حين يصبح الضوء احتمالاً قراءة في قصيدة «موارباً للضوء» لمحمد علوش

محمد علوش.jpg

صابر المرزوقي*

 

لا يأتي الضوء في قصيدة «موارباً للضوء» بوصفه استعارة جاهزة للخلاص، ولا بوصفه الضد الطبيعي للعتمة، فمنذ العنوان، يسحب الضوء من وضوحه الرمزي المعتاد، ويدفع إلى منطقة ملتبسة لا يستقر فيها على حال، و «موارباً» ليست صفة عابرة تضاف إلى الضوء، بل هي التي تحدد طريقة حضوره في القصيدة: حضور ناقص، مشروط، مؤجل، لا يبدد العتمة بقدر ما يكشف أنها لم تحكم إغلاقها تماماً، ولعل هذا ما يمنح النص مناخه الدلالي الأشد رسوخاً؛ فالقصيدة لا تكتب الخروج من الظلام، وإنما تكتب ما يبقى من إمكانية للخروج.

العنوان، بهذا المعنى، لا يعلن موضوع القصيدة بقدر ما يضع قارئها أمام وضعية وجودية، فالمواربة فعل يقع في المسافة بين الفتح والإغلاق، بين السماح والمنع، ولذلك فإن «الضوء» الذي يستند إليها لا يمكن قراءته باعتباره حقيقة مكتملة، إنه أثر أكثر منه حضوراً، وإمكان أكثر منه تحققاً، ومنذ اللحظة الأولى، تتخلى القصيدة عن الثنائية المريحة التي تجعل الظلام نقيضاً للنور، لتقيم توترها داخل الظلام نفسه: كيف يمكن لشيء هش، محدود، وشبه غائب أن يحتفظ بقدرته على الدلالة؟

في هذا السياق تأتي العبارة «لا تُغلِقِ الأبوابَ دوني» بوصفها أكثر من نداء للعودة، فالباب هنا ليس عنصراً في المشهد، وإنما حدٌّ تتقاطع عنده ثنائيات الحضور والغياب، الداخل والخارج، الانتماء والاقتلاع، والتكرار لا يكتسب قيمته من مجرد عودته الصوتية، بل من تغير موقعه داخل حركة القصيدة، فالجملة التي تبدو في ظاهرها ثابتة لا تبقى دلالتها ثابتة بالضرورة؛ إذ تتحول، مع تراكم الفقد، من طلب للعبور إلى مقاومة لفكرة الإغلاق ذاتها، وهذه إحدى الوظائف التي يستطيع التكرار الشعري أن يؤديها حين لا يكون زائداً عن الحاجة: أن يعيد العبارة إلى النص بعد أن تكون التجربة قد غيّرت معناها.

يأتي المتكلم «من التعب الطويل»، وهي عبارة تضع الجسد الشعري منذ البداية داخل زمن مستنفد، لكنه لا يصل من فراغ؛ يحمل «بقايا نجمة»، وفي هذه الإضافة القصيرة تتحدد إحدى طرائق القصيدة في بناء الضوء، فالنجمة لا تحضر كاملة، ولا تقدم نفسها بوصفها مصدراً مستقراً للهداية؛ الذي يصل إلى المتكلم ليس النجمة، وإنما ما بقي منها، والضوء هنا ليس ضوءاً بالمعنى الفيزيائي ولا حتى الرمزي المكتمل، بل بقايا ضوء انتقلت من الخارج إلى الداخل، ومن المشهد إلى الذاكرة.

هذه «البقايا» ليست تفصيلاً جمالياً، إنها تكاد تكون مفتاحاً لفهم اقتصاد القصيدة كله، فالنجمة، والقنديل، والصباح، والغناء لا تظهر في فضاء انتصر فيه النور، وإنما داخل عالم ما زال محكوماً بالليل والرصاص والخراب والغياب، لذلك لا تتحرك القصيدة وفق منطق الاستبدال، حيث يزيح الضوء العتمة، بل وفق منطق التعايش المتوتر: النور موجود لأن العتمة موجودة، وقيمته تتحدد بمدى قدرته على البقاء داخلها.

حين يقول الشاعر إنه يجر خلفه «ليل مدائن كاملة»، تتجاوز الذات حدود سيرتها الفردية، فالليل لم يعد حالة نفسية تخص المتكلم وحده؛ إنه تاريخ مكان يحمل، وذاكرة جماعية تُستعاد في هيئة ثقل شخصي، فالمدينة هنا ليست ديكوراً مكانياً، وإنما جزء من تكوين الذات، وما تحمله الذات معها ليس صورة المكان، بل ما تركه المكان فيها.

