بقلم: مناضل حننى
بكين تصف القضية الفلسطينية بأنها أكبر ظلم تاريخي في هذا القرن، وتطالب إسرائيل بوقف التوسع الاستيطاني والتراجع عنه. لكن السؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم: من يملك إرادة تحويل هذا الموقف إلى واقع يحمي الأرض الفلسطينية؟
ليس أخطر ما تتعرض له القضية الفلسطينية أن العالم لا يعرف حقيقة ما يجري، بل أن العالم يعرف، ويصدر القرارات، ويعلن مواقفه، ثم يترك الاحتلال يواصل تغيير الجغرافيا وفرض الوقائع بالقوة. وبين الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية واستمرار مصادرة الأرض، تتسع فجوة تكشف أزمة النظام الدولي، وتضع مصداقية القوى الكبرى أمام اختبار لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية.
من هنا، تكتسب تصريحات وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الذي أكد خلال لقائه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أذربيجان، في 15 تشرين الأول 2026، أن القضية الفلسطينية تمثل أكبر ظلم تاريخي في هذا القرن، وطالب إسرائيل بوقف التوسع الاستيطاني القسري في الضفة الغربية والتراجع عنه، أهمية تتجاوز حدود الموقف الدبلوماسي التقليدي. فالصين لا تكتفي هنا بالتعبير عن القلق، بل تضع إصبعها على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع: استحالة بناء سلام عادل بينما تستمر السياسات التي تقوّض الأساس الجغرافي والسياسي للدولة الفلسطينية.
لكن السؤال الأهم ليس ما الذي قالته بكين، بل ما الذي يمكن أن يترتب على هذا القول؟ وهل يشكل الموقف الصيني بداية لتحرك دولي أكثر فاعلية، أم أنه سينضم إلى سجل طويل من التصريحات التي أدانت الاستيطان، فيما بقيت الأرض الفلسطينية عرضة للمصادرة والتجزئة والتهويد؟
الاستيطان ليس تفصيلاً في الصراع… بل مشروع لتصفية إمكان الدولة، إن التعامل مع الاستيطان الإسرائيلي باعتباره مجرد خلاف على أراضٍ يمكن تسويته في مفاوضات مستقبلية، يمثل تجاهلاً متعمداً لطبيعة ما يجري على الأرض. فالاستيطان ليس عملية بناء مساكن فحسب، بل سياسة تفرض واقعاً جغرافياً وديمغرافياً جديداً، وتعيد رسم حدود السيطرة، وتضعف التواصل بين المدن والبلدات الفلسطينية، وتضيّق المساحة المتاحة أمام قيام دولة مستقلة ذات سيادة فعلية.
إن كل توسع استيطاني جديد لا يضيف مباني إلى خريطة الضفة الغربية فقط، بل يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: كم يتبقى من الأرض التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية؟ وكيف يمكن الحديث عن السيادة والاستقلال بينما تتآكل وحدة الأرض، وتتزايد القيود المفروضة على حركة السكان، وتتسع السيطرة الإسرائيلية على الموارد والمساحات الحيوية؟
هنا تكمن خطورة الاستيطان الحقيقية. فهو يراهن على أن الوقت سيؤدي وظيفته السياسية، وأن الوقائع المتراكمة ستصبح، مع مرور السنوات، أمراً يصعب تغييره، وأن المجتمع الدولي سينتهي إلى التعامل مع نتائج القوة باعتبارها حدوداً واقعية لأي تسوية مقبلة.
وبهذا المعنى، فإن المطالبة الصينية بوقف الاستيطان والتراجع عنه تمس جوهر الصراع، لأنها ترفض من حيث المبدأ تحويل الاحتلال إلى مكاسب دائمة، أو منح السياسة القائمة على فرض الأمر الواقع فرصة إضافية لتقويض الحقوق الفلسطينية.
إن السلام الذي يسمح باستمرار الاستيطان ليس سلاماً مؤجلاً فحسب، بل قد يتحول إلى غطاء سياسي لتصفية شروطه الأساسية.
