قبل أسبوع من انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تتصاعد الخلافات داخل معسكر المعارضة الصهيونية بشأن ترتيبات اليوم التالي للاقتراع، وسط مخاوف من تعذر تشكيل أغلبية برلمانية متماسكة لإلغاء التشريعات القضائية التي أقرتها حكومة بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع استطلاعات متباينة بشأن موازين القوى، وانسحاب بيني غانتس من السباق، وتدخل أميركي مباشر لدعم إعادة انتخاب نتنياهو.
وكشف موقع «واينت» الإسرائيلي، الاثنين 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن اجتماعات تنسيقية بين أحزاب ما يُعرف بـ«معسكر التغيير» أظهرت تباينات بشأن إلغاء قوانين مرتبطة بالجهاز القضائي، بعد تحذيرات من احتمال رفض نواب منتخبين على قوائم المعارضة التصويت لإلغائها، نتيجة تأييدهم السابق لبعضها، ما قد يبدد أي أفضلية برلمانية محدودة يحققها المعسكر في الانتخابات المقبلة.
وشارك في الاجتماعات ممثلون عن أحزاب «يسرائيل بيتينو» برئاسة أفيغدور ليبرمان، و«يَشار» بقيادة غادي آيزنكوت، و«بياحد» برئاسة نفتالي بينيت، و«الديمقراطيين» بقيادة يائير غولان، لمناقشة الإجراءات التشريعية والبرلمانية المطلوبة فور انعقاد الكنيست الجديد.
وتتركز المخاوف حول ثلاثة تشريعات رئيسية، تتعلق بصلاحيات المستشارة القضائية للحكومة، وإخضاع وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة «ماحاش» لوزارة القضاء، وتغيير تركيبة لجنة اختيار القضاة، الذي يُفترض أن يدخل حيز التنفيذ بعد الانتخابات.
وبحسب التقرير، أثارت مواقف ممثلي حزب آيزنكوت تساؤلات لدى شركائهم، بعدما طلبوا التحقق والتشاور بشأن بعض التشريعات قبل تقديم إجابات حاسمة، فيما استند مسؤولون في المعسكر إلى تصريحات سابقة لمرشحين أيدوا أجزاء من التغييرات القضائية التي دفعت بها حكومة نتنياهو.
ونقل «واينت» عن مسؤولين في المعارضة تحذيرات من أن تعدد التوجهات داخل بعض القوائم وغياب الالتزامات الواضحة قد يمنع تمرير قوانين الإلغاء، خصوصًا إذا لم يتمكن المعسكر من ضمان تصويت جميع نوابه.
وتتعاظم هذه المخاوف في ضوء ما كشفته تقارير إسرائيلية سابقة عن تشكيل الليكود فريقًا خاصًا لدراسة خلفيات مرشحين في قوائم المعارضة، وعلاقاتهم الاجتماعية والعائلية والشخصيات المؤثرة عليهم، بهدف استمالة بعضهم أو التأثير في تصويتهم بعد الانتخابات، بما يحول دون تشكل أغلبية برلمانية مناوئة لنتنياهو.
وفي محاولة لتجاوز هذه العقبات، تعمل فرق مشتركة على إعداد الصيغ القانونية مسبقًا، ضمن خطة للتحرك السريع بعد الاقتراع، تبدأ بالسعي للسيطرة على اللجنة المنظمة للكنيست واستبدال رئيسه أمير أوحانا، قبل الشروع في إلغاء التشريعات القضائية ومنع دخول بعضها حيز التنفيذ.
وتشمل الخطط أيضًا الدفع بما يُعرف بـ«قانون المتهم»، الذي يستهدف منع من يواجه لائحة اتهام جنائية من تولي رئاسة الحكومة، في خطوة تستهدف نتنياهو، مع بحث إمكانية إجراء انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل ائتلاف مستقر.
غير أن هذه السيناريوهات تصطدم بخلافات سياسية إضافية، بعدما رفض ليبرمان دعم حكومة أقلية حتى لو كانت انتقالية، خلافًا لطرح آيزنكوت الذي أبقى هذا الخيار مطروحًا، ما يعكس صعوبة توحيد المعارضة حول صيغة للحكم، رغم اتفاق أحزابها على ضرورة إنهاء ولاية نتنياهو.