من هذه النقطة تتسع دائرة القصيدة لتشمل الأم والطفل والعامل، ولا تتشكل هذه العناصر باعتبارها شخصيات ذات مسارات سردية، وإنما بوصفها علامات اجتماعية تتكثف فيها حالات الانتظار والعمل والخوف والرغبة في استئناف الحياة، وهذا ما يمنح النص بعده الجماعي من دون أن يحوله إلى خطاب جماعي مباشر، ففلسطين لا تدخل القصيدة كشعار، بل تتسرب إلى بنيتها عبر الأشخاص والأمكنة والأفعال اليومية، إنها موجودة فيما تقوله القصيدة، ولكنها، على نحو أكثر أهمية، موجودة في الطريقة التي ترى بها القصيدة العالم.

غير أن هذا المسار لا يخلو من لحظات يتقدم فيها المعنى على الشعر، فبعض المقاطع تقترب من العبارة التأملية أو من نبرة تقريرية تخف فيها كثافة الصورة لمصلحة الفكرة، وهذه ليست ملاحظة هامشية، لأن النص الذي يستند إلى تجربة تاريخية كثيفة يظل مهدداً بأن تستعيد الفكرة لغتها الجاهزة، وأن تدخل القصيدة مكتملة قبل أن تمر عبر التحويل الشعري، وهنا تحديداً يصبح الفرق بين الشعر الذي يحمل موقفاً والشعر الذي يتحول إلى موقف فرقاً حاسماً.

وتبدو القصيدة أكثر وعياً بهذا الحد حين تنقل صراعها من العالم إلى اللغة، فـ «حراسة المعنى» ليست عبارة عابرة في هذا السياق؛ إنها تكشف عن قصيدة بدأت تشك في قدرتها على تسمية ما يحدث، وعندما تصبح اللغة نفسها معرضة لأن «تهرب من أفواه القصائد»، فإن الكتابة لا تعود مجرد وسيلة لوصف الواقع، بل تصبح موضوعاً من موضوعات النص، فالقصيدة تكتب العالم، لكنها تراقب في الوقت نفسه الوسيلة التي تكتب بها هذا العالم.

هنا يتشكل البعد الميتاشعري للنص، لا بوصفه زينة فكرية، وإنما باعتباره سؤالاً عن حدود القول، ماذا تستطيع القصيدة أن تفعل أمام واقع يتجاوز قدرة اللغة على الإحاطة؟ وهل يكفي أن تسمي الخراب كي تقاومه؟ أم أن وظيفة الشعر تبدأ في اللحظة التي يعجز فيها التسمية المباشرة عن أداء مهمتها؟

تأتي عبارة «أرقّع بالقصيدة ثقوب هذا العالم» لتقدم إجابة غير بطولية عن هذا السؤال، فالفعل «أرقّع» هو الذي يمنح الصورة قوتها؛ فهو لا يعد بالإصلاح ولا يستعير قاموس الخلاص، والترقيع فعل متواضع، مؤقت، يكشف الثقب بقدر ما يحاول ستره، والقصيدة، وفق هذا التصور، لا تدعي أنها تعيد العالم إلى عافيته؛ إنها تحاول فقط ألا يتسع الخراب إلى درجة يستحيل معها الاحتفاظ بشيء من المعنى.

في المقابل، تبدو صورة العصفور الذي «أفلت من رصاصة صياد بمعجزة الغناء» أكثر مباشرة في تأسيس العلاقة بين الشعر والنجاة، غير أن قوتها لا تكمن في تحويل الغناء إلى قوة تنتصر على الرصاصة، فذلك تأويل يتجاوز حدود الصورة، وإنما في المفارقة التي تجمع بين قوتين غير متكافئتين: الرصاصة بوصفها فعلاً مادياً قاتلاً، والغناء بوصفه فعلاً لا يملك قوة مادية، لكنه يثبت حضور الكائن في لحظة تهديده، وإن النجاة هنا ليست انتصاراً بقدر ما هي استمرار.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العصفور باعتباره صورة موازية للقصيدة نفسها، لكن من الضروري ألا تتحول هذه القراءة إلى مفتاح شامل للنص، فالقصيدة الأكثر انفتاحاً هي التي تسمح للصورة بأن تحتفظ بقدر من فائضها، وألا تستنفد في تأويل واحد.

