لم تتركه الغارة حتى يصل إلى قبره.. قطعة بلاتين تكشف هوية جبر مقبل بعد احتراق جثمانه مرتين
استهدفته غارة إسرائيلية وسط القطاع ثم قُصفت المركبة التي كانت تنقل جثمانه إلى عائلته.. قطعة معدنية زُرعت في قدمه قبل سنوات أصبحت وسيلة التعرف إليه قبل دفنه
لم يتبق من ملامح الفلسطيني جبر مقبل ما يكفي كي تتعرف إليه عائلته بعد استهدافه واحتراق جثمانه، لكن قطعة صغيرة من البلاتين زُرعت في قدمه خلال عملية جراحية قبل سنوات أعادت إليه اسمه، ومكّنت أسرته من التأكد أن الجثمان الذي تقف أمامه هو لابنها الذي كانت تستعد لوداعه.
ففي واحدة من الوقائع القاسية التي شهدها قطاع غزة، لم تنته رحلة مقبل مع القصف عند لحظة مقتله. فبعد استهداف المركبة التي كان يستقلها وسط القطاع، تعرضت مركبة أخرى كانت تقل جثمانه إلى مدينة غزة لغارة إسرائيلية ثانية، ما أدى إلى اشتعالها وإصابة عدد من أقاربه واحتراق الجثمان بصورة كاملة، وفق شهود عيان ومصادر محلية.
إصابة قديمة تصبح علامة الهوية
قبل سنوات، تعرض مقبل لإصابة في قدمه اضطرته إلى الخضوع لعملية جراحية، زرع الأطباء خلالها قطعة من البلاتين داخل العظام.
كانت بالنسبة إليه مجرد أثر طبي لإصابة قديمة، ولم يكن أفراد عائلته يتوقعون أن تتحول بعد سنوات إلى العلامة الأهم التي ستقودهم إلى التعرف على جثمانه.
وبحسب رواية العائلة التي نقلتها مصادر فلسطينية، أتت النيران على معظم ملامح الجسد، ما جعل التعرف إليه بالوسائل البصرية المعتادة بالغ الصعوبة.
وسط تلك اللحظات، تذكر أحد أقاربه العملية القديمة ووجود قطعة البلاتين في قدمه.
وعند التحقق منها، تمكنت العائلة من تثبيت هويته، لتنهي ساعات من الألم والشك بشأن الجثمان الذي وصل إليها.

الاستهداف الأول
وتقول مصادر محلية إن مقبل كان مساء الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 داخل مركبة في منطقة وسط قطاع غزة، قرب المستشفى الأميركي في محيط الزوايدة، عندما استهدفتها طائرة إسرائيلية مسيّرة.
وأدى القصف إلى مقتله داخل المركبة التي اشتعلت فيها النيران، فيما أصيب فلسطينيون آخرون في الاستهداف، وفق المصادر.
وسارع أفراد من عائلته وأقاربه إلى المنطقة بعد توقف القصف، وانتشلوا جثمانه من المركبة تمهيداً لنقله شمالاً إلى مدينة غزة، حيث تقيم أسرته، لإتمام إجراءات التشييع والدفن.
لكن الطريق إلى المقبرة لم يكتمل كما خططوا له.

قصف المركبة التي تحمل الجثمان
وخلال تحرك المركبة التي كانت تقل جثمان مقبل عبر شارع الرشيد الساحلي باتجاه مدينة غزة، تعرضت، بحسب شهود ومصادر محلية، لاستهداف إسرائيلي جديد قرب منطقة البيدر ومحيط الميناء الأميركي في حي الشيخ عجلين جنوب غربي المدينة.
اشتعلت المركبة بعد القصف، فيما أصيب عدد من أقارب مقبل الذين كانوا يرافقون الجثمان بجروح، ووصفت حالة بعضهم بأنها حرجة.
أما جثمان مقبل، الذي كان قد تعرض للحريق في الاستهداف الأول، فقد احترق مرة أخرى بصورة جعلت التعرف إليه أكثر صعوبة.
وأظهرت مشاهد من المكان ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من المركبة على طريق الرشيد، فيما حاولت طواقم الدفاع المدني السيطرة على الحريق.
وبالنسبة إلى عائلة مقبل، تحولت الرحلة التي كان يفترض أن تنقل ابنها إلى مثواه الأخير إلى واقعة استهداف ثانية، قبل أن تتمكن من الوصول بالجثمان إلى المستشفى.