استطلاعات متناقضة: تقدم محدود للمعارضة وأغلبية لنتنياهو في القناة 14
وتزامنت هذه التطورات مع نشر ثلاثة استطلاعات إسرائيلية، مساء الإثنين 19 تشرين الأول/ أكتوبر، أظهرت اختلافًا ملحوظًا في تقديرات نتائج الانتخابات.
فبحسب القناة 12، حصلت أحزاب المعارضة الصهيونية على 55 مقعدًا، مقابل 51 لمعسكر نتنياهو، فيما حصدت القائمتان العربيتان 14 مقعدًا، دون بلوغ أي من المعسكرين أغلبية 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة.
وتصدر حزب «يَشار» بقيادة آيزنكوت الاستطلاع بـ24 مقعدًا، يليه الليكود بـ21 مقعدًا، ثم «بياحد» برئاسة بينيت بـ14 مقعدًا، في حين بقيت عدة قوائم صغيرة، بينها قائمة يوعاز هندل ويارون زليخا، دون نسبة الحسم.
وفي استطلاع القناة 13، حصلت المعارضة الصهيونية على 51 مقعدًا مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، مع 15 مقعدًا للقائمتين العربيتين وأربعة مقاعد لقائمة هندل–زليخا، التي صُنفت خارج المعسكرين. وتقدم آيزنكوت بـ20 مقعدًا مقابل 18 لليكود و14 لحزب بينيت.
في المقابل، قدم استطلاع القناة 14، المحسوبة على اليمين والمؤيدة لنتنياهو، صورة معاكسة، بمنح معسكره أغلبية من 62 مقعدًا، مقابل 45 للمعارضة الصهيونية و13 للقائمتين العربيتين، مع تصدر الليكود بـ30 مقعدًا، مقابل 19 لحزب آيزنكوت.
وعلى مستوى الملاءمة لرئاسة الحكومة، تقدم آيزنكوت على نتنياهو في استطلاع القناة 12 بنسبة 45% مقابل 33%، كما تقدم بينيت على نتنياهو بنسبة 39% مقابل 34%. وأظهر الاستطلاع نفسه ارتفاع نية المشاركة الانتخابية إلى 81% بين ناخبي المعارضة، مقابل 74% بين ناخبي معسكر نتنياهو، و72% على المستوى العام.
وتكتسب نسبة المشاركة أهمية خاصة في ضوء تقديرات حصول القائمتين العربيتين على ما بين 13 و15 مقعدًا، بما قد يمنحهما دورًا مؤثرًا في تحديد موازين القوى، رغم استمرار رفض أطراف رئيسية في المعارضة الصهيونية الاعتماد عليهما لتشكيل الحكومة.

انسحاب غانتس يعيد توزيع الأوراق الانتخابية
وفي تطور انتخابي بارز، أعلن رئيس حزب «كاحول لافان»، بيني غانتس، الإثنين، انسحابه من الانتخابات، بعدما أظهرت استطلاعات متتالية عدم تمكن حزبه من تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25%.
وجاء القرار وسط ضغوط داخلية لتجنب ضياع أصوات الناخبين، فيما أقر غانتس في خطاب انسحابه بعدم نجاحه في إقناع عدد كافٍ من الإسرائيليين بمشروعه السياسي، مجددًا دعوته إلى تشكيل حكومة وحدة واسعة، ومحذرًا من الانزلاق إلى انتخابات متكررة أو أزمة سياسية وأمنية جديدة.
ورحب آيزنكوت بالانسحاب، معتبرًا إياه قرارًا مسؤولًا، بينما تثير الخطوة تساؤلات حول وجهة أصوات مؤيدي غانتس، خصوصًا في ظل التنافس بين القوائم المحسوبة على المعارضة والقوى الواقعة خارج الاصطفاف التقليدي للمعسكرين.

ترامب يدخل الحملة الانتخابية ونتنياهو يوظف الدعم الأميركي
وفي موازاة الخلافات الداخلية للمعارضة، صعّد نتنياهو توظيف علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في حملته الانتخابية، بعد إعلان الأخير، الأحد 18 تشرين الأول/ أكتوبر، دعمه العلني لإعادة انتخاب رئيس الحكومة الإسرائيلية.