والقنديل الذي يريد الشاعر أن يعلقه «فوق هذا الليل» يواصل المنطق نفسه، فالقنديل ليس شمساً، وهذه المفارقة هي جوهر الصورة، فالشاعر لا يمنح ذاته قدرة خلاصية تتناسب مع اتساع الخراب؛ إنه يضع ضوءاً محدوداً في مواجهة ظلام لا يتناسب معه، ومن هنا تصبح محدودية الضوء جزءاً من دلالته، لا نقصاً فيه.

ولذلك لا تنتهي القصيدة من الظلام إلى الضوء، بل تتحرك داخل الظلام بحثاً عن شروط بقاء الضوء، فالنجمة بقايا، والقنديل محدود، والعصفور ينجو في اللحظة التي تلاحقه فيها الرصاصة، والباب يظل موارباً، ولا شيء يكتمل هنا، وربما في هذا اللااكتمال تحديداً تتشكل وحدة التجربة.

أما الإيقاع، فلا يستند إلى انتظام عروضي صارم بقدر ما يتولد من التكرار، وتوزيع الجمل، وتفاوت الأسطر، وتعاقب الأفعال، وعودة بعض المفردات المركزية، غير أن الإيقاع في قصيدة التفعيلة لا يصنعه التقطيع البصري وحده، فالوقفة لا تصبح شعرية لمجرد وجودها على الصفحة، والانقطاع لا يتحول إلى موسيقى لمجرد أن السطر انقطع، والقيمة الإيقاعية تنشأ حين تتطابق حركة العبارة مع حركة المعنى، وحين يصبح الصمت بين الكلمات جزءاً من توترها.

وفي هذا الجانب، تقدم القصيدة نماذج متفاوتة، ثمة مواضع يتضافر فيها التقطيع مع الدلالة، ومواضع أخرى يبدو فيها الانتقال إلى السطر التالي أقرب إلى تنظيم بصري منه إلى ضرورة إيقاعية، وهذه المسألة تستحق الانتباه، لأن حرية قصيدة التفعيلة لا تعني غياب القيود؛ إنها تنقل القيود من الوزن الخارجي إلى مسؤولية الشاعر عن إيقاع الجملة والسطر والفراغ.

وتعمل القصيدة كذلك من خلال شبكة من المفردات المتقابلة: الليل، الانطفاء، الخراب، الدم، الرصاصة، الغياب، في مقابل النجمة، والصباح، والغناء، والقنديل، والضوء، والعودة، غير أن أهمية هذه الشبكة لا تكمن في ثنائية الضوء والظلام في حد ذاتها، وهي ثنائية راسخة في المخيال الشعري، وإنما في الطريقة التي تعيد القصيدة بها توزيعها، فالضوء لا يأتي بعد العتمة، بل يتشكل في داخلها.

وهنا تبرز إحدى المسائل التي لا يمكن للنقد أن يتجاوزها: المعجم الذي تستند إليه القصيدة ليس جديداً في ذاته، فالليل والنجمة والدم والخراب والنافذة والضوء من أكثر المفردات رسوخاً في الشعر العربي الحديث، ولا يمثل استعمالها مأخذاً في حد ذاته، فالشعر لا يقاس بحداثة قاموسه، وإنما بقدرته على إعادة تنظيم المألوف وإنتاج علاقة غير مألوفة بين عناصره، وفي «موارباً للضوء» تنجح بعض الصور في هذا التحويل، بينما تظل صور أخرى أقرب إلى الذاكرة الرمزية العامة للقصيدة العربية الحديثة.

وهذا التفاوت جزء من طبيعة النص، وليس من الإنصاف إخفاؤه تحت حكم عام على القصيدة، فالنص الشعري لا يكون بالضرورة متساوي الكثافة في جميع مناطقه، وما يكشفه النقد ليس فقط ما يضيء، وإنما أيضاً المواضع التي تعتمد على ما استقر في الذاكرة الشعرية، ومن هنا يمكن النظر إلى «موارباً للضوء» بوصفها نصاً يتحرك بين إعادة إنتاج الرمز وإعادة شحنه، وتنجح بعض لحظاته في تحقيق الثانية أكثر من غيرها.