«هل هذا جبر؟»
بعد إخماد النيران، كان السؤال الأكثر قسوة أمام العائلة والطواقم الطبية يتعلق بالهوية.
فقد حالت شدة الحروق دون التعرف إلى ملامحه بصورة مباشرة، قبل أن تقود الإصابة القديمة في قدمه إلى الحل.
وتقول الرواية العائلية إن أحد الأقارب أشار إلى قطعة البلاتين التي زرعت في قدم جبر خلال عملية جراحية سابقة، ليتم اعتمادها علامة فارقة مكّنتهم من التأكد من هويته.
هكذا، أصبحت قطعة معدنية بقيت داخل جسده سنوات دليلاً أخيراً على اسمه بعد أن أخفت النيران ملامحه.
وداع بعد رحلة قصف
وبعد التأكد من هويته، شيّع فلسطينيون جثمان جبر مقبل في مدينة غزة، وأقيمت عليه صلاة الجنازة قبل مواراته الثرى.
وكان المشهد بالنسبة إلى أفراد أسرته يتجاوز فقدان أحد أبنائها؛ إذ إن الجثمان الذي حاولوا نقله للدفن تعرض، وفق روايتهم وشهود العيان، للقصف مرة ثانية وهو في الطريق.
وتحولت قصة مقبل خلال ساعات إلى واحدة من القصص الإنسانية المتداولة في غزة، ليس فقط بسبب مقتله، وإنما بسبب ما تعرض له جثمانه ومحاولات عائلته الوصول به إلى قبره.
خروقات متواصلة رغم وقف إطلاق النار
وجاء مقتل مقبل في وقت استمرت فيه عمليات القصف وإطلاق النار الإسرائيلية في مناطق مختلفة من قطاع غزة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ووفق أحدث تقرير لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة في 24 سبتمبر/أيلول، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة خمسة شهداء و35 إصابة. وارتفعت الحصيلة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ إلى 1,408 شهداء و4,916 إصابة، إضافة إلى انتشال 834 جثماناً.
كما بلغت الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب الوزارة، 73,928 شهيداً و175,030 إصابة.
وبين هذه الأرقام الكبيرة، تختصر قصة جبر مقبل جانباً شخصياً من المأساة: فلسطيني قُتل في قصف، ثم تعرضت المركبة التي تحمل جثمانه لاستهداف آخر، قبل أن تضطر عائلته إلى البحث في تفاصيل إصابة قديمة وقطعة بلاتين صغيرة كي تستعيد اسمه وتتمكن من توديعه.
تعليق صورة:
ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية على طريق الرشيد جنوب غربي مدينة غزة، في 24 سبتمبر/أيلول 2026، بينما تحاول طواقم الدفاع المدني إخماد الحريق. وكانت المركبة تنقل جثمان الفلسطيني جبر مقبل إلى مدينة غزة بعد مقتله في استهداف سابق وسط القطاع، قبل أن تتعرض للقصف مرة ثانية، ما أدى إلى إصابة عدد من مرافقي الجثمان واحتراقه بالكامل، وفق شهود عيان ومصادر محلية.
(تصوير: هادي داود)












تعليق صورة :
مسعفون فلسطينيون ينقلون جثمان مواطن إلى مستشفى شهداء الأقصى بعد اغتياله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مركبة وسط قطاع غزة، في 24 سبتمبر/أيلول 2026.
(تصوير: معز صالحي)






تعليق صورة
يتصاعد الدخان واللهب من مركبة بعد إصابتها بصاروخ إسرائيلي في دير البلح، وسط قطاع غزة، في 24 سبتمبر/أيلول 2026. وأسفرت الضربة عن مقتل فلسطيني وإصابة آخرين، بحسب مصادر طبية.
(تصوير: معز صالحي )






