من النكبة إلى غزة.. هل تُهندس السيطرة قبل أن تبدأ الحرب؟ إيال وايزمان يفكك الاحتلال بأدوات «العمارة الجنائية»

الباحث والأكاديمي البريطاني الإسرائيلي إيال وايزمان.webp

في قراءة تتجاوز المباني بوصفها حجارة وخرائط، يضع الباحث والأكاديمي البريطاني الإسرائيلي إيال وايزمان العمارة في قلب الصراع على فلسطين، متسائلاً عما تقوله الطرق والمستوطنات والحدود والأنفاق والجرافات وحتى التربة عن بنية القوة والسيطرة. ومن حيفا التي ولد فيها، مروراً بالنكبة والقدس والضفة الغربية، وصولاً إلى الدمار الواسع في قطاع غزة، يعيد وايزمان قراءة الاحتلال من زاوية معمارية ترى في المكان وثيقة يمكن تحليلها، وفي آثار الدمار دليلاً يمكن نقله من الخريطة والصورة إلى ساحات التحقيق والمحاكم الدولية.

فتحت حلقة برنامج «المقابلة» على شاشة الجزيرة، التي بثت في 20 سبتمبر/أيلول 2026 وقدمها الإعلامي علي الظفيري، نافذة مختلفة على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر استضافة إيال وايزمان، مؤسس ومدير مجموعة Forensic Architecture «العمارة الجنائية»، في نقاش امتد من الذاكرة المكانية للنكبة الفلسطينية إلى ما يصفه وايزمان بـ«عمارة الإبادة» في قطاع غزة.

وايزمان، المولود في حيفا عام 1970، أستاذ للثقافات المكانية والبصرية في جامعة غولدسميث بلندن، وأسس «العمارة الجنائية» عام 2010. وتعمل المجموعة على استخدام التحليل المكاني والصور ومقاطع الفيديو والنماذج ثلاثية الأبعاد وصور الأقمار الصناعية وغيرها من الأدلة لفحص انتهاكات حقوق الإنسان ووقائع النزاعات، وتقديم نتائج أبحاثها في أطر إعلامية وحقوقية وقانونية.

المكان ليس محايداً

الفكرة المركزية التي بنى عليها وايزمان حديثه هي أن العمارة لا تعمل دائماً خارج السياسة، وأن تخطيط مدينة أو شق طريق أو اختيار موقع مستوطنة أو تحديد ارتفاع مبنى قد يصبح جزءاً من ممارسة السلطة وإعادة توزيع السكان والموارد والحركة.

ومن هنا، لا ينظر وايزمان إلى المدينة باعتبارها مجرد تجمع للمباني، وإنما بوصفها سجلاً مادياً لموازين القوى. فالشارع يمكن أن يصل بين مكانين، لكنه يستطيع أيضاً الفصل بين مجتمعين، والجسر قد يسهل الحركة لفئة بينما يتجاوز تجمعاً سكانياً آخر، وقوانين البناء قد تبدو إجراءات تنظيمية بحتة، بينما تكون آثارها الديمغرافية والسياسية عميقة.

ويقول وايزمان إن البدايات الأولى لهذه الطريقة في التفكير تعود إلى نشأته في حيفا، حيث كان يلاحظ الأحياء الفلسطينية القديمة، ولا سيما وادي النسناس ووادي الصليب، ويتساءل عن الطرق التي اخترقتها، وعن مشاريع التطوير التي أحاطت بها، وعن العلاقة بين شكل المدينة وبين التحولات التي طرأت عليها بعد النكبة.

كان السؤال بالنسبة إليه بسيطاً في ظاهره: لماذا يبدو المكان بهذه الصورة؟

لكن هذا السؤال، كما يروي، تحوّل لاحقاً إلى مشروع بحثي أوسع: ما الذي تستطيع العمارة أن تقوله عن علاقة الفلسطينيين بالإسرائيليين؟ وكيف تظهر السيطرة السياسية والعسكرية حين تترجم إلى طريق أو حي أو مستوطنة أو نظام تخطيط؟

«تعلم كيفية الرؤية».. فلسطين تحت طبقات المكان

يستخدم وايزمان تعبيراً لافتاً لوصف انتقاله من الرواية التي تلقاها في المجتمع الإسرائيلي إلى إعادة قراءة المشهد الفلسطيني: «تعلم كيفية الرؤية».

