حول سلوك الجبهة الشعبية داخل مؤسسات منظمة التحرير

بقلم: هنود ابو حافظ

المكتب السياسي للجبهة الشعبية.png

كتب: هنود ابو حافظ / اوروبا

تقدم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفسها، في خطابها السياسي ومواقفها المعلنة، باعتبارها خارج الأطر القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولهذا السبب تقاطع اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني الفلسطيني، وتبدي اعتراضها على عدد من الآليات المعتمدة في إدارة مؤسسات المنظمة، بما في ذلك المسارات المتبعة للتحضير لانتخابات المجلس الوطني.

لا خلاف على ان مثل هذا الموقف، يبقى حقا سياسيا لكل مكون سياسي. ومن حق أي فصيل أن يعبر عن طريقة اعتراضه، وأن يختار مستوى مشاركته في المؤسسات الوطنية وفقا لرؤيته السياسية. لكن الإشكالية تبدأ عندما ننتقل من الموقف السياسي المعلن إلى الممارسة الفعلية داخل الاتحادات والمؤسسات الشعبية والمهنية التي تشكل، تاريخيا وتنظيميا، جزءا أصيلا من البنية الوطنية لمنظمة التحرير وحاضنتها الشعبية.

فالجبهة الشعبية طرف حاضر وفاعل في عدد من الاتحادات الشعبية والنقابية والمهنية، وتشارك في مؤتمراتها وهيئاتها القيادية والقاعدية، كما تدخل في نقاشاتها وترتيباتها الانتخابية. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل بالامكان الاتفاق على معيار واضح يحدد متى تكون المشاركة ممكنة ومتى تصبح المقاطعة هي الخيار السياسي؟

ربما يكون من المفيد، قبل مناقشة هذه المسألة، التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست فقط اللجنة التنفيذية أو المجلس الوطني، وإنما هي أيضا شبكة واسعة من الاتحادات والدوائر والمؤسسات الشعبية والنقابية والمهنية التي تشكلت على امتداد عقود، بهدف تمثيل قطاعات مختلفة من الشعب الفلسطيني والدفاع عن مصالحها. وبالتالي فان، الاتحادات الشعبية ليست، كما يطمح البعض ان تكون، اطر شعبية ونقابية تدافع عن حقوق اعضاءها فقط، بل هي احدى اطر التنافس الفصائلي التي تمارس عملا سياسيا يتجاوز احيانا عمل الفصائل نفسها.

نقول هذا الكلام، لأن مواقع التواصل تحفل ببعض الامور التي تسيئ لمنظمة التحرير بكافة مؤسساتها. فخلال الفترة الأخيرة برزت مجموعة من الوقائع التي تعكس هذه الإشكالية. ففي مؤتمر اتحاد الطلبة الذي عقد في بيروت، شارك ممثلو الجبهة الشعبية في أعمال المؤتمر ونقاشاته، إلا أن عملية انتخاب الهيئات القيادية تعثرت لعدة أيام على خلفية خلاف حول حجم التمثيل الذي طالبت به الجبهة، وفق المعطيات المتداولة، ومدى توافقه مع حجم تمثيلها الفعلي داخل المؤتمر.

وبعيدا عن تفاصيل الخلاف، فإن المسألة الأهم هي ما يكشفه هذا النوع من الأزمات عن طبيعة العلاقة بين الموقف السياسي والممارسة التنظيمية. فإذا كانت الجبهة تعترض على آليات التمثيل في مؤسسات منظمة التحرير الرسمية، فإن من حق الآخرين أن يتساءلوا عن المعيار الذي يحكم موقفها عندما يتعلق الأمر بمؤسسة شعبية أخرى تنتمي إلى الإطار الوطني نفسه.

ولعل السؤال الاشكالية، كيف يمكن لجبهة تنحاز الى فصائل تعادي منظمة التحرير، وفي المقابل تدين بوجودها داخل الهيئات القيادية للاتحادات لحركة فتح، التي تصر على تمثيل ما للجبهة، تحت شعار "الوحدة الوطنية".   وتزداد المسألة حساسية عند الانتقال إلى موضوع المجاميع الانتخابية المرتبطة بالتحضير لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. فالموقف السياسي المعلن للجبهة يفيد بعدم المشاركة في العملية التحضيرية لهذه الانتخابات، لكن ما هو متداول في بعض الساحات يشير إلى حضور ممثلين عنها في مراحل من النقاش والترتيبات المتعلقة بتشكيل المجاميع الانتخابية.