الصين لا تكتفي بتوصيف المأساة… لكنها أمام اختبار الفعل ، لا شك أن صدور هذا الموقف عن الصين يحمل دلالة سياسية مهمة. فبكين قوة دولية كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك علاقات اقتصادية ودبلوماسية واسعة، كما تحتفظ بقنوات اتصال مع أطراف الصراع. ولذلك، فإن صوتها ليس صوت دولة هامشية، بل صوت دولة يمكن أن تسهم في تحريك النقاش الدولي وتوسيع دائرة الضغط السياسي، وتزداد أهمية الموقف الصيني لأنه يعيد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، في مواجهة محاولات اختزالها في ملف إنساني أو التعامل معها بوصفها أزمة إقليمية قابلة للاحتواء المؤقت. فجوهر القضية ليس نقص المساعدات وحده، ولا غياب التهدئة فحسب، بل استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، غير أن وزن الصين الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للمبالغة في تقدير نتائج تصريحاتها. فالقوى الكبرى تُقاس مواقفها بقدرتها على ترجمة المبادئ إلى سياسات، لا بمدى قوة العبارات التي تستخدمها في بياناتها، وهنا يقع التحدي أمام بكين: هل ستكتفي بتجديد الإدانة، أم ستعمل على بناء مسار دولي منسق يربط وقف الاستيطان بآليات واضحة للمراقبة والمساءلة، ويحول دون شرعنة نتائجه، ويستخدم الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة لحماية الحقوق الفلسطينية؟
إن الصين ليست مطالبة بخوض مواجهة منفردة مع إسرائيل، لكنها مطالبة، بحكم وزنها ومواقفها المعلنة ونعول عليها في ذلك كثيرآ، بأن تجعل من القضية الفلسطينية أولوية ثابتة في تحركها متعدد الأطراف، وأن تدفع باتجاه إجراءات دولية أكثر جدية من مجرد تكرار الدعوات إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات.
فالمشكلة لم تعد في نقص المبادرات، بل في غياب ما يكفي من الإرادة لإلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي.
ازدواجية المعايير، حين يصبح القانون قوياً في البيانات وعاجزاً على الأرض
لقد راكم المجتمع الدولي قرارات ومواقف تؤكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأكد مجلس الأمن، في قراره رقم 2334 لعام 2016، أن المستوطنات لا تتمتع بأي شرعية قانونية، ودعا إلى وقف الأنشطة الاستيطانية.
كما خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في تموز/يوليو 2024، إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكدت التزامات قانونية تتعلق بإنهائه واحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما قيمة هذه المرجعيات إذا بقيت عاجزة عن منع استمرار السياسات التي تتعارض معها؟ إن أزمة القانون الدولي لا تكمن في غياب القواعد، بل في الانتقائية التي تحكم تطبيقها. فعندما يتعلق الأمر بدول ضعيفة، تبدو أدوات الضغط والعقوبات والمساءلة أكثر حضوراً، بينما تصبح الحسابات السياسية والتحالفات الاستراتيجية عائقاً أمام اتخاذ خطوات مؤثرة في ملفات أخرى.
وهذا التفاوت لا يضر بالفلسطينيين وحدهم، بل يضرب الثقة في النظام الدولي برمته، ويعزز الاعتقاد بأن القانون لا يمتلك القوة ذاتها أمام جميع الدول، وأن احترامه قد يخضع لموازين النفوذ أكثر مما يخضع لمقتضيات العدالة، إن المطلوب من الدول التي تعلن دعمها لحل الدولتين ألا تكتفي بتأكيد هذا الدعم، بل أن تواجه السياسات التي تجعل تطبيقه أكثر صعوبة. فلا معنى للحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، بينما يستمر تقطيع أوصال الأرض التي يفترض أن تقوم عليها.
إسرائيل أمام سؤال لا يمكن الهروب منه، تضع المطالبة الصينية إسرائيل أمام تناقض سياسي واضح: كيف يمكن لحكوماتها أن تتحدث عن الأمن والاستقرار والسلام، بينما تتواصل سياسات التوسع الاستيطاني التي تزيد الاحتقان، وتعمق انعدام الثقة، وتغلق أبواب التسوية أمام الفلسطينيين؟
إن الأمن لا يمكن أن يتحقق بإدامة الاحتلال، ولا يمكن ضمان المستقبل عبر مصادرة حقوق شعب آخر. كما أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تنتج شرعية سياسية دائمة، أو أن تجعل واقعاً مفروضاً بالقوة مقبولاً لدى أصحاب الأرض.
وإذا كانت إسرائيل تريد علاقات طبيعية ومستقرة مع محيطها الإقليمي، فعليها أن تدرك أن استمرار الاستيطان والضم الفعلي للأرض الفلسطينية لا يمثلان مجرد عقبة أمام المفاوضات، بل يقوضان أساس أي تصور جدي للسلام.
