تستعد أحزاب المعارضة الإسرائيلية لخوض مواجهة سياسية وبرلمانية مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو فور انتهاء انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، عبر خطة لإقالة رئيس الكنيست أمير أوحانا، حتى في حال فشلها في تشكيل حكومة بديلة، في وقت تكشف فيه استطلاعات الرأي عن تقارب بين المعسكرين وتعقيدات قد تحول دون حصول أي منهما على أغلبية برلمانية.
وبحسب تقرير نشرته قناة «i24NEWS» العبرية، مساء الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، فإن أحزاب ما يعرف بـ«معسكر التغيير»، الذي يُعد رئيس حزب «يشار» غادي آيزنكوت أحد أبرز قادته، توصلت إلى تفاهمات بشأن التحرك لإقالة أوحانا مباشرة بعد الانتخابات، مع الاستعداد للاستعانة بأصوات القائمة المشتركة التي تمثل أحزابًا عربية في الكنيست.
وذكر المراسل البرلماني للقناة، عميئيل يرحي، أن الخطة نوقشت بين ممثلي أحزاب المعسكر، الذين خلصوا إلى عدم وجود مانع سياسي من التعاون مع القائمة المشتركة لتحقيق هذا الهدف، حتى إذا تعثرت المفاوضات الهادفة إلى تشكيل ائتلاف حكومي جديد.
وتستهدف الخطوة، وفق التقرير، انتزاع السيطرة على جدول أعمال الكنيست من معسكر نتنياهو، بما يتيح للمعارضة الدفع بمشاريع قوانين لا تستطيع تمريرها في ظل سيطرة الليكود وحلفائه على رئاسة البرلمان.

ويأتي في مقدمة هذه المشاريع ما يعرف إسرائيليًا بـ«قانون المتهم»، الذي يهدف إلى منع أي عضو كنيست قُدمت ضده لائحة اتهام جنائية من تولي مهمة تشكيل الحكومة، وهو تشريع يستهدف بصورة مباشرة فرص نتنياهو في العودة إلى رئاسة الحكومة، على خلفية محاكمته المستمرة بتهم فساد.
وتعكس الخطة توجهًا لدى المعارضة إلى نقل المواجهة مع نتنياهو من المنافسة على تشكيل الحكومة إلى محاولة فرض تغييرات في موازين القوة داخل المؤسسة التشريعية، والاستفادة من أي أغلبية برلمانية محتملة لتعطيل قدرته على الاحتفاظ بنفوذه السياسي.
غير أن إقالة أوحانا وتمرير التشريعات المقترحة يظلان مرهونين بنتائج الانتخابات، وتوافر الأغلبية البرلمانية والإجراءات القانونية اللازمة، ولا يمثل التفاهم المعلن ضمانًا لتنفيذ الخطة.
استطلاعات متباينة ومعركة على الأغلبية
وتتزامن هذه التحركات مع صدور استطلاعات إسرائيلية تعكس شدة التنافس، لكنها تختلف بصورة ملحوظة في تقديراتها لقوة الأحزاب والمعسكرات.
وبحسب نتائج استطلاع نُسب إلى هيئة البث الإسرائيلية «كان 11»، يحصل المعسكر المناوئ لنتنياهو على 52 مقعدًا، مقابل 51 مقعدًا لمعسكر رئيس الحكومة، فيما يحصل تحالف يوعاز هندل ويارون زليخا على أربعة مقاعد، دون تحديد موقفه النهائي من التحالفات المقبلة.
ويمنح الاستطلاع القائمتين العربيتين 13 مقعدًا، بواقع ثمانية مقاعد للقائمة المشتركة وخمسة للقائمة العربية الموحدة، ما يضع التمثيل العربي ضمن العوامل المؤثرة في الحسابات البرلمانية المقبلة.
وعلى مستوى الأحزاب، يمنح الاستطلاع حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت 23 مقعدًا، مقابل 21 لليكود، فيما يحصل تحالف «بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد على 12 مقعدًا، وحزب «الديمقراطيين» على تسعة مقاعد.
كما يحصل كل من «عوتسما يهوديت» و«يسرائيل بيتينو» و«شاس» والقائمة المشتركة على ثمانية مقاعد، مقابل سبعة مقاعد لكل من «الصهيونية الدينية» و«يهدوت هتوراه»، وخمسة مقاعد للقائمة الموحدة.

