قطر ترفض اتهامات إسرائيلية بشأن مساعدات غزة.. وتحقيق عبري يعيد فتح ملف الأموال القطرية وموافقة نتنياهو عليها

السفير محمد العمادي رئيس لجنة إعادة إعمار غزة

 قطر تفنّد اتهامات إسرائيلية بشأن أموال غزة: المساعدات دخلت بعلم تل أبيب.. وتحقيق عبري يضع سياسة نتنياهو في قلب الجدل 

رفضت دولة قطر، مساء الجمعة 18 سبتمبر/أيلول 2026، بشكل قاطع اتهامات وتقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية بشأن المساعدات الإنسانية التي قدمتها لقطاع غزة، مؤكدة أنها لم تقدم في أي وقت أموالًا إلى حركة حماس، وأن جميع مساعداتها كانت موجهة إلى الفلسطينيين في القطاع عبر آليات خضعت للتنسيق مع الأمم المتحدة والسلطات الإسرائيلية.

ويأتي الرد القطري بالتزامن مع تصاعد الجدل داخل إسرائيل بشأن ملف الأموال القطرية إلى غزة، بعدما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واينت"، الجمعة 18 سبتمبر/أيلول، تحقيقًا استنادًا إلى ما قالت إنها وثائق استخبارية وشهادات لمسؤولين سابقين، تضمن ادعاءات بأن أجهزة أمنية إسرائيلية أبلغت رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو منذ عام 2019 باحتمال وصول أجزاء من الأموال القطرية إلى أنشطة عسكرية لحركة حماس. وهي ادعاءات نفتها قطر، فيما وصف مكتب نتنياهو ما ورد في التحقيق بأنه يتضمن معلومات كاذبة.

وقال مكتب الإعلام الدولي لدولة قطر إن التقارير المتداولة في وسائل الإعلام الإسرائيلية بشأن وجهة المساعدات القطرية المقدمة إلى غزة "باطلة"، وإن الادعاءات الواردة فيها "عارية تمامًا عن الصحة"، معتبرًا أن إعادة طرحها تأتي في سياق حملات سياسية وإعلامية تستهدف الدور القطري، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

وأكد المكتب أن الدوحة لم تقدم أموالًا إلى حركة حماس، موضحًا أن الدعم القطري كان مخصصًا للفلسطينيين في قطاع غزة، ولا سيما الأسر الأكثر احتياجًا، إضافة إلى تمويل الغذاء والدواء والوقود والكهرباء وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وأضاف أن المساعدات كانت تمر ضمن ترتيبات معلنة ومعروفة للجانب الإسرائيلي، وأن الأموال والمواد الإغاثية كانت تمر عبر إسرائيل قبل وصولها إلى غزة، في حين تولت منظمات أممية تنفيذ برامج التوزيع بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

تحقيق إسرائيلي جديد يشعل الجدل

وجاء البيان بعد ساعات من نشر "يديعوت أحرونوت" تحقيقًا للصحافيين رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش، زعم أن وثائق داخلية في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وشهادات لمسؤولين تشير إلى أن جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" قدما، ابتداءً من عام 2019، تقديرات بشأن تحويل حماس أجزاء من الأموال التي دخلت غزة إلى جناحها العسكري.

وبحسب التحقيق، قدرت بعض الوثائق الإسرائيلية أن عمليات تحويل أموال من الموازنة الحكومية في غزة إلى الجناح العسكري بلغت في مرحلة معينة نحو 4 ملايين دولار شهريًا.

وزعم التقرير أن تقديرات استخبارية إسرائيلية اعتبرت هذه الأموال في بعض الفترات معادلة لما بين 40 و50 في المائة من ميزانية الجناح العسكري لحماس آنذاك. وهذه الأرقام تستند إلى مصادر ووثائق نقلتها "يديعوت أحرونوت"، ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.

وذهب التحقيق أبعد من ذلك، إذ تحدث عن معلومات استخبارية إسرائيلية بشأن ما وصفه بمسار تمويل "سري وموازٍ" من جهات قطرية إلى الجناح العسكري للحركة، منفصلًا – بحسب الصحيفة – عن آلية المساعدات الرسمية المعتمدة.

في المقابل، يؤكد البيان القطري صراحة أن أي أموال قد تكون وصلت إلى حماس خارج آليات المساعدات المعروفة لا علاقة لها بدولة قطر أو بالمساعدات الإنسانية التي قدمتها.

قطر: إسرائيل كانت تعلم وتوافق وتشرف

وركز الرد القطري بصورة لافتة على مسؤولية الحكومات الإسرائيلية نفسها عن اعتماد آلية إدخال المساعدات، مشيرًا إلى أن البرامج القطرية حظيت بعلم ودعم وموافقة حكومات إسرائيلية متعاقبة، وجرى تنفيذها بمشاركة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

وهذه النقطة لا تستند فقط إلى الرواية القطرية؛ إذ سبق أن نشرت وسائل إعلام إسرائيلية وثائق وتقارير تؤكد أن حكومات إسرائيلية وافقت رسميًا على إدخال الأموال والمساعدات القطرية إلى غزة.

ففي يناير/كانون الثاني 2026، كشف موقع "واينت" أن مسؤولين إسرائيليين طلبوا من قطر في سبتمبر/أيلول 2023، أي قبل هجوم السابع من أكتوبر بأسابيع، زيادة الدعم المالي المخصص لقطاع غزة، خلال اجتماع ضم مسؤولًا قطريًا وممثلين إسرائيليين.

كما كشفت وثائق إسرائيلية نُشرت سابقًا أن مسؤولين كبارًا في إسرائيل شجعوا استمرار الدعم القطري لغزة، وأن رئيس جهاز الموساد السابق يوسي كوهين وجه في عام 2020 رسالة إلى أمير قطر شكره فيها على المساعدات الإنسانية، معتبرًا أنها ساهمت في تحسين الوضع الإنساني وتحقيق الاستقرار في القطاع.

