كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية، يوم الأحد 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عن تفاصيل تفاهمات أمنية ودبلوماسية بين إسرائيل وبريطانيا حالت دون تصعيد الأزمة بين البلدين، عقب قرار حكومة الاحتلال إغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، ردًا على العقوبات التي فرضتها لندن على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ووفقًا للصحيفة اليمينية، تراجعت الحكومة البريطانية عن اتخاذ إجراءات انتقامية ضد إسرائيل، شملت مقترحات لطرد دبلوماسيين إسرائيليين من لندن، بعدما حذرتها الأجهزة الأمنية والاستخبارية البريطانية من تداعيات تعميق الأزمة على الأمن القومي، في ظل تهديد إسرائيلي بوقف التعاون الاستخباري بين الجانبين.
ونقلت الصحيفة أن الأجهزة الأمنية البريطانية أبلغت الحكومة بأن قطع التعاون الاستخباري مع إسرائيل قد يلحق ضررًا بالغًا بالأمن القومي البريطاني، خصوصًا في ظل اعتماد لندن على معلومات استخبارية إسرائيلية تتعلق بتهديدات أمنية محتملة داخل الأراضي البريطانية.
وادعت الصحيفة أن إسرائيل نقلت خلال الأسابيع الأخيرة معلومات استخبارية وصفتها بالحساسة للغاية، ساهمت في إحباط مخططات قالت إنها مرتبطة بجهات فلسطينية وإيرانية كانت تستهدف مواقع داخل بريطانيا، من بينها قاعدة عسكرية بريطانية تستضيف طائرات مقاتلة أمريكية.
وأضافت أن هذه المعلومات أسهمت، بحسب روايتها، في منع تنفيذ عدة هجمات كانت مجموعات مسلحة تخطط لتنفيذها على الأراضي البريطانية، ما عزز موقف الأجهزة الأمنية الرافض لتصعيد المواجهة الدبلوماسية مع تل أبيب.
ولم يصدر تأكيد بريطاني مستقل للتفاصيل التي أوردتها الصحيفة بشأن التهديد بقطع التعاون الاستخباري أو ارتباطه المباشر بقرار لندن الامتناع عن طرد دبلوماسيين إسرائيليين.
تفاهمات تبقي البعثة البريطانية وتقلص تمثيلها
وبحسب التفاصيل التي أوردتها الصحيفة، انتهت الاتصالات بين الحكومتين إلى تسوية تتيح استمرار الوجود الدبلوماسي البريطاني في القدس الشرقية المحتلة، ولكن بمستوى تمثيل أقل وصلاحيات محدودة.
وتنص التفاهمات على مغادرة القنصل العام البريطاني و20 دبلوماسيًا، مقابل الإبقاء على سبعة دبلوماسيين داخل مقر القنصلية السابق، الذي سيواصل العمل تحت اسم «البعثة البريطانية في القدس»، بدلًا من القنصلية العامة.
وتتطابق هذه الترتيبات مع ما أعلنته إسرائيل وبريطانيا رسميًا الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر، حين أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر انتهاء عمل القنصلية بصيغتها السابقة، فيما أعلنت لندن استمرار عمل بعثتها في المبنى ذاته، مع تقليص عدد العاملين بصورة مؤقتة.
وأشارت المعلومات الواردة في التقرير العبري إلى نقل جزء من المهام والخدمات القنصلية المخصصة للفلسطينيين إلى الأردن، في حين ستواصل البعثة في القدس تقديم خدمات محددة.
غير أن الموقع الرسمي للحكومة البريطانية يؤكد استمرار البعثة في تمثيل لندن لدى الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وتقديم خدمات قنصلية للمواطنين البريطانيين الموجودين في الأراضي الفلسطينية، دون إعلان نقل جميع الخدمات الأخرى إلى الأردن.
لندن تتمسك بموقفها من القدس وترفض الاعتراف بحق إسرائيل في إغلاق القنصلية
وفي موقف رسمي، أكد وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن بلاده لا تعترف بحق الحكومة الإسرائيلية في إغلاق القنصلية البريطانية بالقدس، مشددًا على أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأن بلاده متمسكة بموقفها القانوني بشأن وضع المدينة.
وأوضح ميليباند، في بيان نشرته الخارجية البريطانية في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، أن التفاهمات مع إسرائيل أتاحت استمرار عمل المبنى الدبلوماسي تحت اسم جديد، مع الحفاظ على الخدمات الأساسية والعلاقات البريطانية مع الشعب الفلسطيني.
وأشار إلى أن بلاده سحبت مؤقتًا عددًا من موظفيها وأفراد عائلاتهم لأسباب تتعلق بالسلامة والأمن، وستعمل خلال الأشهر المقبلة على إعادة تعزيز حضورها الدبلوماسي.
وأكد أن الحكومة البريطانية لن تتخذ إجراءات متبادلة ضد إسرائيل ما دامت المحادثات بين الطرفين مستمرة وتتمتع بالمصداقية، دون الإعلان عن إلغاء العقوبات المفروضة على المستوطنات.
عقوبات المستوطنات وراء الأزمة الدبلوماسية
وتعود الأزمة إلى إعلان الحكومة البريطانية في الثامن من أيلول/سبتمبر الماضي إجراءات تستهدف الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، تشمل قيودًا تجارية وعقوبات على جهات وشركات مرتبطة بالاستيطان.
وردت حكومة الاحتلال بإجراءات دبلوماسية، أبرزها مطالبة بريطانيا بإغلاق قنصليتها في القدس خلال 30 يومًا، ومغادرة الدبلوماسيين العاملين فيها، قبل أن تتوصل الحكومتان إلى تفاهمات حالت دون إغلاق المبنى بالكامل.
وكانت لندن قد درست طرد دبلوماسيين إسرائيليين ردًا على الإجراءات الإسرائيلية، وفق تقارير بريطانية نشرت في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، فيما سعت اتصالات دبلوماسية وأمنية مكثفة إلى احتواء الأزمة قبل انتهاء المهلة الإسرائيلية.
وتكتسب القضية أهمية سياسية بالنظر إلى الدور التاريخي للقنصلية البريطانية في القدس، التي تأسست عام 1839، وتولت إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين بمعزل عن السفارة البريطانية في تل أبيب.
وفي المقابل، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أهمية العلاقات مع بريطانيا، ولا سيما التعاون الأمني والاستخباري، مشيرًا إلى معلومات قدمتها إسرائيل بشأن تهديدات مرتبطة بقاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، التي تستخدمها أيضًا القوات الأمريكية.
وكانت تقارير بريطانية قد تناولت تحقيقات أمنية مرتبطة بمحيط قاعدة فيرفورد وتهديدات إيرانية محتملة داخل بريطانيا، لكن ذلك لا يثبت بصورة مستقلة جميع تفاصيل العمليات التي زعمت الصحيفة الإسرائيلية إحباطها.
وبينما تقدم «يسرائيل هيوم» التفاهمات باعتبارها نتيجة للضغوط الأمنية الإسرائيلية، تؤكد لندن أن التسوية لم تتضمن تراجعًا عن إجراءاتها المتعلقة بالمستوطنات، وأنها ستواصل الحوار مع تل أبيب بهدف استعادة حضورها الدبلوماسي الكامل في القدس.
وبذلك، أنهت التفاهمات خطر الإغلاق الكامل للقنصلية البريطانية، لكنها أبقت الخلاف السياسي والقانوني قائمًا بشأن وضع القدس الشرقية المحتلة، والعقوبات على المستوطنات، وحدود التمثيل الدبلوماسي البريطاني لدى الفلسطينيين.
