«نهر يوم القيامة الجليدي» يثير مخاوف العلماء.. دراسة تكشف خطرًا أكبر لارتفاع مستوى البحار

نهر ثويتس الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية، حيث يدرس العلماء تأثير المياه الدافئة في استقراره وتراجعه.
نهر ثويتس الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية، حيث يدرس العلماء تأثير المياه الدافئة في استقراره وتراجعه.

حذرت دراسة علمية حديثة من أن نهر ثويتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، المعروف إعلاميًا باسم «نهر يوم القيامة الجليدي»، قد يسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي بمقدار أكبر مما توقعته النماذج المناخية السابقة، بعدما كشف الباحثون عن تأثير واسع لتسلل مياه المحيط الدافئة إلى أسفل كتلته الجليدية.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة «Nature Communications» العلمية في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن النماذج التي تراعي ذوبان الجليد في مناطق امتداد المياه البحرية أسفله تتوقع مساهمة قد تصل إلى نحو 30 مليمترًا، أي 3 سنتيمترات، في ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر بحلول نهاية القرن الحالي، بما يعادل ضعف متوسط بعض التقديرات السابقة في ظل ظروف مناخية مماثلة.

وجاءت النتائج بعد تطوير نموذج حاسوبي جديد يعتمد على بيانات الأقمار الصناعية وقياسات حركة الجليد وتراجعه منذ تسعينيات القرن الماضي، بهدف تفسير العمليات الفيزيائية التي تؤدي إلى تآكل قاعدة النهر الجليدي وتسارع تدفق الجليد نحو المحيط.

ما هو نهر يوم القيامة الجليدي ولماذا يخشاه العلماء؟

يقع نهر ثويتس الجليدي (Thwaites Glacier) في غرب القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، ويُعد أحد أكبر الأنهار الجليدية وأكثرها تعرضًا للتراجع في المنطقة.

وتبلغ مساحة حوضه الجليدي نحو 192 ألف كيلومتر مربع، بينما يصل عرضه إلى نحو 120 كيلومترًا، ما يجعله من أوسع الأنهار الجليدية على سطح الأرض.

واكتسب ثويتس لقب «نهر يوم القيامة الجليدي» بسبب المخاطر المحتملة التي قد تنتج عن فقدان كتلته الجليدية، وتأثير ذلك في ارتفاع مستوى البحار والمحيطات، فضلًا عن دوره في استقرار أجزاء أخرى من الغطاء الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية.

وتشير التقديرات العلمية إلى أن الفقدان الكامل للجليد البري المرتبط بثويتس قد يرفع متوسط مستوى سطح البحر العالمي بنحو 65 سنتيمترًا.

لكن هذا السيناريو لا يعني أن النهر الجليدي على وشك الاختفاء، ولا تتوقع الدراسة الجديدة فقدانه بالكامل قبل نهاية القرن الحالي.

كيف تتسلل المياه الدافئة تحت نهر ثويتس الجليدي؟

تكمن أبرز نتائج الدراسة في تحديد دور منطقة تُعرف علميًا باسم «منطقة الارتكاز» أو «منطقة التأريض الجليدي» (Grounding Zone)، وهي المنطقة الانتقالية التي يبدأ فيها الجليد بفقدان اتصاله بقاع البحر والتحول إلى جليد عائم.

وافترضت نماذج علمية سابقة أن هذه المنطقة تمثل حدًا ضيقًا وواضحًا يفصل بين الجليد المرتكز على القاع والجليد الطافي.

إلا أن قياسات الأقمار الصناعية كشفت أن المياه البحرية تستطيع التسلل إلى مسافات تمتد عدة كيلومترات تحت الجليد الذي لا يزال مرتكزًا على القاع.

وخلال دورات المد والجزر، يرتفع الجليد قليلًا عن القاع، ما يسمح بتقدم مياه المحيط تحته. وتؤدي هذه العملية إلى زيادة ملامسة المياه الدافئة لقاعدته، وتسريع الذوبان وإضعاف نقاط ارتكازه الطبيعية.

واعتمد الباحثون على قياسات رادارية عالية الدقة، بينها بيانات من أقمار شركة «ICEYE» الفنلندية، لتحديد نطاق تسلل المياه ومقارنته بالتغيرات المسجلة في حركة النهر الجليدي.

نموذج جديد يكشف تراجعًا أسرع للجليد

قاد الدراسة الباحث ماتيا بوينيلي، بمشاركة العالم إريك رينيو وخبراء من مؤسسات بحثية أميركية، بينها مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا وجامعتا كاليفورنيا ودارتماوث.

وطوّر الفريق نموذجًا حاسوبيًا يأخذ في الحسبان مناطق تسلل المياه البحرية وتأثيرها في ذوبان الجليد من الأسفل، بدلًا من الاعتماد على حد فاصل ضيق بين الجليد المرتكز والعائم.

وعند مقارنة نتائج النموذج بالملاحظات المسجلة بين عامي 1996 و2023، وجد الباحثون أن إدراج مناطق ارتكاز يتراوح امتدادها بين كيلومترين وخمسة كيلومترات يساعد على محاكاة التراجع الفعلي للجليد وتناقص سماكته وتسارع تدفقه بصورة أدق.

وأظهرت القياسات أن الجزء الغربي الأسرع حركة من ثويتس تراجع نحو 25 كيلومترًا منذ عام 1996، بمعدل يقارب 800 متر سنويًا.

وتشير هذه النتائج إلى أن إغفال التفاعلات بين مياه المحيط وقاعدة النهر الجليدي قد يؤدي إلى التقليل من حجم الفقد المتوقع للجليد خلال العقود المقبلة.