خلاف داخل الرواية الإسرائيلية نفسها

ويكشف الجدل الحالي أيضًا عن تناقض داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية حول المسؤولية عن سياسة الأموال القطرية.

فبينما يقول تحقيق "يديعوت أحرونوت" الجديد إن "الشاباك" وأجهزة استخبارية حذرت من مخاطر وصول جزء من الأموال إلى النشاط العسكري، سبق لنتنياهو أن دافع عن قرار إدخالها بالقول إن رؤساء الأجهزة الأمنية والجهات المعنية أيدوا في ذلك الوقت الآلية باعتبارها وسيلة للحفاظ على الهدوء في قطاع غزة.

ونقلت "يديعوت أحرونوت" أيضًا عن الرئيس السابق لجهاز "الشاباك" رونين بار قوله إن الجهاز عارض على مدى سنوات الطريقة التي تم بها إدخال الأموال القطرية، وإنه بعد قرار المستوى السياسي بالمضي فيها قدم مقترحات لتقليل المخاطر المرتبطة بها.

وتحوّل هذا الملف إلى مادة رئيسية في المواجهة الانتخابية الإسرائيلية؛ إذ سارع معارضون لنتنياهو إلى تحميله المسؤولية عن استمرار السياسة.

ونقلت "واينت" الجمعة عن أفيغدور ليبرمان ويائير غولان اتهامات مباشرة لنتنياهو بالاستمرار في إدخال الأموال رغم التحذيرات، فيما رفض مكتب رئيس الحكومة تلك الاتهامات ووصف التحقيق بأنه "مجموعة من الأكاذيب"، وفق الصحيفة.

قطر: آليات أممية لا تحويلات مباشرة

وفي مقابل هذه الاتهامات، تشير الدوحة إلى أن الآلية التي اعتمدت في مراحل سابقة لم تكن تقوم على تسليم قطر الأموال مباشرة لأي جهة فلسطينية.

وكان مكتب الإعلام الدولي القطري قد أوضح في رد سابق على اتهامات أصدرها "الشاباك"، في مارس/آذار 2025، أن المساعدات المخصصة للأسر كانت تنفذ بالتنسيق مع مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام وبرنامج الأغذية العالمي، فيما جرى تنسيق الوقود القطري مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع "UNOPS" وإدخاله عبر معبر كرم أبو سالم بموافقة إسرائيلية.

وأكدت قطر آنذاك أن "لا مساعدات تم إرسالها إلى الجناح السياسي أو العسكري لحماس"، وأن برامجها الإنسانية كانت معلومة للحكومات الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية.

تصاعد الهجوم على قطر قبيل الانتخابات الإسرائيلية

وتأتي القضية أيضًا وسط تصاعد الخطاب السياسي الإسرائيلي تجاه قطر.

فقد اتهم رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت الدوحة خلال حملته الانتخابية بتمويل حماس، وتعهد في يوليو/تموز الماضي، في حال عودته إلى رئاسة الحكومة، بتصنيف قطر "دولة عدو"، وهي تصريحات ردت عليها الدوحة باتهامه باستخدام معلومات مضللة لتحقيق مكاسب سياسية.

كما عاد بينيت في أغسطس/آب لاتهام قطر بالمسؤولية عن تمويل حماس وبالتأثير في ملفات داخل إسرائيل، في إطار الجدل المتواصل بشأن ما تعرف إعلاميًا بقضية "قطر غيت" المتعلقة بشبهات حول علاقات مالية واتصالات بين شخصيات مرتبطة بمكتب نتنياهو وجهات قطرية.

وترفض قطر هذه الاتهامات، وتقول إن اسمها يُستخدم في الصراع السياسي الإسرائيلي الداخلي، وإن حملة تشويه تشارك فيها، بحسب بيانها، وسائل إعلام ومجموعات ضغط ومحامون ومراكز أبحاث وجهات أخرى منذ عدة سنوات.

وقال مكتب الإعلام الدولي إن الحملة تشهد تصعيدًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، مؤكدًا أن قطر لا تسعى إلى التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، لكنها "لن تقبل الزج باسمها أو استخدام ادعاءات باطلة بحقها لتحقيق أغراض سياسية داخلية".

الدوحة: لن نتراجع عن دعم غزة والوساطة

وشددت قطر على أن الاتهامات والحملات الإعلامية لن تدفعها إلى وقف مساعداتها للفلسطينيين، خصوصًا في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

وأكد مكتب الإعلام الدولي أن الدوحة ستواصل العمل مع شركائها الدوليين لضمان وصول المساعدات إلى الفلسطينيين بصورة مستدامة، إلى جانب استمرار جهودها في الوساطة والدبلوماسية لترسيخ وقف إطلاق النار والوصول إلى تسوية مستدامة.

وبذلك يعيد التحقيق الإسرائيلي الجديد ملف الأموال القطرية إلى قلب السجال السياسي في إسرائيل، لكنه يبرز في الوقت نفسه حقيقة موثقة في تقارير إسرائيلية سابقة، وهي أن إدخال المساعدات القطرية إلى غزة لم يكن عملية جرت بعيدًا عن إسرائيل، بل سياسة وافقت عليها حكومات إسرائيلية متعاقبة وشاركت مؤسساتها الأمنية في ترتيباتها؛ فيما تبقى الادعاءات المتعلقة بوصول أموال خارج تلك الآليات موضع خلاف حاد بين قطر ومصادر إسرائيلية، ولم تثبت بصورة مستقلة حتى الآن.

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - الدوحة