فأثناء التنقل بين حيفا ويافا، كما قال، كانت تظهر بقايا منازل حجرية وأشجار وصبار وأطلال متناثرة. وما بدا في البداية مشهداً طبيعياً أو أثراً قديماً أصبح، مع البحث، مدخلاً إلى تاريخ قرى فلسطينية أخليت أو دمرت خلال النكبة.

بالنسبة لوايزمان، تشبه قراءة المشهد الطبيعي قراءة نص متعدد الطبقات؛ هناك ما يظهر على السطح، لكن ثمة أيضاً ما تخفيه الطبقات اللاحقة من البناء والزراعة وشق الطرق وإعادة تسمية الأماكن.

ومن هذه الزاوية يقرأ النكبة ليس باعتبارها حدثاً انتهى عام 1948 فحسب، وإنما كتحول جذري في الجغرافيا والديمغرافيا والعمران. وقال في المقابلة التي تابعتها "وكالة قدس نت للأنباء" إن مئات البلدات والقرى الفلسطينية أفرغت من سكانها، وإن عمليات التدمير وإعادة تشكيل الأراضي التي تلت التهجير ساهمت، وفق تحليله، في طمس أجزاء من البيئة العمرانية التي كانت تشير إلى السكان السابقين.

وهنا تظهر واحدة من أهم أفكاره: المحو لا يجري عبر هدم المنزل وحده، وإنما عبر إعادة إنتاج المكان بحيث يصبح من الصعب قراءة ما كان قائماً فيه قبلاً.

«أرض جوفاء».. عندما يصبح التخطيط ساحة معركة بطيئة

هذه الرؤية شكلت أساساً لكتاب وايزمان المعروف «أرض جوفاء: عمارة الاحتلال الإسرائيلي» (Hollow Land)، الصادر عام 2007، والذي درس فيه كيفية تشكل منظومة السيطرة المكانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتؤكد جامعة غولدسميث أن الكتاب من أبرز مؤلفاته التي تناولت العلاقة بين العمارة والاحتلال.

وفي «المقابلة»، وصف وايزمان التخطيط الإسرائيلي في الضفة الغربية بأنه أقرب إلى «ساحة معركة تتحرك بإيقاع بطيء».

فبدلاً من الدبابات التي تتقدم خلال أيام، تعمل المستوطنات والطرق وأنظمة التخطيط على مدى سنوات وعقود. ويرى أن اختيار عدد كبير من المستوطنات لمواقع مرتفعة يمنحها وظيفة تتجاوز السكن، بما توفره تلك المواقع من إشراف بصري وتحكم في المحيط، في حين تفصل شبكات الطرق والبنية التحتية بين تجمعات فلسطينية وتعيد تنظيم الحركة بينها.

في هذا التصور تصبح ورقة المهندس وقلم المخطط جزءاً من إنتاج الجغرافيا السياسية: أين يمكن البناء؟ أين يمنع؟ أي طريق يصل إلى أي تجمع؟ ومن يستطيع استخدامه؟ وما المناطق التي تتصل ببعضها وما المناطق التي تتحول إلى جزر منفصلة؟

ولهذا لا يحصر وايزمان مسؤوليته النقدية في السياسي أو العسكري. ففي المشروع الاستعماري الاستيطاني، وفق رؤيته، يمكن للمهندس والمخطط وقانون التنظيم وشبكة البنية التحتية أن يصبحوا جميعاً أجزاء من منظومة السيطرة.

وهي الفكرة ذاتها التي ناقشها في «احتلال مدني» (A Civilian Occupation)، حيث تصبح كلمة «occupation» ذات معنى مزدوج في الإنجليزية: الاحتلال من جهة، والمهنة أو الحرفة من جهة أخرى، لتصبح العمارة نفسها موضوع مساءلة.