وعممت حملة الليكود، الإثنين، تسجيلًا لمحادثة بين الرجلين أكد خلالها ترامب أنه صاغ بنفسه رسالة تأييده لنتنياهو، فيما شدد الأخير على ضرورة استمرار شراكتهما لاستكمال الملفات المتعلقة بإيران وتوسيع اتفاقيات أبراهام.
وكان ترامب قد وصف نتنياهو بأنه شريك رئيسي في مواجهة التحديات الإقليمية، وحذر من انتخاب قيادة إسرائيلية بديلة، رابطًا استمرار التعاون الأميركي الإسرائيلي في مواجهة إيران ببقاء نتنياهو في السلطة.
وأثار التدخل الأميركي انتقادات من المعارضة؛ إذ أكد آيزنكوت أن اختيار رئيس الحكومة مسؤولية الناخبين الإسرائيليين، بينما اتهم ليبرمان ترامب بالسعي إلى إدارة إسرائيل من خلال نتنياهو.
وفي سياق متصل، أوردت القناة 13 تقديرات بوجود ارتباط محتمل بين التأييد الأميركي وتعهد من نتنياهو بالشروع في أعمال «إعادة إعمار» محدودة شرقي «الخط الأصفر» في قطاع غزة، داخل المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، دون إعلان تفاصيل تنفيذية واضحة أو تأكيد وجود تفاهم انتخابي مقابل ذلك.
ويأتي التدخل الأميركي في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى تعبئة قواعد اليمين ورفع المشاركة، عبر حملة تقدم الانتخابات باعتبارها مواجهة سياسية وأمنية حاسمة، وتحذر من وصول حكومة بقيادة آيزنكوت تعتمد على الأحزاب العربية.

سيناريوهات ما بعد الاقتراع: أغلبية هشة أم حكومة وحدة أم انتخابات جديدة؟
وتشير مجمل المعطيات إلى أن التحدي الأساسي أمام المعارضة الصهيونية لا يقتصر على التفوق العددي على معسكر نتنياهو، وإنما يمتد إلى قدرتها على ترجمة المقاعد المحتملة إلى أغلبية سياسية وبرلمانية منضبطة، تستطيع انتخاب رئيس جديد للكنيست وإلغاء تشريعات الحكومة وتشكيل ائتلاف مستقر.
وتتعمق هذه المعضلة مع اختلاف المواقف بشأن حكومة الأقلية، والتعاون البرلماني مع الأحزاب العربية، وإمكانية تشكيل حكومة وحدة مع نتنياهو، فضلًا عن مخاوف المعارضة من استمالة بعض نوابها بعد الانتخابات.
وأظهر استطلاع القناة 13 أن 52% من المستطلعين يفضلون انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل حكومة، مقابل 32% يؤيدون حكومة وحدة بالتناوب بين آيزنكوت ونتنياهو. كما أبدى 47% عدم ثقتهم بأن أي قرار حكومي بشن حرب قبيل الانتخابات سيكون قائمًا على اعتبارات موضوعية، مقابل 33% يثقون بذلك، في مؤشر على حضور الشكوك المرتبطة بتوظيف القرارات الأمنية في المنافسة الانتخابية.
وبذلك، تتجه الانتخابات الإسرائيلية إلى مواجهة مفتوحة على أكثر من احتمال؛ فبينما يحاول نتنياهو تحويل دعم ترامب وتماسك معسكر اليمين إلى أغلبية حاسمة، يسعى آيزنكوت وحلفاؤه إلى استثمار التقدم في بعض الاستطلاعات لإحداث تغيير سياسي وتشريعي سريع.
لكن الانقسامات داخل المعارضة، وتضارب الاستطلاعات، وثقل المقاعد العربية في المعادلة البرلمانية، تجعل حسم هوية الحكومة المقبلة غير مضمون، وتضع إسرائيل أمام احتمال استمرار نتنياهو، أو انتقال السلطة إلى معسكر غير متجانس، أو الدخول في جولة جديدة من الجمود السياسي والانتخابات المتكررة.