وفي استطلاع آخر لقناة «i24NEWS»، جاءت النتائج بصورة مختلفة، إذ حصل الليكود على 25 مقعدًا، مقابل 21 لحزب آيزنكوت و13 لتحالف بينيت، فيما سجل حزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير عشرة مقاعد.
ومنح الاستطلاع الأخير حزب «الديمقراطيين» تسعة مقاعد، ولكل من القائمة المشتركة وشاس ويهدوت هتوراه ثمانية مقاعد، في حين حصل «يسرائيل بيتينو» على ستة مقاعد، وهو مستوى يعكس تراجعًا في التأييد الذي يحظى به الحزب في هذا القياس.
وتشير هذه النتائج، رغم اختلافها، إلى أهمية توزيع المقاعد بين الأحزاب الصغيرة وإمكانية تجاوزها نسبة الحسم، فضلًا عن الدور الذي قد تلعبه القوائم العربية في إقرار تشريعات أو دعم ترتيبات برلمانية بعد الانتخابات.
آيزنكوت يتقدم في مؤشر رئاسة الحكومة
وفي مؤشر منفصل عن توزيع المقاعد، أظهر استطلاع «كان 11» أن 43% من المشاركين اختاروا آيزنكوت عند المفاضلة بينه وبين نتنياهو لرئاسة الحكومة، مقابل 35% لنتنياهو، فيما اعتبر 22% أن أيًا منهما غير مناسب للمنصب.
وفي المقارنة بين نتنياهو وبينيت، حصل الأول على 38% مقابل 34% للثاني، بينما لم يؤيد 28% أيًا منهما.
وعند سؤال ناخبي المعارضة عن الشخصية التي يفضلونها لقيادة الحكومة، حصل آيزنكوت على 51% مقابل 28% لبينيت، فيما لم يفضل 21% أيًا من المرشحين.
وتعكس هذه المؤشرات تباينًا بين التفضيلات الشخصية للمشاركين في الاستطلاع والتوزيع المتوقع للمقاعد، خصوصًا في ظل تعدد الأحزاب المناوئة لنتنياهو وعدم حسم ترتيبات التحالف الحكومي المقبل.

نتنياهو يحذر من التعادل ويستنهض ناخبي الليكود
في المقابل، أقر نتنياهو بحساسية المنافسة الانتخابية، محذرًا من أن معسكره يواجه سباقًا متقاربًا يتطلب رفع نسبة المشاركة بين مؤيدي اليمين.
وقال، في مقابلة مع قناة «i24NEWS»، إنه يشعر بالقلق من الأرقام الانتخابية الفعلية، معتبرًا أن المنافسة وصلت إلى مرحلة حاسمة، وأن الحصول على مقعدين إضافيين قد يكون عنصرًا مؤثرًا في فرص معسكره.
وشدد على ضرورة خروج ناخبي الليكود إلى صناديق الاقتراع، داعيًا إلى تحقيق نتيجة واضحة بدلًا من استمرار التوازن الذي قد يعقّد تشكيل حكومة جديدة.

وتأتي تصريحات نتنياهو في ظل حملة انتخابية تتسم بتصاعد الهجمات المتبادلة بين الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها خلافات داخل المعسكر الواحد، وسط استمرار الجدل بشأن مستقبل القيادة السياسية وطبيعة التحالفات المحتملة بعد الانتخابات.
إيران في صدارة الخطاب الأمني لنتنياهو
وبالتوازي مع المعركة الانتخابية، طرح نتنياهو، الأحد، مفهومًا أمنيًا إسرائيليًا محدثًا، وضع فيه إيران في مقدمة التهديدات، معلنًا استعداد إسرائيل لتنفيذ ضربات عسكرية استباقية ضدها بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة إذا رأت أن الظروف تستدعي ذلك.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عبرية عن إحاطة أمنية قدمها نتنياهو، فإن التصور الجديد يقوم على الانتقال من سياسة الاحتواء والدفاع إلى نهج يمنح الأولوية للهجوم الاستباقي، مع تعزيز القدرات العسكرية والإنتاج المحلي للأسلحة لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
وقال نتنياهو إن نحو 90% من العمل العسكري الذي تستهدف به إسرائيل القدرات الإيرانية قد أُنجز، وفق تقييمه، مشيرًا إلى أن الأهداف الأمنية الإسرائيلية لا تتوقف على الحصول على موافقة أميركية.

كما وضع إسقاط النظام الإيراني ضمن الأهداف الاستراتيجية التي عرضها، متحدثًا عن البرنامج النووي والصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية باعتبارها تهديدات رئيسية.
وشمل التصور الأمني زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، إلى جانب بناء قدرات لمواجهة التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ويأتي طرح هذه الرؤية قبل تسعة أيام من الانتخابات، في توقيت يسعى فيه نتنياهو إلى إبراز خبرته الأمنية والعسكرية بوصفها أحد المحاور المركزية لحملته السياسية، فيما تواصل المعارضة تحميل حكومته مسؤولية الإخفاقات الأمنية والأزمات الداخلية.
غزة وإعادة الإعمار ضمن شروط نتنياهو
وفي ملف قطاع غزة، جدد نتنياهو رفضه السماح بإعادة الإعمار الشاملة قبل نزع سلاح حركة حماس وتجريد القطاع من السلاح، وفق الشروط التي تضعها حكومته.
وكشف في المقابل عن السماح لدولة الإمارات العربية المتحدة بتنفيذ مشاريع للبنية التحتية في منطقة وصفها بـ«الفقاعة الإماراتية»، بالقرب من المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال داخل قطاع غزة.
وأكد أن حكومته لا تسمح، في المرحلة الحالية، بدخول قوات أجنبية مسلحة إلى القطاع، مشيرًا إلى استمرار البحث في الترتيبات الأمنية والإدارية المتعلقة بمستقبله.
أما بشأن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، فقد أقر نتنياهو بخطورة بعض أعمال العنف، لكنه ادعى أن حجم الظاهرة يجري تضخيمه، وقال إنه أوعز لجهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» باتخاذ إجراءات للتعامل معها.
تحقيقات 7 أكتوبر تعود إلى الصراع الانتخابي
وفي ملف التحقيق بأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أعلن نتنياهو أنه سيدفع، في حال إعادة انتخابه، نحو استئناف فحص مراقب الدولة وتشكيل لجنة للتحقيق في الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
لكنه جدد معارضته تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت، متذرعًا بما وصفه بمواقف سياسية مسبقة، وهو ما يبقي الخلاف قائمًا بشأن الجهة المخولة بالتحقيق في مسؤولية المستويين السياسي والأمني.
وقال نتنياهو إن القرارات العسكرية والسياسية المركزية منذ السابع من أكتوبر اتخذها بنفسه، وإن عددًا منها جاء خلافًا لمواقف قيادات في المؤسسة الأمنية، في تصريحات تعكس استمرار الخلاف بشأن تقييم إدارة الحرب وتحديد المسؤوليات.
معركة السلطة تنتقل إلى الكنيست
وتكشف التحركات الأخيرة أن الصراع على السلطة في إسرائيل قد يتجاوز نتائج الانتخابات إلى مواجهة مؤسساتية داخل الكنيست، خصوصًا إذا عجز نتنياهو وآيزنكوت عن تشكيل أغلبية حكومية مستقرة.
فبينما يسعى معسكر نتنياهو إلى استثمار التطورات الأمنية والمواجهة مع إيران في حشد ناخبيه، تدرس المعارضة استخدام الأغلبية البرلمانية المحتملة لتغيير رئاسة الكنيست وفتح الطريق أمام تشريعات قد تحد من قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة.

وتبرز في هذا المشهد أهمية القوائم العربية، التي قد تتحول أصواتها إلى عامل حاسم في بعض القرارات البرلمانية، حتى في غياب اتفاق على مشاركتها في ائتلاف حكومي.
وبذلك، لا تقتصر رهانات انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر على هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تمتد إلى السيطرة على المؤسسة التشريعية، ومستقبل محاكمة نتنياهو، وحدود صلاحيات الحكومة، واتجاه السياسات الأمنية الإسرائيلية.
ومع تضارب نتائج الاستطلاعات وتعدد سيناريوهات التحالفات، تبقى احتمالات تشكيل الحكومة مفتوحة، فيما تشير الخطة التي كشف عنها الإعلام العبري إلى أن المعارضة تستعد لخوض مواجهة برلمانية مع نتنياهو حتى إذا لم تنجح في انتزاع السلطة التنفيذية.