القدس.. رسم الحدود كأداة سياسية

وتكتسب هذه المقاربة وضوحاً أكبر حين ينتقل وايزمان إلى القدس.

فهو يرى أن إعادة رسم حدود المدينة بعد احتلال الجزء الشرقي منها عام 1967 لم تكن مجرد عملية إدارية، وإنما قراراً مكانياً حمل آثاراً سياسية وديمغرافية واسعة. وفي حديثه للبرنامج، تناول قيود التخطيط والبناء في الأحياء الفلسطينية وكيف يمكن لقواعد تبدو فنية، مثل ارتفاع المباني أو حماية «الطابع المعماري»، أن تؤثر فعلياً في قدرة السكان على التوسع والسكن.

كما توقف عند سلوان، حيث تتشابك، وفق قراءته، الحفريات الأثرية والمشروعات الاستيطانية والسيطرة فوق الأرض وتحتها.

وهنا تتجاوز الجغرافيا عند وايزمان سطح الأرض: هناك الأنفاق والحفريات والمياه تحت الأرض، والمباني والمستوطنات والطرق على السطح، والجسور وشبكات النقل التي تمر فوقه، إلى جانب السيطرة على المجال الجوي.

ولهذا يصف الأرض الفلسطينية بأنها تحولت إلى فضاء ثلاثي الأبعاد لا تكفي الخرائط التقليدية المسطحة لفهمه.

وبهذا المنظور يصبح السؤال عن الاحتلال سؤالاً معمارياً أيضاً: ليس فقط من يملك الأرض؟ وإنما: من يتحكم بما تحتها وما فوقها، ومن يستطيع المرور خلالها، وأي مسار متاح لفئة ومحظور على أخرى؟

من «عمارة الاحتلال» إلى «العمارة الجنائية»

لكن التحول الأبرز في مشروع وايزمان جاء عندما انتقلت العمارة بالنسبة إليه من موضوع للنقد إلى أداة للتحقيق.

فإذا كان المبنى يتلقى القذيفة، والجدار يحمل آثار الرصاص، والحفرة تسجل زاوية الانفجار، وصور الأقمار الصناعية توثق التغيرات التي تصيب الأحياء والحقول، فإن المكان نفسه يمكن أن يتحول إلى شاهد.

من هنا نشأت فلسفة «العمارة الجنائية».

وتوضح جامعة غولدسميث أن المجموعة تستخدم تقنيات من بينها النمذجة ثلاثية الأبعاد والخرائط التفاعلية والتحليل المكاني من أجل إعادة بناء أحداث متنازع عليها، ويمكن أن تقدم أبحاثها لجهات حقوقية وقانونية وهيئات دولية.

وشبّه وايزمان في المقابلة عمل الباحث المعماري بالطبيب الشرعي الذي يفحص الجثة: فالبناء المدمر يحمل آثار ما حدث له، ويمكن لتوزيع الأنقاض واتجاه الشظايا وتتابع الأضرار وتوقيت الصور أن تساعد في إعادة تركيب الحدث.

المبنى هنا لا يتكلم، لكن آثاره تُقرأ.

غزة.. حين تصبح التربة نفسها موضوع التحقيق

في قطاع غزة، يقول وايزمان إن فريقه واجه نمطاً دفعه إلى توسيع نطاق التحقيق من المباني إلى الأرض نفسها.

فلم يعد السؤال مقتصراً على عدد المنازل والمستشفيات والمنشآت التي أصيبت، وإنما امتد إلى الأراضي الزراعية والبساتين والكثبان والطرق وشبكات المياه والأنقاض وتحولات التربة.

وقد نشرت «العمارة الجنائية» تحقيقات متعددة بشأن غزة، تشمل المنشآت الطبية، وأوامر الإخلاء والمناطق التي وصفت بأنها آمنة، والأراضي الزراعية، كما استخدمت صور الأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة والشهادات الميدانية والنماذج الرقمية في إعادة بناء عدد من الوقائع.

