديعوت أحرونوت» رونين بيرغمان تثير إشكالية مباشرة أمام الاستناد حصريًا إلى سجلات الاتصال الإسرائيلية لإثبات عدم وقوع المكالمة.

وبحسب بيرغمان، كانت الاتصالات الحساسة بين نتنياهو ومحمد بن زايد تتم عبر آلية شديدة السرية: مسؤول استخباراتي إماراتي في إسرائيل يحضر هاتفًا جديدًا مزودًا بتطبيق خاص إلى مكتب رئيس الحكومة، ويسلم الجهاز لنتنياهو ثم يغادر الغرفة، قبل أن يتصل بن زايد. وبعد المكالمة كان الهاتف يُتلف حفاظًا على السرية.

هذه الرواية لا تثبت أن المكالمة موضوع تحقيق «هآرتس» وقعت فعلًا، لكنها تضعف الحجة القائلة إن غيابها عن سجلات الهاتف الإسرائيلية يكفي وحده لإثبات استحالة وقوعها.

بل إن المفارقة تكمن في أن طبيعة قناة الاتصال التي طورتها أبو ظبي وتل أبيب، إذا صحت رواية «يديعوت»، صُممت أصلًا بحيث تترك أقل قدر ممكن من الآثار التقليدية.

ما الذي وصل إلى إسرائيل قبل 7 أكتوبر؟

تحقيق «هآرتس»، الذي تناقلته وسائل إعلام إسرائيلية عدة، لا يتحدث فقط عن المكالمة المختلف عليها.

بحسب الرواية المنشورة، بدأت القصة عندما نقل وسيط فلسطيني رسالة من يحيى السنوار تحدث فيها عن «مفاجأة» كبيرة، مستخدمًا مرارًا كلمة «زلزال». وبعد محاولة التحقق من جدية التهديد، وصلت المعلومة في 15 أيلول/ سبتمبر 2023 إلى الشاباك.

وتفيد التفاصيل المنشورة بأن رونين بار طلب آنذاك اتصالًا فوريًا بنتنياهو، أبلغه خلاله بتهديد «الزلزال»، قبل أن يعقد في 17 أيلول اجتماع أمني شارك فيه وزير الأمن آنذاك يوآف غالانت وممثلون عن الاستخبارات العسكرية، وتبعه اجتماع لدى رئيس الحكومة بحضور ممثلين عن الموساد ومجلس الأمن القومي.

وهنا تتوسع القضية إلى ما هو أبعد من السؤال الثنائي: هل اتصل محمد بن زايد بنتنياهو أم لم يتصل؟

فوجود إنذار وصل أصلًا إلى الشاباك بشأن حديث السنوار عن «زلزال»، ثم فتح نقاش أمني على مستوى رئيس الحكومة، يعني أن هناك طبقة مستقلة من المعلومات التحذيرية تحتاج إلى فحص: كيف فُهمت؟ كيف جرى تقييمها؟ لماذا لم تُترجم إلى تغيير نوعي في الاستعدادات؟ وهل أضيف إليها لاحقًا تحذير إماراتي آخر أكثر وضوحًا؟

المصدر الاستخباراتي الإقليمي الذي تحدث إلى «يديعوت أحرونوت» أضاف قطعة مهمة إلى هذا اللغز، حين أكد أن الإمارات نفسها أخذت المعلومات «بجدية كبيرة» وأن تحذيرًا بالفعل نُقل إلى إسرائيل.

التهديد بالمحاكم

وفي موازاة التصعيد السياسي، نقل نتنياهو المواجهة إلى المسار القانوني. وأرسل محاموه إخطارًا إلى «هآرتس» وإلدار وروتي يوفال وأوري مسغاف، مطالبين بإزالة المادة ونشر اعتذار ودفع مليون شيكل خلال 72 ساعة كشرط للتسوية، مع التهديد برفع دعوى تزيد قيمتها على 2.5 مليون شيكل في حال رفض المطالب. وأعلنت مجموعة «هآرتس» أنها تقف خلف ما نشرته.

المواجهة القضائية، إذا وصلت بالفعل إلى المحكمة، قد تجعل القضية أكثر حساسية بالنسبة إلى الطرفين؛ لأنها قد تنقل الصراع من البيانات السياسية إلى مطالب تقديم مستندات وأدلة وشهادات حول مصادر التحقيق وطبيعة قنوات الاتصال الإماراتية الإسرائيلية.