خطر فقدان نقطة ارتكاز طبيعية تحت البحر

ومن أبرز المخاطر التي تناولتها الدراسة احتمال فقدان نهر ثويتس اتصاله بمرتفع صخري تحت سطح البحر يُعرف باسم «حيد موجينو» (Mouginot Ridge)، ويعمل حاليًا بوصفه نقطة ارتكاز تساعد على الحد من تراجعه.

وأوضح الباحثون أن استمرار تسلل المياه الدافئة وذوبان الجليد قد يؤدي إلى إضعاف اتصاله بهذا المرتفع، ما يسمح بتراجعه باتجاه مناطق يصبح فيها قاع البحر أكثر عمقًا.

وفي بعض المحاكاة التي افترضت امتداد منطقة تسلل المياه إلى ما بين أربعة وستة كيلومترات، بلغت الاحتمالية المحسوبة لتجاوز النهر الجليدي حيد موجينو نحو 60% بحلول عام 2100.

كما أظهرت بعض السيناريوهات إمكانية فقدان نقطة الارتكاز في وقت مبكر يصل إلى عام 2038، لكن ذلك يعتمد على شروط النموذج والافتراضات المستخدمة، ولا يمثل موعدًا مؤكدًا لوقوع الحدث.

وإذا فقد النهر الجليدي اتصاله بهذا الحيد، فقد يستمر تراجعه حتى يصل إلى مرتفع صخري آخر يُعرف باسم «الحيد الجنوبي»، قد يوفر له نقطة استقرار إضافية.

هل يرتفع مستوى البحر 3 سنتيمترات بحلول عام 2100؟

قدّر الباحثون أن مساهمة نهر ثويتس وحده في ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر العالمي قد تصل إلى نحو 30 مليمترًا بحلول عام 2100، بهامش عدم يقين يقارب 6 مليمترات، في أحد السيناريوهات المتوافقة مع الرصد الحديث.

وتقارن هذه النتيجة بمتوسط توقعات سابقة يبلغ نحو 15 مليمترًا في ظروف مناخية مماثلة، ما يعني أن المساهمة المحتملة للنهر الجليدي قد تتضاعف.

وتختلف النتائج بحسب مقدار تسلل المياه تحت الجليد؛ إذ توقعت بعض سيناريوهات الدراسة مساهمة أقرب إلى 19 مليمترًا، بينما وصلت التقديرات الأعلى إلى نحو 30 مليمترًا.

ومن المهم أن هذه الأرقام تخص نهر ثويتس وحده، ولا تمثل التوقعات الإجمالية لارتفاع مستوى البحار عالميًا، التي تتأثر أيضًا بذوبان الأنهار والصفائح الجليدية الأخرى والتمدد الحراري لمياه المحيطات.

كما اعتمدت التوقعات الأساسية للدراسة على ظروف مناخية ومحيطية مماثلة لتلك التي سُجلت خلال العقود الماضية، دون افتراض ارتفاع إضافي مستمر في درجات الحرارة حتى نهاية القرن.

ويعني ذلك أن العمليات الجارية حاليًا تحت الجليد قد تؤدي إلى فقدان أكبر للكتلة الجليدية حتى دون إضافة احترار جديد إلى السيناريو الأساسي.

ماذا يعني ذوبان نهر ثويتس للمدن الساحلية؟

رغم أن ارتفاع مستوى البحر بمقدار ثلاثة سنتيمترات قد يبدو محدودًا، فإن أهميته تكمن في إضافته إلى الارتفاع العالمي الناجم عن عوامل أخرى.

فكل زيادة في متوسط مستوى سطح البحر يمكن أن ترفع مخاطر الفيضانات الساحلية، خصوصًا في المناطق المنخفضة التي تتعرض للمد والعواصف البحرية وارتفاع الأمواج.

وتشمل التأثيرات المحتملة زيادة تعرض المناطق الساحلية للغمر، وتراجع بعض الشواطئ، وارتفاع مستويات المياه أثناء العواصف، مع اختلاف حجم التأثير من منطقة إلى أخرى تبعًا لطبيعة الساحل ومستوى الحماية والبنية التحتية.

وتؤكد نتائج الدراسة أهمية إدراج التفاعلات الدقيقة بين الجليد والمحيطات في نماذج المناخ، من أجل توفير تقديرات أكثر واقعية تساعد المدن الساحلية على التخطيط للتكيف مع ارتفاع مستوى البحار.

هل ينهار نهر يوم القيامة الجليدي بالكامل؟

لا تتنبأ الدراسة الجديدة بانهيار كامل لنهر ثويتس خلال العقود المقبلة، وإنما تحذر من أن بعض العمليات الفيزيائية المسؤولة عن ذوبانه وتراجعه كانت أقل تمثيلًا في نماذج سابقة.

كما ينبغي التمييز بين تفتت الأرفف الجليدية العائمة وانهيار الكتلة الجليدية المرتكزة على اليابسة، لأن الظاهرتين تختلفان من حيث تأثيرهما المباشر في مستوى البحر.

فالرفوف الجليدية العائمة موجودة بالفعل في الماء، بينما يؤدي انتقال الجليد البري إلى المحيط إلى زيادة كمية المياه فيه وارتفاع مستواه.

ويؤكد الباحثون أن تحسين تمثيل منطقة الارتكاز في النماذج ساعد على تقليل بعض أوجه عدم اليقين، لكنه لا يلغي الحاجة إلى المزيد من القياسات والمراقبة المستمرة.

وتضيف الدراسة دليلًا علميًا جديدًا على أهمية العمليات التي تحدث تحت الأنهار الجليدية في تحديد مستقبلها، وتسلط الضوء على المخاطر طويلة الأمد المرتبطة بتراجع الجليد في القارة القطبية الجنوبية، وانعكاساتها المحتملة على المناطق الساحلية حول العالم.