ويرى وايزمان أن الجرافة، في هذا السياق، لا تقل أهمية عن القنبلة في فهم الدمار المكاني، لأنها تستطيع اقتلاع الأشجار والبساتين وتسوية الأبنية وتقليب التربة بحيث لا يبقى من الحي السابق سوى مساحة جرداء.

وفي كتابه ومشروعه الأحدث «Ungrounding: The Architecture of Genocide»، يربط وايزمان هذه التحولات بما يسميه «الكارتوغرافيا العميقة» لغزة، من التربة والأنفاق إلى المستوطنات والحواجز والتاريخ الممتد منذ النكبة. وتقول «العمارة الجنائية» إن المشروع يستند أيضاً إلى العمل الذي قام به فريقها بالتعاون مع الفريق القانوني لجنوب أفريقيا في القضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية.

المستشفى كدليل معماري

ويبرز القطاع الصحي نموذجاً واضحاً للطريقة التي تعمل بها هذه التحقيقات.

فبحسب وايزمان، لا يكفي أمام جهة قضائية أن يقال إن مستشفى تعرض للتدمير؛ إذ يجب إعادة بناء التسلسل الزمني والمكاني: أي جزء استهدف؟ متى؟ وما الذي حدث قبله وبعده؟ وكيف تتوافق الروايات المختلفة مع الصور والفيديوهات والآثار الموجودة في الموقع؟

وفي أحد تقاريرها، راجعت «العمارة الجنائية» المواد البصرية التي قدمها الفريق القانوني الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية في يناير/كانون الثاني 2024، ودرست الخرائط والمقاطع والصور المستخدمة في المرافعات، بما في ذلك ادعاءات تتعلق بالمستشفيات والمنشآت المدنية. وخلص التقرير إلى انتقادات لعدد من المواد وطريقة توصيفها؛ وهي خلاصات صادرة عن المجموعة نفسها وليست أحكاماً صادرة عن المحكمة.

وفي تحقيق آخر، أعادت المجموعة بناء مشاهد من المستشفى الأهلي في غزة بالتعاون مع الطبيب غسان أبو ستة، باستخدام نموذج ثلاثي الأبعاد وشهادته ومواد مصورة من المكان.

بهذه الأدوات يتغير مفهوم «الشاهد»: فهو ليس الإنسان وحده؛ قد تكون صورة قمر صناعي أو ظل مبنى أو حفرة أو شجرة أو جداراً متصدعاً جزءاً من سلسلة الأدلة.

الزراعة والمياه.. ما الذي يجعل مكاناً قابلاً للحياة؟

أحد أكثر محاور حديث وايزمان اتساعاً كان انتقاله من سؤال الدمار العسكري المباشر إلى سؤال «مقومات الحياة».

فالمدينة، وفق هذه المقاربة، ليست منازل فقط. إنها ماء وطعام ومستشفى ومدرسة وطريق وسوق وأرض زراعية ونظام صرف صحي وشبكة كهرباء ومؤسسات ثقافية.

ومن هنا يفسر اهتمام فريقه بالقطاع الزراعي شرق غزة، وبآبار المياه والبساتين والبيئة الطبيعية. ونشرت «العمارة الجنائية» بالفعل أبحاثاً حول الأضرار الواسعة التي أصابت الأراضي والمنشآت الزراعية في غزة، وقدمت تفسيرها الخاص لهذه الأنماط في إطار أوسع يتعلق بتدمير مقومات الحياة.

وفي المقابلة، ذهب وايزمان أبعد من توصيف الدمار، معتبراً أن تحليل فريقه يقوده إلى وصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، مستنداً إلى ما يراه نمطاً يجمع بين القتل والتهجير وتدمير مقومات الحياة.