ولا يكفي في هذا السياق أن تعلن الحكومة الإسرائيلية رفضها للحلول العسكرية أو رغبتها في الاستقرار، بينما تواصل سياسات على الأرض تتناقض مع تلك التصريحات. فالمعيار الحقيقي للسلام ليس ما يقال في اللقاءات الدبلوماسية، بل ما يتغير في حياة الفلسطينيين، وفي قدرتهم على البقاء فوق أرضهم، وفي حقوقهم في الحرية والسيادة وتقرير المصير، ومن هنا، فإن وقف الاستيطان والتراجع عن آثاره لا ينبغي أن يُقدَّما بوصفهما تنازلاً سياسياً تمنحه إسرائيل للفلسطينيين، بل باعتبارهما ضرورة قانونية وسياسية لا غنى عنها لأي تسوية عادلة.
فلسطين تحتاج إلى ضغط دولي لا إلى مزيد من الوعود
على أن المسؤولية لا تقع على الصين وحدها. فالمطلوب تحرك دولي أوسع، تتكامل فيه المواقف العربية والصينية والأوروبية والدولية، بهدف تحويل رفض الاستيطان إلى سياسة عملية.
ويبدأ ذلك بتوحيد الموقف الدولي حول ضرورة وقف التوسع الاستيطاني، ومراقبة الانتهاكات على الأرض، وتعزيز المساءلة القانونية، ومنع التعامل مع نتائج الاستيلاء غير المشروع على الأراضي باعتبارها حقائق شرعية. كما يتطلب استخدام العلاقات السياسية والاقتصادية المتاحة للضغط من أجل احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف الاعتداءات التي تستهدف التجمعات السكانية وممتلكاتها، وفي المقابل، تقع على القيادة الفلسطينية مسؤولية استثمار هذه المواقف من خلال استراتيجية وطنية موحدة، تجمع بين العمل الدبلوماسي والقانوني وتعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم. فالمواقف الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن وحدة الموقف الفلسطيني ووضوح الأهداف والقدرة على تحويل الدعم الخارجي إلى مكاسب سياسية ملموسة، كما أن المطلوب عدم السماح بتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني منفصل عن جذوره السياسية. فإغاثة الفلسطينيين واجب عاجل، لكن الإغاثة لا تنهي الاحتلال، وإعادة الإعمار لا تعوض عن السيادة، والتهدئة لا تصبح سلاماً إذا بقيت أسباب الصراع قائمة.
إن جوهر أي تسوية عادلة يجب أن يظل إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وصون وحدة الأرض الفلسطينية، وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران / 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة.
الخانمة: من يوقف الاستيطان قبل أن يبتلع فرصة السلام؟
إن وصف الصين للقضية الفلسطينية بأنها أكبر ظلم تاريخي في هذا القرن يعيد طرح الحقيقة التي حاولت سنوات طويلة من المفاوضات والبيانات تأجيلها: لا يمكن تحقيق السلام من دون عدالة، ولا يمكن بناء دولة فلسطينية مستقلة بينما تستمر السياسات التي تقوض مقومات قيامها.
لكن التاريخ لن يحاسب المجتمع الدولي على ما قاله فقط، بل على ما فعله أيضاً. ولن يكون كافياً أن تتكرر الإدانات في كل مرة تتوسع فيها المستوطنات، أو أن تصدر التحذيرات كلما تقلصت فرص حل الدولتين، ثم يستمر المشهد على حاله.
إن الاختبار الحقيقي للموقف الصيني يتمثل في قدرته على المساهمة في نقل القضية الفلسطينية من دائرة التضامن السياسي إلى دائرة الفعل الدولي، ومن الاعتراف بالظلم إلى العمل على إنهائه.
أما إسرائيل، فعليها أن تدرك أن استمرار الاستيطان لن يصنع سلاماً، بل سيعمق الصراع ويقوض فرص التسوية ويترك المنطقة رهينة لدورات جديدة من المواجهة، وأما العالم، فقد بات أمام خيار واضح: إما أن يدافع عن القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين بإجراءات تتناسب مع خطورة الواقع، وإما أن يواصل الاكتفاء بالبيانات، تاركاً الأرض تتغير والحقوق تتآكل.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شاهد جديد على الظلم، بل إلى إرادة دولية توقفه. والاستيطان لا يتراجع بالكلمات وحدها، والسلام لا يولد من مصادرة الأرض. وما لم تتحول المواقف الدولية إلى قوة تحمي الحق الفلسطيني، فإن الحديث عن حل الدولتين سيظل وعداً يتكرر في العواصم، فيما تعمل الوقائع على الأرض على تقويضه يوماً بعد يوم
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
