في كارثة إنسانية، أسفر انهيار بناية متضررة من قصف إسرائيلي سابق عن وفاة 21 مواطنًا فلسطينيا منهم 12 طفلا و5 نساء، وإصابة 45 مواطناً بجراح متفاوتة من بينها 10 إصابات وصفت بالخطيرة، فيما تمكنت طواقم الإنقاذ بعد ساعات من العمل المتواصل من إجلاء 35 مواطنا أحياء من تحت الأنقاض، وذلك فجر الأربعاء الموافق 16/9/2026. وبهذه الحصيلة يرتفع عدد ضحايا حوادث الانهيار المماثلة في قطاع غزة إلى نحو 55 قتيلاً إلى جانب عشرات الإصابات، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع في ظل معطيات تشير إلى وجود نحو ألفي بناية متضررة مأهولة بسكان تقطعت بهم السبل ولا يجدون أمامهم بديلاً مناسباً عن الإقامة في منازل مهددة بالانهيار في أي لحظة.
وجاءت كارثة انهيار المبنى السكني نتيجة مباشرة ومتوقعة لسياسة إسرائيلية ممنهجة أفضت إلى تدمير ومحو الأحياء السكنية في قطاع غزة على نحو واسع، أعقب ذلك منع إدخال مواد الإعمار والترميم ومعدات الإنقاذ الثقيلة، بما جعل السكان محاصرين بين خيامٍ لا تصلح للحياة الآدمية وبنايات تصدّعت جدرانها بفعل القصف الإسرائيلي المتكرر وباتت أشبه بقبور مؤجلة.
ووفق المعلومات التي جمعا باحثو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حول تفاصيل الواقعة، فقد استيقظ أهالي المنطقة الغربية لمدينة غزة عند حوالي الساعة 02:00 من فجر اليوم على صوت انهيارٍ مروّع وصراخٍ متعالٍ من داخل بناية “السعادة 8″، وهي بناية مكونة من ستة طوابق و”روفين”، يضم كل طابقٍ منها أربع شققٍ سكنية، وتقع في شارع فرعي مقابل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) غرب المدينة. وكانت البناية تعاني تصدعاتٍ بالغة جراء قصف إسرائيلي سابق استهدف محيطها خلال حملة الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة، وهو ما جعل انهيارها مسألة وقتٍ لا أكثر. ورغم الخطورة البالغة للمبنى، وفي ظل انعدام البدائل، لجأت إليه عشر عائلات نازحة من حيي الزيتون والشجاعية شرق مدينة غزة وأقامت فيه منذ نحو 10 أشهر، بعد أن أعيتها السبل ولم تجد مأوى آخر يلمّ شملها ويقيها قسوة النزوح المتكرر.
ووفق آخر تحديث للدفاع المدني، جرى انتشال جثامين 21 شخصا من تحت الأنقاض منهم 12 طفلا و5 نساء، وبينهم عدد من أفراد من أسر واحدة، وإصابة 45 مواطناً بجراح مختلفة من بينهم 10 حالات خطيرة، فيما تمكنت الطواقم بجهود مضنية من إجلاء 35 مواطناً أحياءً من تحت الأنقاض.
وأفاد المواطن طارق إبراهيم غانم، مندوب مخيم الثقافة، لباحثي المركز بأن سكان المخيم استيقظوا على صوت الانهيار وصرخات المحتجزين تحت الركام، وهو ما أثار حالة رعبٍ عارمة بين الأهالي. وأوضح غانم أن أربع عائلاتٍ إضافية كانت قد وصلت إلى المبنى في الليلة السابقة فقط للمشاركة في تحضيرات زفاف لعائلة العجلة كان مقرراً أن تقام مراسمه اليوم، ليتحوّل العرس المنتظر في لحظاتٍ خاطفة إلى بيت عزاء.
وعقب وقوع الانهيار مباشرة جرى التواصل مع الدفاع المدني الذي طلب بدوره تدخلاً عاجلاً من اللجنة المصرية لما تملكه من معداتٍ ثقيلة قادرة على إزالة الأنقاض المتراكمة فوق أجساد الضحايا. وأفاد عبد الله المجدلاوي، مدير العلاقات العامة والإعلام في الدفاع المدني بمحافظة غزة، لباحثي المركز بأن طواقم الإنقاذ توجهت إلى الموقع مستعينةً بالجرافات و”البواقر” التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) واللجنة المصرية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، للعمل على رفع الركام وانتشال المحتجزين تحته.
وتجري عمليات الإنقاذ في قطاع غزة، في هذه الحادثة كما في سابقاتها، بمعدات متهالكة ووسائل بدائية وإمكانيات محدودة للغاية، إذ تضطر الطواقم في كثيرٍ من الأحيان إلى رفع الركام بالأيدي وبأدوات يدوية بسيطة لا تصلح أصلاً للتعامل مع أنقاض بناية من ستة طوابق انهارت فوق ساكنيها. ويعود ذلك في جوهره إلى استمرار حظر سلطات الاحتلال الإسرائيلي إدخال الآليات الثقيلة ومعدات الإنقاذ المتخصصة، وأجهزة استشعار الحياة، وقطع الغيار والوقود اللازمين لتشغيل ما تبقى من آليات متهالكة خرج أغلبها عن الخدمة.
ويعكس اضطرار الطواقم المحلية إلى البحث عن معدات ثقيلة مناسبة في كل حادثةٍ حجم التدمير الذي لحق بمنظومة الدفاع المدني في القطاع، وهو تدمير استهدفته قوات الاحتلال عمداً على مدار العدوان العسكري، وترتب عليه أن كل دقيقة تأخيرٍ في الوصول إلى الضحايا تتحول إلى فارقٍ بين الحياة والموت.
وتشير المعطيات المتوفرة بناء على معلومات من الدفاع المدني إلى أن نحو ألفي بنايةٍ متضررة في قطاع غزة ما تزال مأهولةً بالسكان، بعضها متصدع على نحوٍ يجعله آيلاً للسقوط، ويقطنها آلاف العائلات التي لم يتوفر لها أي بديلٍ آمن أو مناسب. وما لم يجر التدخل العاجل لإدخال مواد الترميم والإعمار وتوفير مأوى بديل لائق، فإن ما جرى فجر اليوم سيتكرر في مواقع أخرى، وستظل حصيلة الضحايا ترتفع بعيداً عن ضجيج القصف. وتكرار هذه الكارثة في بنايات أخرى بات مسألة وقت ما لم يسمح بإدخال مواد الترميم والإعمار فوراً، علمًا أن حوادث متفرقة سابقة أسفرت عن مقتل 34 مواطنًا وفق وزارة الصحة في غزة.
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي حتى اللحظة منع إدخال مواد الإعمار والترميم إلى قطاع غزة، في سياق سياسةٍ معلنة الأثر تهدف إلى إبقاء القطاع غير قابلٍ للحياة الآدمية ودفع سكانه إلى الهجرة القسرية. وهذه السياسة، عندما تأتي في سياق الحصار وتدمير البنية التحتية ومنع دخول الغذاء والدواء، تشكل ركناً أساسياً من أركان جريمة الإبادة الجماعية المتمثل في الإخضاع العمدي لظروف معيشية يقصد بها التدمير المادي للجماعة كلياً أو جزئياً.
وعلى مدار نحو 3 سنوات ماضية، تعددت وسائل إسرائيل لإفناء الفلسطينيين في قطاع غزة، ولم تعد تقتصر على القتل المباشر بالقصف والنيران، بل امتدت إلى الكوارث الناجمة عن انهيار المباني، وإلى مئات الوفيات الناجمة عن التجويع وسوء التغذية وانهيار المنظومة الصحية. وكلها مسارات موت متوازية تفضي إلى النتيجة ذاتها، وتجري تحت مسؤولية سلطة الاحتلال بوصفها قوة احتلالٍ تقع عليها التزامات قانونية واضحة تجاه السكان المدنيين الخاضعين لسيطرتها.
وأكد المركز أن المسؤولية القانونية والسياسية عن استمرار هذه الكارثة تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيلي، وتمتد كذلك لتشمل مجلس السلام الذي تشكل بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقطاع غزة، والذي بات غطاء لاستمرار ومأسسة الإبادة الجماعية، حيث لم يفلح في رفع القيود المفروضة على إدخال مواد الإعمار والترميم، ولم يوفر للسكان مأوى بديلاً يقيهم خطر الموت تحت الركام أو في العراء.
ويشكل تعمّد دولة الاحتلال إبقاء مئات آلاف المدنيين في ظروف سكنٍ قاتلة انتهاكاً للحق في الحياة وفي مستوى معيشي لائق وفي المسكن الملائم، ويندرج ضمن الأفعال التي أشارت إليها محكمة العدل الدولية في تدابيرها المؤقتة المتعلقة بقطاع غزة، والتي ألزمت إسرائيل بضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية دون عرقلة.
بناء عليه، طالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بالسماح الفوري وغير المشروط بإدخال مواد الإعمار والترميم ومعدات الإنقاذ الثقيلة ومستلزمات الإيواء إلى قطاع غزة، بما يتيح تأمين مأوى آمن للعائلات القاطنة في مبانٍ متضررة.
وطالب المركز بإجراء مسحٍ هندسي عاجل، بإشراف أممي وبمشاركة الجهات المختصة محلياً، لحصر المباني الآيلة للسقوط وإخلائها إلى أماكن إيواء بديلة لائقة تتوافر فيها مقومات الحياة، إلى جانب تمكين طواقم الدفاع المدني من أداء مهامها عبر إدخال الآليات والمعدات وقطع الغيار والوقود، ورفع القيود المفروضة على عملها.
كما طالب الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بتوسيع برامج الإيواء الطارئ في قطاع غزة على وجه السرعة، وتوفير الحماية للمدنيين النازحين الذين باتوا يواجهون الموت داخل ما تبقى من جدران.
وطالب الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بتوسيع برامج الإيواء الطارئ في قطاع غزة على وجه السرعة، وتوفير الحماية للمدنيين النازحين الذين باتوا يواجهون الموت داخل ما تبقى من جدران.