وهذا توصيف قانوني وسياسي يتبناه وايزمان وفريقه، وليس حكماً نهائياً صادراً حتى الآن عن محكمة العدل الدولية. فقضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل هي دعوى تتعلق باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وقد أصدرت المحكمة خلالها أوامر بتدابير مؤقتة، لكن السجل المنشور للمحكمة لا يتضمن حكماً نهائياً في موضوع الدعوى يقرر المسؤولية عن جريمة الإبادة. إسرائيل من جانبها ترفض اتهامها بارتكاب إبادة جماعية وتقول في مرافعاتها إن عملياتها تستهدف حماس وتطعن في عدد من الاتهامات الموجهة إليها.

«الحرب المعمارية».. السيطرة على الحياة اليومية

في واحدة من أكثر أفكار المقابلة كثافة، يميز وايزمان بين الحرب العسكرية السريعة وبين ما يسميه «الحرب المعمارية البطيئة».

الأولى يمكن مشاهدتها في الطائرة والدبابة والقصف، أما الثانية فتتقدم عبر تفاصيل تبدو يومية: تصريح بناء لا يصدر، طريق يلتف عشرات الكيلومترات، تجمع يحاصر بالمستوطنات، أرض تفصل عن أصحابها، بنية تحتية يعاد تنظيمها، أو منطقة تصبح الحياة فيها أكثر صعوبة.

وبهذا المعنى، لا يبدأ العنف المكاني دائماً بالانفجار، ولا ينتهي عند توقف إطلاق النار.

إنه، وفق قراءة وايزمان، عملية لإعادة تشكيل شروط الحياة نفسها.

ومن هنا جاءت رؤيته لغزة بعد سنوات الحرب: ليس السؤال فقط كم مبنى هدم، وإنما أي نوع من الحياة أصبح ممكناً فوق المكان المتبقي؟

فإذا دمرت مساكن ومزارع ومياه ومستشفيات وطرق، وتراكم الركام، وتحولت حركة السكان إلى رحلة يومية شاقة، يصبح المكان نفسه طرفاً في الضغط على الإنسان.

وهنا يلخص وايزمان ما يسميه «الحرب المعمارية»: استخدام البيئة المبنية وغير المبنية لإدارة السكان والتحكم في حركتهم وإعادة صياغة علاقتهم بالأرض.

هل يمكن قراءة الاحتلال من جدار وطريق وحفنة تراب؟

تتجاوز أهمية طرح إيال وايزمان، سواء اتُفق مع استنتاجاته السياسية والقانونية أم اختلف معها، حدود العمارة بالمعنى التقليدي. فمشروعه يطرح سؤالاً نقدياً عن الطريقة التي ينبغي بها قراءة الصراعات الحديثة: هل تكفي متابعة القرارات العسكرية والسياسية، أم يجب أيضاً تفكيك الجغرافيا التي تنتجها تلك القرارات؟

من حيفا التي قادته إلى التساؤل عن الطرق التي قطعت الأحياء الفلسطينية، إلى المستوطنات على تلال الضفة، وحدود القدس وأنفاقها، ثم إلى مستشفيات غزة وبساتينها وتربتها، يقدم وايزمان سردية يكون فيها المكان أرشيفاً للصراع.

ولهذا فإن «العمارة الجنائية» عنده ليست بحثاً في شكل المبنى بعد الحرب بقدر ما هي محاولة لفهم ما الذي فعلته القوة بالمكان، وما الذي يستطيع المكان أن يكشفه عن القوة.

وفي هذه الزاوية تحديداً تكمن المفارقة التي طرحتها «المقابلة»: العمارة، التي يفترض أن تكون فناً لبناء أماكن قابلة للحياة، يمكن أن تتحول في ظروف الصراع إلى وسيلة للفصل والسيطرة؛ وفي الاتجاه المعاكس، يمكن للأداة نفسها ــ الخريطة والمبنى والصورة والتربة ــ أن تتحول إلى وسيلة للتحقيق وكشف ما حدث.

وبين الوظيفتين يقف السؤال الذي يختصر مشروع وايزمان كله: إذا كان الاحتلال يعيد تشكيل الأرض كي يفرض واقعاً سياسياً، فهل يمكن قراءة هندسته المعمارية بوصفها واحدة من أكثر وثائقه وضوحاً؟

المصدر: وكالة قدس نت للأنباء - لندن