من «فرية» إلى «مؤامرة»: لماذا تغيرت رواية الليكود؟

يبدو أن نقطة التحول الأبرز في السجال ليست فقط مضمون الاتهامات الجديدة، بل طبيعتها.

في البداية، كانت رواية نتنياهو بسيطة وحاسمة: لم تقع المكالمة، ولم يصل تحذير إماراتي.

لكن مع صدور الرد الإماراتي الذي امتنع عن نفي المعلومات الاستخباراتية، ثم تقرير «يديعوت أحرونوت» عن مصدر استخباراتي إقليمي يؤكد نقل الإمارات إنذارًا إلى إسرائيل، باتت المعركة السياسية تدور بصورة متزايدة حول هوية المصادر، ودحلان، وتمويل بودكاست، وزيارات سياسيين ومسؤولين أمنيين سابقين إلى أبو ظبي، والتدخل الأجنبي في الانتخابات.

وهذا التحول لا يثبت صحة تحقيق «هآرتس» بكل تفاصيله، مثلما لا يثبت أن الاتصال المباشر بين بن زايد ونتنياهو وقع بالفعل. لكنه يجعل من الصعب اختزال القضية في توصيف «خبر مختلق بالكامل» قبل إجراء تحقيق مستقل قادر على الوصول إلى سجلات الأجهزة الأمنية وشهادات المسؤولين الإسرائيليين والإماراتيين المعنيين.

المعركة الحقيقية: المسؤولية عن 7 أكتوبر

في جوهرها، تكشف العاصفة الحالية مجددًا حجم الأزمة التي لا تزال تلاحق النظام السياسي الإسرائيلي منذ هجوم 7 أكتوبر: من عرف ماذا، وفي أي وقت، وما الذي فعله بالمعلومات التي كانت متاحة أمامه؟

نتنياهو يواصل الإصرار على أن المسؤولين الأمنيين أخفقوا في تحذيره في الساعات الحاسمة التي سبقت الهجوم، وأن قادة الجيش والشاباك كانوا أسرى مفهوم خاطئ بشأن ردع حماس.

لكن التحقيق الجديد، ومعه التأكيد المستقل لوجود تحذير إماراتي، يعيدان النقاش إلى فترة أسبق بكثير من ليلة السادس والسابع من أكتوبر: إلى الأسابيع التي سبقت الهجوم، وإلى الرسائل التي تحدثت عن «زلزال» و«مفاجأة»، وإلى اجتماعات أمنية عُقدت فعلًا، وإلى احتمال وجود معلومات إضافية وصلت عبر قنوات دبلوماسية أو استخباراتية.

ولهذا طالب قادة «معسكر التغيير» بإجراء تحقيق فوري، متهمين نتنياهو بمحاولة منع إقامة لجنة تحقيق رسمية وإلقاء المسؤولية كاملة على المؤسسة الأمنية. وقالوا إن الجمهور الإسرائيلي يستحق إجابات واضحة عن «ماذا عرف نتنياهو، ومتى عرف، ولماذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة؟».

أما محاولة الليكود إعادة صياغة القضية بوصفها مؤامرة تجمع دحلان وصحافيين إسرائيليين وحزب «الديمقراطيون» ورونين بار وأطرافًا أجنبية، فهي تفتح اتهامات جديدة بقدر ما تغلق من أسئلة قديمة.

ذلك أن السؤال المركزي لم يعد فقط من سرّب القصة إلى «هآرتس»، بل ما إذا كانت التحذيرات موجودة أصلًا، ومن استلمها، وكيف تعامل معها.

وبعد تأكيد مصدر استخباراتي إقليمي أن الإمارات نقلت تحذيرًا بالفعل، لم يعد كافيًا سياسيًا أو صحافيًا الرد على هذا السؤال باتهام الرسول.

فإذا كان التحقيق كاذبًا، فالطريق الأقصر لإسقاطه هو تقديم الوقائع المضادة. أما إذا كانت هناك تحذيرات وصلت فعلًا إلى إسرائيل قبل 7 أكتوبر، فإن تحويل النقاش إلى هوية دحلان وميول الصحافيين وزيارات المعارضة إلى أبو ظبي لن يلغي السؤال الأكثر ثقلاً: ماذا فعلت القيادة الإسرائيلية بالمعلومات التي كانت أمامها قبل أكبر إخفاق أمني في تاريخ الدولة؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - القدس