ففي ألمانيا، شاركت الجبهة في العملية التحضيرية قبل أن ينسحب ممثلها إثر خلاف حول حجم التمثيل المطلوب داخل المجموعة الانتخابية. وفي لبنان، تشير المعطيات إلى حضورها في النقاشات والترتيبات المتعلقة بالمجمع الانتخابي، الذي يضم مكونات فصائلية وشعبية ومستقلة، رغم استمرار الموقف السياسي المعلن الرافض للمشاركة في العملية.

وهنا تبرز المسألة بوضوح أكبر: إذا كانت الجبهة تعتبر العملية التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني مسارا لا تشارك فيه، فكيف يمكن تفسير الدخول في تفاصيل تشكيل المجاميع الانتخابية والتفاوض حول نسب التمثيل داخلها؟ هناك أيضا جانب آخر يستحق النقاش، يتعلق بطبيعة التنسيق الذي جرى في بعض هذه الاستحقاقات. فما عو معلن، يؤكد وجود تنسيق بين الجبهة الشعبية وحركة فتح في عدد من الملفات المتعلقة بالاتحادات والمؤسسات الشعبية، بما في ذلك بعض الاستحقاقات الطلابية والعمالية، وكذلك في ترتيبات المجمع الانتخابي الخاص بلبنان واطر اخرى..

ولا تكمن أهمية هذه المسألة في مجرد حصول التنسيق؛ فالتنسيق بين القوى السياسية ليس امرا مستهجنا، بل قد يكون ضروريا لإنجاز الاستحقاقات الوطنية. لكن المفارقة تظهر عندما تقارن هذه الترتيبات بالموقف السياسي العام للجبهة من قيادة حركة فتح والقوى التي تتولى مواقع قيادية في مؤسسات المنظمة.

ربما يكون السؤال الأهم هنا ليس: لماذا تقاطع الجبهة؟ ولا، لماذا تشارك؟ وإنما: ما المعيار الذي يحكم الأمرين؟ فإذا كانت المشكلة، من وجهة نظر الجبهة، تتصل ببنية منظمة التحرير وآليات اتخاذ القرار فيها، فمن الطبيعي أن يطرح الآخرون سؤالا حول مدى شمول هذا الاعتراض للمؤسسات والاتحادات المنبثقة عن المنظمة، والتي تعيش المشكلة ذاتها، بل اسوأ من ذلك. وإذا كانت الجبهة ترى أن هذه الاتحادات أطر وطنية وجماهيرية يجب الحفاظ عليها والمشاركة فيها، فإن السؤال المقابل هو: ما الذي يمنع اعتماد المنطق نفسه تجاه مؤسسات المنظمة السياسية؟

قد يكون لدى الجبهة تفسير سياسي لهذا التناقض، وربما تعتبر أن المشاركة في الاتحادات الشعبية تختلف عن المشاركة في المؤسسات السياسية العليا، وهذا تفسير يمكن مناقشته. لكن المهم أن يكون هذا الفصل واضحا ومعلنا، حتى لا تتحول المشاركة والمقاطعة إلى أدوات مرتبطة بالظرف التنظيمي أو بحجم التمثيل الذي يمكن الحصول عليه.

فالمقاطعة، في السياسة، يمكن أن تكون موقفا مبدئيا، كما يمكن أن تكون وسيلة احتجاج أو ضغط. والمشاركة يمكن أن تكون تعبيرا عن قناعة بأهمية المؤسسة، كما يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على الحضور والتأثير. لذلك فإن المعيار الحقيقي ليس في المشاركة أو المقاطعة بحد ذاتهما، وإنما في وضوح الأساس الذي يستند إليه كل خيار.

ان كافة فصائل منظمة التحرير هي عرضة للنقد، خاصة الفصيلين الاساسيين الشعبية والديمقراطية، باعتبارهما بوصلة منظمة التحرير، فمن حق الجمهور الفلسطيني أن يسمع تفسيرا واضحا من الجبهة الشعبية حول كيفية الجمع بين مقاطعة المؤسسات الرسمية لمنظمة التحرير، والمشاركة الفاعلة في عدد من مؤسساتها الشعبية والنقابية، وكذلك حول المعايير التي تجعلها ترفض آليات تمثيل في موقع، بينما تخوض مفاوضات صعبة حول نسب التمثيل في موقع آخر.

طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في وطنية الجبهة أو في حقها السياسي، ولا ينبغي أن يتحول إلى اتهام. على العكس، فإن الوضوح في هذه المسائل يمكن أن يساهم في تطوير النقاش الوطني حول مستقبل منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية، بعيدا عن منطق المحاصصة، وبما يعيد للاتحادات الشعبية دورها الحقيقي باعتبارها أطرا لتمثيل الفلسطينيين والدفاع عن مصالحهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت