يسعى رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توظيف التصعيد العسكري المتسارع بين السعودية وجماعة الحوثيين في اليمن لفتح مسار جديد نحو التطبيع مع الرياض، عبر وساطة أميركية تهدف إلى انتزاع موافقة سعودية على مشاركة إسرائيل في العمليات العسكرية ضد الجماعة، في وقت يرفض فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أي تدخل عسكري إسرائيلي في اليمن، وسط تحذيرات حوثية من رد واسع في حال انخراط الولايات المتحدة في المواجهة.
وكشفت صحيفة «هآرتس» العبرية، مساء الإثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نقلًا عن مصادر دبلوماسية مطلعة، أن نتنياهو يجري اتصالات غير مباشرة مع السعودية عبر الإدارة الأميركية، في محاولة لربط التعاون العسكري والأمني في مواجهة الحوثيين بتطوير العلاقات بين تل أبيب والرياض، تمهيدًا لإحياء مفاوضات التطبيع المتعثرة منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وبحسب الصحيفة، فإن المسعى الإسرائيلي يتجاوز الرغبة في المشاركة بالمواجهة العسكرية في اليمن، ليشمل محاولة بناء شراكة إقليمية جديدة تستند إلى المصالح الأمنية المشتركة، بما يتيح لحكومة نتنياهو تحويل التصعيد العسكري إلى مدخل لإعادة طرح اتفاق تطبيع مع السعودية.
ونقلت «هآرتس» عن مصدر مطلع أن الهدف الإسرائيلي يتمثل في العمل مع السعوديين وتطوير العلاقات الثنائية، بما يفتح المجال أمام اتفاق سياسي أوسع في مرحلة لاحقة.
غير أن هذه المساعي تواجه رفضًا سعوديًا، إذ أفاد مصدر دبلوماسي بأن ولي العهد محمد بن سلمان لا يرغب في الحصول على مساعدة عسكرية إسرائيلية لمواجهة الحوثيين، لاعتبارات سياسية وشعبية تتصل بحساسية التعاون مع إسرائيل في الرأي العام السعودي والإسلامي.
وأوضح المصدر أن التدخل الإسرائيلي في اليمن ليس مطروحًا من وجهة النظر السعودية، في مؤشر إلى وجود فجوة بين حسابات نتنياهو الرامية إلى توسيع التعاون الإقليمي، وموقف الرياض التي تسعى إلى إدارة المواجهة دون تحويلها إلى شراكة عسكرية علنية مع إسرائيل.
ويأتي الكشف عن المساعي الإسرائيلية في وقت يحاول فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة إحياء مسار «اتفاقيات أبراهام»، الذي يعد انضمام السعودية إليه هدفًا سياسيًا رئيسيًا لواشنطن وتل أبيب.
وكانت الرياض قد ربطت إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل بإحراز تقدم فعلي نحو إقامة دولة فلسطينية، في حين يواصل نتنياهو رفض قيام دولة فلسطينية، ما يشكل عقبة سياسية أساسية أمام جهود استئناف مفاوضات التطبيع.
وفي هذا السياق، يشير التحرك الإسرائيلي إلى محاولة نقل مركز الثقل في المحادثات المحتملة مع السعودية من القضية الفلسطينية إلى التهديدات الأمنية الإقليمية، والاستفادة من التصعيد مع الحوثيين لتقديم التعاون مع إسرائيل باعتباره جزءًا من ترتيبات أمنية أوسع.
هجمات الرياض تمنح نتنياهو فرصة سياسية جديدة
وتزامن الكشف عن التحركات الإسرائيلية مع تصعيد غير مسبوق في الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، وخصوصًا المطارات والمنشآت الحيوية، بعد انهيار التهدئة التي استمرت لسنوات في اليمن وعودة المواجهات العسكرية منذ يوليو/تموز الماضي.
وفي أحدث التطورات، تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، لهجوم أسفر، وفق حصيلة محدثة نشرتها وكالة رويترز، عن مقتل 13 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين، فيما أدى هجوم جديد الأحد إلى مقتل شخص وإصابة 11 آخرين.
وأجبرت الهجمات السلطات السعودية على تعليق الرحلات الجوية في المطار حتى 17 أكتوبر/تشرين الأول، وسط اضطراب واسع في حركة الطيران وتحذيرات دولية من المخاطر الأمنية في الأجواء السعودية.
وأعلنت السلطات السعودية فتح تحقيق في أسباب إخفاق منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الهجمات، وسط تقديرات أولية تشير إلى استخدام طائرات مسيرة وصواريخ في عمليات متزامنة استهدفت المطار، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات السعودية على التعامل مع الهجمات المركبة.
وفي أعقاب الهجمات، سارع نتنياهو إلى إصدار بيان غير معتاد أدان فيه استهداف مطار الرياض، وقدم تعازيه لعائلات الضحايا، مؤكدًا تطلع إسرائيل إلى شرق أوسط تتعاون فيه دول المنطقة لمواجهة التهديدات المشتركة.
وحملت تصريحات نتنياهو إشارات سياسية تتجاوز إدانة الهجمات، إذ تحدث عن بناء منطقة تقوم على الأمن والتعاون والازدهار، في خطاب يتقاطع مع محاولاته السابقة لتوسيع اتفاقيات التطبيع وإقامة تحالفات إقليمية في مواجهة إيران وحلفائها.
واشنطن تدرس التدخل والحوثيون يتوعدون برد موجع
وفي موازاة المساعي الإسرائيلية، دخل احتمال التدخل العسكري الأميركي المباشر على خط التصعيد، بعدما أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه يدرس مشاركة الولايات المتحدة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين إلى جانب السعودية، ردًا على الهجمات التي استهدفت مطار الرياض.
وقال ترامب، في تصريحات أعقبت الهجوم، إن إدارته ستدرس الخيارات المتاحة وتتخذ قرارًا سريعًا بشأن احتمال المشاركة العسكرية، دون الإعلان عن قرار نهائي ببدء عمليات جديدة.
وفي المقابل، حذر عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثيين محمد البخيتي، في تصريحات لوكالة «فرانس برس»، من أن أي تدخل عسكري أميركي سيقابل برد سريع وموجع، قد يستهدف المصالح الأميركية في المنطقة.
واتهم البخيتي السعودية بالمسؤولية عن استئناف المواجهات وخرق التهدئة، معتبرًا أن العمليات الحوثية تستهدف الضغط على الرياض لوقف هجماتها العسكرية في اليمن.
كما حذر من أن استمرار التصعيد سيجعل المطارات والمنشآت النفطية السعودية عرضة لمزيد من الهجمات، في تصريحات تعكس اتجاه الجماعة إلى توسيع نطاق الضغط العسكري والاقتصادي على المملكة.
وتأتي التهديدات الحوثية في ظل اتساع رقعة المواجهات في اليمن، بعد تقدم الجماعة في مناطق استراتيجية على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، وما أعقب ذلك من عمليات عسكرية للقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بسبب موقع مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يعد أحد أبرز ممرات التجارة والطاقة الدولية، وسط مخاوف من تأثير التصعيد العسكري على الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
وتشير تقارير دولية إلى أن الرياض تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الهجمات على المطارات والمنشآت النفطية، في وقت تسعى فيه إلى حماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، بينما لم تعلن واشنطن حتى الآن بدء ضربات مباشرة جديدة ضد الحوثيين.
حسابات التطبيع تصطدم بالموقف السعودي والقضية الفلسطينية
وتعيد هذه التطورات ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل سعي حكومة نتنياهو إلى استثمار التحولات العسكرية في المنطقة لتجاوز العقبات التي حالت دون التوصل إلى اتفاق مع الرياض.
وكان السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء ترامب ونتنياهو، قد دعم جهود توسيع اتفاقيات التطبيع، باعتبارها ركيزة لترتيبات إقليمية جديدة في مرحلة ما بعد الحرب على إيران، قبل وفاته في يوليو/تموز الماضي.
لكن الموقف السعودي الرافض للتدخل الإسرائيلي في اليمن يكشف حدود الرهان على تحويل المخاطر الأمنية المشتركة إلى تحالف سياسي معلن، خصوصًا مع استمرار الخلاف بشأن القضية الفلسطينية ورفض حكومة نتنياهو إقامة دولة فلسطينية.
وفي تطور لافت، أفاد موقع «واينت» العبري بأن مسؤولين أميركيين بحثوا مع رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير إمكانية تنفيذ ضربات إسرائيلية ضد الحوثيين، إلا أن الأخير حذر من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصعيد أوسع وتؤثر في حسابات العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتعكس هذه المعطيات تباينًا في المصالح والحسابات بين الأطراف المعنية؛ فبينما يسعى نتنياهو إلى تحويل المواجهة مع الحوثيين إلى فرصة لاختراق الجمود السياسي مع الرياض، تحاول السعودية تجنب الكلفة السياسية والأمنية للتعاون العسكري مع إسرائيل، في وقت تدرس فيه واشنطن خيارات التدخل المباشر.
وبذلك، تبدو محاولات نتنياهو لإحياء التطبيع عبر البوابة اليمنية محكومة بمعادلة معقدة، تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي مع تداعيات الحرب على غزة والموقف السعودي من إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب مخاطر توسيع المواجهة إلى حرب إقليمية أشمل.
نتنياهو يسعى لاستغلال المواجهة مع الحوثيين لفتح مسار التطبيع مع السعودية عبر واشنطن، وسط رفض سعودي للتدخل الإسرائيلي وتهديدات حوثية بالتصعيد.