أما فلسطين، فلا تدخل القصيدة بوصفها اسماً ينبغي استحضاره لكي يكتمل انتماء النص، وإنما بوصفها بنية شعورية تتوزع في المدينة والأم والطفل والعامل والبحر والعودة، وهذا الحضور غير المباشر هو أحد أكثر جوانب القصيدة إثارة للقراءة، لأنه ينقل القضية من مستوى الخطاب إلى مستوى التجربة، لكن هذا لا يعني أن النص يتخلص كلياً من أثر الخطاب؛ فثمة مواضع يعود فيها المعنى إلى التقدم على الصورة، وتقترب اللغة من التقرير بعد أن كانت قد بلغت كثافتها الشعرية.

وتزداد المسألة حساسية بالنظر إلى الخلفية الثقافية والسياسية للشاعر، فالمعرفة السياسية ليست عبئاً على الشعر في ذاتها، كما أنها ليست ضمانة لعمقه، وقيمتها الشعرية تتحدد بقدرتها على التحول داخل اللغة، فالفكرة التي تدخل القصيدة كما هي تظل فكرة؛ أما حين تخضع للتكثيف والانزياح والمفارقة والتخييل، فإنها تتحول إلى مادة شعرية، ومن هنا فإن التحدي أمام تجربة علوش لا يتمثل في الابتعاد عن السياسي، بل منع السياسي من أن يستعير القصيدة بوصفها منبراً.

لهذا لا تبدو «موارباً للضوء» قصيدة يمكن ردّها إلى ثنائية الحزن والأمل، وهذه الثنائية أضيق من حركة النص، وما يشتغل عليه الشاعر هو إبقاء الاحتمال قائماً في لحظة يبدو فيها إغلاقه أكثر سهولة، فالضوء ليس وعداً بالخلاص، بل دليل على أن العتمة لم تبلغ تمامها.

وتعود «المواربة» في العنوان هنا لتكتسب معناها الكامل، فالباب ليس مفتوحاً، لكنه ليس مغلقاً؛ والضوء ليس حاضراً في تمامه، لكنه لم ينطفئ؛ والعودة ليست واقعة، لكنها تظل ممكنة في الذاكرة واللغة، وإن القصيدة لا تمنح خلاصاً، وإنما تؤجل استحالته.

وربما لهذا لا تحتاج القصيدة إلى خاتمة انتصارية، صورها الأساسية ــ النجمة، والقنديل، والعصفور، والغناء، والباب، والبحر ــ لا تجتمع لتعلن نتيجة، وإنما لتبقي السؤال مفتوحاً: ماذا يبقى للإنسان حين يصبح الإغلاق أكثر حضوراً من إمكان العبور؟

إن قوة النص، في النهاية، لا تتحدد في ادعائه القدرة على ترميم العالم، بل في اختياره وظيفة أكثر تواضعاً للقصيدة: أن تحفظ شيئاً من المعنى حين يصبح المعنى نفسه مهدداً، غير أن هذه القوة لا تلغي ما في النص من اعتماد على بعض الرموز المألوفة، ولا تعفيه من التفاوت بين لحظاته الأكثر شعرية ولحظاته التي تقترب من القول المباشر.

وهذا تحديداً ما يجعل القراءة النقدية أكثر ضرورة من الاحتفاء، فالقصيدة لا تحتاج إلى أن تعامل بوصفها نصاً مكتملاً لا نقص فيه حتى تؤخذ على محمل الجد، على العكس، إن جدواها النقدية تنشأ من المسافة بين ما تحققه فعلاً وما تظل تبحث عنه: بين الصورة التي تستقل بدلالتها، والفكرة التي تكاد تشرح نفسها؛ بين الرمز الذي يعاد اكتشافه، والرمز الذي يبقى أسير ذاكرته السابقة؛ وبين الإيقاع الذي ينشأ من ضرورة داخلية، والإيقاع الذي قد يبدو أحياناً نتيجة لتقطيع السطر.

من هذه المسافة يمكن فهم «موارباً للضوء» لا باعتبارها قصيدة عن النور، وإنما باعتبارها قصيدة عن مقاومة اكتمال العتمة، فالضوء فيها ليس شمساً، ولا وعداً، ولا خلاصاً ناجزاً؛ إنه ذلك القدر الضئيل من الإمكان الذي يكفي لكي لا يتحول الليل إلى حقيقة نهائية.

وهنا تكمن دلالة العنوان مرة أخرى: المواربة ليست حالة بين فتحين، بل شكل من أشكال المقاومة، وأن يظل الباب موارباً يعني أن الإغلاق لم ينتصر تماماً، وأن يظل الضوء ممكناً يعني أن القصيدة لم تستنفد إمكانها في الصمت.

 

  • كاتب وناقد – البحرين

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت